كنت عارفه
المحتويات
مش لأنه اتفاجئ إن ربنا رزقني بطفل.
سكت، وملاقاش كلام يرد بيه.
مرت أيام، وخبر حملي وصل للعيلة كلها.
أسماء كانت أول واحدة جت تزورني، وهي بتعيط من الفرحة وقالت
سبحان اللي بيغير الأحوال في لحظة.
أما حامد، فبدأ يحاول يقضي وقت أطول معايا، ويسألني إذا كنت محتاجة حاجة، ويحاول يصلح اللي بينا.
لكن الجرح اللي اتفتح سنين، ماكانش سهل يقفل في كام يوم.
وفي ليلة، قلت له بهدوء
أنا مسامحاك على كل اللي فات... لكن النسيان مش بإيدي. لو عايز تبدأ معايا من جديد، يبقى بالأفعال، مش بالكلام.
هز رأسه وقال
هستنى مهما طال الوقت.
ومن اليوم ده، بدأت مرحلة جديدة في حياتنا، عنوانها الصراحة وتحمل المسؤولية، بعد ما عرفنا إن الرزق والقدر بإيد ربنا وحده، وإن الإنسان ماينفعش يبني أحكامه على توقعات الأطباء أو يظلم حد بسبب أمر خارج عن إرادته رغم كلام حامد، أنا ما رجعتش أثق فيه بسهولة.
كل مرة كان يحاول يقرب مني، كنت أفتكر اليوم اللي وقف فيه قدام الناس كلها، وأنا موجودة، ومفكرش حتى يحافظ على مشاعري.
بدأ يهتم بيا، يوديني للدكتور، ويتابع معايا كل زيارة، لكني كنت بتعامل معاه باحترام وبس، من غير الدفا اللي كان بينا زمان.
في يوم، وإحنا راجعين من متابعة الحمل، قال لي وهو سايق
أنا عارف إني غلطت... وكل يوم بفتكر اللي عملته وبندم.
قلت له بهدوء
الندم كويس... لكن في حاجات بتسيب أثر عمره ما يختفي.
هز راسه وسكت.
ولما دخلنا البيت، لقيت أخته أسماء مستنيانا.
ابتسمت وقالت
عندي خبر حلو.
بصينا لها باستغراب.
قالت
الدكتور أكد إن مرات حامد التانية هتولد خلال أيام.
دعيت لها من قلبي إن ربنا يقومها بالسلامة، لأن الطفل ملوش ذنب في أي حاجة حصلت بين الكبار.
بعد أسبوع، ولدت ولد جميل.
حامد فرح بابنه، وراح المستشفى يطمن عليه، لكنه رجع بعدها على طول علشان يلحق موعد كشف حملي.
وقتها بصيت له باستغراب وقلت
ابنك لسه مولود.
ابتسم وقال
هو ابني، وهرجعله تاني... لكن كمان فيه طفل تاني مستنيني، وأمه محتاجاني.
أول مرة أحس إنه بدأ يفهم معنى العدل وتحمل المسؤولية.
ومع مرور الشهور، بدأ يقسم وقته باحترام، ويعامل كل بيت بما يرضي الله، من غير تفضيل أو إهانة أو تقليل من حد.
أما أنا، فكنت مركزة على حملي، وكل يوم بحمد ربنا على نعمته.
وفي الشهر التاسع، دخلت أوضة العمليات، وحامد كان واقف بره الباب، إيده بتترعش من القلق، وبيفضل يدعي طول الوقت.
وبعد دقائق، خرج الدكتور مبتسم وقال
الحمد لله... الأم بخير، وربنا رزقكم ببنت جميلة.
دخل حامد يشوفني، أول ما شال بنته بين إيديه، دموعه نزلت من غير ما يحس.
بص لي وقال بصوت متقطع
أنا ظلمتك سنين... وربنا رزقني منك بأجمل
ابتسمت وأنا ببص لبنتي، وقلت
العبرة مش باللي فات... العبرة إننا نتعلم منه، وما نكررش وجع حد تاني.
ومن يومها، بقت بداية صفحة جديدة، مبنية على الاحترام والرحمة، بعد ما عرفنا إن أعظم رزق ممكن يجتمع مع أعظم اختبار، وإن حسن المعاملة هو اللي بيحفظ أي بيت مهما كانت ظروفه مرت ثلاث سنوات.
كبرت بنتي، وبقت مالية البيت ضحك وحركة، وكل ما كانت تنادي بابا، كنت أشوف الدموع تلمع في عيون حامد، كأنه لسه مش مصدق إن ربنا رزقه بالطفلة اللي كان فاكر إنها مستحيلة.
في يوم، كنا قاعدين كلنا على السفرة، بنتي الصغيرة جريت عليه وقالت
بابا... شيلني.
ابتسم وشالها، وباسها من خدها، وقال وهو يضحك
دي أغلى بنت في الدنيا.
بصيت له وافتكرت يوم عزومة أسماء، يوم ما كنت قاعدة على نفس السفرة، وحاسة إني غريبة وسط الناس.
فرق كبير بين حامد زمان... وحامد دلوقتي.
بعد الغدا، قعد جنبي وقال
فاكرة اليوم ده؟
قلت
عمري ما هنساه.
نزل راسه وقال
أنا كل ليلة بفتكره... وبتمنى لو الزمن يرجع دقيقة واحدة بس.
ابتسمت ابتسامة هادئة وقلت
الزمن عمره ما بيرجع... لكن الإنسان يقدر يتغير.
هز راسه وقال
وأنا اتغيرت لأن ربنا وراني قيمة النعمة قبل ما أخسرها.
في نفس اللحظة، دخلت أسماء وهي شايلة تورتة صغيرة.
وقالت وهي بتضحك
النهارده عيد جوازكم العاشر...
اتفاجئت إن حامد كان مجهز مفاجأة.
طلع علبة صغيرة، فتحها، وكان جواها دبلة جديدة.
وقال قدام العيلة كلها
من عشر سنين اتجوزت ست وقفت جنبي في أصعب أيامي... وأنا للأسف قصرت في حقها سنين. النهارده قدامكم كلكم، بشكرها وبعتذر لها.
سكتت الدنيا كلها.
الدموع نزلت من عيني من غير ما أحس.
لبسني الدبلة، وقال
أوعدك إن بقية العمر هتعوض كل يوم زعلتي فيه.
ابتسمت، ومسكنا إيد بعض.
ولأول مرة من سنين طويلة، حسيت إن قلبي ارتاح.
وعرفت إن بعض الجروح تفضل أثرها موجود، لكن لما يقابلها صدق في التغيير، ورحمة، واحترام، تقدر تلتئم مع الوقت، ويبدأ الإنسان صفحة جديدة بقلب أهدأ ونفس مطمئنة مرت خمس سنوات أخرى، وأصبحت بنتي في المدرسة، وبقت ذكية ومرحة، وكل ما ترجع من المدرسة تجري على أبوها تحكي له عن يومها.
وفي يوم، رجع حامد من الشغل وهو ماسك ظرف كبير.
حطيته قدامه وقلت
إيه ده؟
ابتسم وقال
افتحيه.
فتحت الظرف، ولقيت عقد بيت جديد باسمي.
اتصدمت وقلت
يعني إيه؟
قال وهو بيبتسم
البيت ده هدية ليكي.
استغربت وسألته
ليه؟
قال
لأنك طول عمرك كنت الأمان في حياتي، وأنا عمري ما شكرتك بالشكل اللي تستحقيه.
ابتسمت وقلت
أنا مش محتاجة بيت ولا هدايا.
رد
عارف... بس دي أقل حاجة أقدر أعملها.
بعدها بأيام، جمع أولاده كلهم في البيت.
قعد
إوعوا في يوم تجرحوا حد بكلمة أو بتصرف، لأن أصعب حاجة في الدنيا إن الإنسان يحس إنه ملوش
متابعة القراءة