كنت عارفه

لمحة نيوز

قيمة.
كان بيتكلم وهو باصص ناحيتي، وكأنه بيعتذر لي للمرة الألف.
مرت الأيام، وكبر الأولاد، وكل واحد بدأ يبني حياته.
أما أنا وحامد، فبقينا نقضي وقتنا مع بعض بهدوء، نسترجع الذكريات، ونضحك على مواقف زمان.
وفي مساء هادئ، كنا قاعدين في البلكونة نشرب الشاي.
بص لي وقال
لو رجع بيا الزمن، أول قرار هغيره هو إني أخليك تحسي إنك قليلة في يوم.
ابتسمت وقلت
كلنا بنغلط... لكن مش كل الناس عندها الشجاعة إنها تعترف بغلطها وتحاول تصلحه.
مد إيده ومسك إيدي وقال
الحمد لله إن ربنا اداني فرصة أصلح اللي أفسدته.
بصيت للسماء، وحمدت ربنا على كل ما مررت به، لأن كل محنة علمتني درسًا، وكل صبر كان وراءه فرج.
وانتهت الحكاية، لكن بقي درسها
لا تحكم على قيمة إنسان بما ينقصه، فقد يمنحه الله في لحظة ما يعجز عنه البشر سنوات، والرحمة وحسن المعاملة هما أساس أي بيت يدوم بعد سنوات طويلة، شابت خصلات شعرنا، وكبر أولادنا، وكل واحد منهم بقى له حياته وبيته.
وفي يوم الجمعة، اتجمعنا كلنا في البيت الكبير على الغداء.
كانت بنتي بتحضر السفرة مع أولادها، وابن حامد كان بيساعدها، والعيلة كلها بقت متحابة، من غير خلافات ولا مقارنات.
وأنا واقفة في المطبخ، حسيت بحد بيحط إيده على كتفي.
لفيت، لقيت حامد.
ابتسم وقال
فاكرة أول عزومة عند أسماء؟
ضحكت وقلت
إنت مش بتنسى اليوم ده أبدًا.
قال
لأنه أكتر يوم كشفلي قد إيه كنت ظالم.
بعد الغداء، طلب من الكل يقعد.
وقال لأولاده وأحفاده
عايز أحكيلكم حاجة عمري ما حكيتها قبل كده.
حكى لهم عن أخطائه، وإزاي كان فاكر إن توفير الفلوس يكفي، لحد ما اكتشف إن الكلمة الطيبة والاحترام والعدل أهم من أي مال.
وقال لهم
أوعوا تخلوا حد يعيش معاكم وهو حاسس إنه وحيد، لأن الوحدة وسط الناس أصعب بكتير من الوحدة وإنت لوحدك.
كان الكل ساكت، يسمع كلامه
بتأثر.
وبعدين بص لي قدامهم كلهم وقال
أنا مدين للست دي بعمر كامل من الاعتذار، ولو اتولدت مية مرة، هختارها زوجة ليا في كل مرة.
احمر وشي من الكسوف، والكل ابتسم.
في آخر اليوم، وبعد ما مشي الجميع، قعدنا في الجنينة.
كان الغروب جميل، والجو هادئ.
قال لي
عارفة أكبر نعمة ربنا أنعمها عليّ؟
قلت
إيه؟
قال وهو ماسك إيدي
إنه مدانيش كل اللي نفسي فيه في الوقت اللي أنا عايزه... لأن لو ده حصل، ماكنتش هتعلم الرحمة، ولا كنت هعرف قيمة الإنسان اللي كان واقف جنبي.
ابتسمت وأنا ببص لأولادنا وأحفادنا بيلعبوا مع بعض.
وقلت بهدوء
سبحان مغير الأحوال... الأيام بتتغير، لكن المعروف والرحمة هما اللي بيفضلوا.
وانتهت الحكاية، لكن بقيت رسالتها لكل زوج وزوجة
قد يختبر الله الإنسان بالرزق أو بالحرمان، لكن حسن الخلق، والعدل، والرحمة، هي الأشياء التي تجعل البيوت تبقى عامرة مهما تغيرت الظروف بعد مرور سنوات، مرض حامد مرضًا شديدًا، واضطر يقعد في البيت فترة طويلة.
في الأيام دي، اكتشف معنى الاحتياج الحقيقي.
كنت أنا أول واحدة أصحى أحضر له دواه، وأقيس له الضغط، وأقعد جنبه بالساعات.
وفي يوم، وهو على السرير، مسك إيدي وقال
عارفة... زمان كنت فاكر إن القوة في الفلوس والشغل، لكن وأنا تعبان، اكتشفت إن القوة الحقيقية في الإنسان اللي يفضل جنبك وقت ضعفك.
ابتسمت وقلت
إحنا عشرة عمر يا حامد.
نزلت دموعه وقال
وأنا قصرت في حق عشرة العمر.
بعد شهور، الحمد لله، ربنا شفاه ورجع يقف على رجليه.
أول حاجة عملها إنه قرر يعمل عمل خير.
راح اشترى قطعة أرض، وبنى عليها مركزًا صغيرًا لعلاج غير القادرين، وكتب على مدخل المبنى
خير الناس أنفعهم للناس.
ولما سألته ليه عمل كده، قال
ربنا اداني فرصة تانية في حياتي، ولازم أستغلها في الخير.
بقيت أشوفه كل أسبوع يزور المرضى، ويساعد المحتاجين،
ويطمن على الناس بنفسه.
وفي يوم، وإحنا خارجين من المركز، جريت علينا بنت صغيرة، ماسكة وردة.
ادتها لحامد وقالت
شكرًا يا عمو.
ابتسم، وأخد الوردة، وبص لي وقال
يمكن دي أول مرة أحس إن حياتي بقت ليها أثر حقيقي.
ابتسمت وأنا برد عليه
الإنسان بيتغير لما يتعلم من أخطائه، ويحول الندم لعمل صالح.
رجعنا البيت وإحنا مطمنين، وكل واحد فينا عارف إن الحياة مش بطولها، لكن بما يتركه الإنسان من خير في قلوب الناس.
وهكذا انتهت رحلة طويلة بدأت بالألم، وانتهت بالرحمة، والتسامح، والعمل الصالح، لتبقى الذكرى درسًا لكل من يقرأها مرت سنوات أخرى، وأصبح البيت مليئًا بالأحفاد.
كل يوم جمعة كان الجميع يجتمع عندنا، والبيت يرجع يضحك من جديد.
وفي أحد الأيام، سألتني حفيدتي الصغيرة وهي قاعدة 
تيتا... إنتِ وبابا جدو عمركم اتخانقتوا؟
ضحك كل اللي قاعدين، أما أنا وحامد بصينا لبعض وابتسمنا.
قال لها حامد
اتخانقنا؟ ده إحنا اتعلمنا من الحياة دروس كتير.
قالت ببراءة
زي إيه؟
رد وهو ماسك إيدي قدام الكل
إن الإنسان لازم يحافظ على اللي بيحبه قبل ما يخسره.
بصيت له وقلت
وإن الكلمة الطيبة بتعيش في القلب سنين، والكلمة القاسية برضه بتعيش.
سكت شوية، ثم قام من مكانه، ودخل أوضته.
رجع بعد دقائق وهو شايل صندوق خشب قديم.
فتحه قدام أولاده وأحفاده.
كان جواه صور قديمة، ورسائل، وأول خاتم جابهولي بعد جوازنا.
قال
احتفظت بالحاجات دي كلها، لأنها بتفكرني إني مهما غلطت، ربنا فتحلي باب أصلح غلطي.
وبعدين طلع ورقة صفراء قديمة.
كانت أول تحليل حمل احتفظنا بيه.
رفعها وقال
الورقة دي غيرت حياتي كلها.
ابتسمت وأنا أفتكر اللحظة دي، وقلت
سبحان من يقول للشيء كن فيكون.
في نهاية اليوم، وبعد ما مشي الأولاد، وقفنا في البلكونة نتفرج على غروب الشمس.
قال لي
لو الزمن وقف عند اللحظة دي،
هبقى راضي.
ابتسمت وسألته
ليه؟
قال
لأني
شايف حواليا نعمة كنت فاكر إني مستحيل أوصلها... بيت مليان محبة، وأولاد، وأحفاد، وزوجة عمرها ما ردت الإساءة بإساءة.
ابتسمت وقلت
الفضل لله أولًا، ثم إن الإنسان لما يراجع نفسه بصدق، ربنا بيعوضه.
وفي تلك اللحظة، ارتفع أذان المغرب.
نظر كل منا إلى الآخر، ثم قمنا معًا لنصلي.
وكان ذلك أجمل ختام لرحلة طويلة، أثبتت أن البيوت لا تُبنى بالمال ولا بالوعود، وإنما بالمودة، والرحمة، والعدل، وحسن الخلق بعد أيام قليلة، شعر حامد بتعب شديد، فنقلناه إلى المستشفى.
وقفنا جميعًا حوله؛ أنا، وأولادنا، وأحفادنا. كان ينظر إلينا بابتسامة هادئة، وكأنه مطمئن أن كل شيء أصبح في مكانه الصحيح.
طلب أن يتحدث معنا جميعًا، وقال بصوت متعب
لو ليا وصية... فهي إنكم تحافظوا على بعض. متخلوش الدنيا تفرقكم، ولا تظلموا حد زي ما أنا ظلمت في يوم من الأيام. الإنسان ممكن يغلط، لكن الشجاع هو اللي يعترف ويصلح غلطه.
ثم التفت ناحيتي، ومد يده بصعوبة.
أمسكتها، فابتسم وقال
شكرًا... لأنك سامحتيني، ولأنك فضلتي إنسانة كريمة حتى في أصعب لحظاتك.
لم أستطع الرد، واكتفيت بأن أضغط على يده وأنا أبكي.
بعد ساعات، فاضت روحه إلى بارئها بهدوء، وهو يردد الشهادة.
مرت شهور، لكن ذكراه ظلت في كل ركن من البيت.
وفي كل جمعة، كان أولادنا وأحفادنا يجتمعون حول المائدة نفسها التي شهدت يومًا أصعب لحظات حياتي، لكنها أصبحت اليوم مائدة تجمع المحبة وصلة الرحم.
وقفت أمام صورته يومًا، وقلت
يا حامد... سامحتك من قلبي، وأسأل الله أن يسامحنا جميعًا. لقد علمتنا الحياة أن القلوب قد تنكسر، لكنها قد تلتئم إذا صدقت التوبة، وحضر الندم، وعاد الإنسان إلى ربه.
وأغلقت ألبوم الصور، ونظرت إلى أولادي وأحفادي وهم يضحكون في الحديقة.
ابتسمت، وحمدت الله على كل ما مررت
به، لأن النهاية لم تكن انتصار شخص على آخر، بل كانت انتصار الرحمة على القسوة، والتسامح على الألم، والإيمان على اليأس.
تمت.

تم نسخ الرابط