بعد ما خلصت إجراءات الطلاق

لمحة نيوز

وصل هذا الدفتر إلى أحفادي، فاعلموا أن الشركة دي ما اتبنتش بالحديد... اتبنت بضمير الناس اللي اشتغلت فيها. لو ضاع الضمير، هتضيع الشركة مهما كبرت.
لم تتمالك ياسمين دموعها.
أغلقت الدفتر برفق وقالت
هو ده أغلى من أي أسهم أو فلوس.
قرر مجلس الإدارة وضع الدفتر داخل صندوق زجاجي في مقر الشركة الرئيسي، ليكون رمزًا لتاريخها.
وأصبح كل موظف جديد يقرأ الرسالة في أول يوم عمل له.
أما ياسمين، فكانت كلما مرت بجوار الدفتر، تبتسم وتقول
الفلوس ممكن تتعوض... لكن الأمانة هي رأس المال الحقيقي.
وهكذا بقي اسم المنشاوي مرتبطًا، ليس فقط بالنجاح، بل بالنزاهة التي انتصرت في النهاية بعد افتتاح متحف صغير داخل مقر الشركة يوثق تاريخها، أصبحت المدارس والجامعات تزور المكان للتعرف على رحلة نجاح مجموعة المنشاوي.
وفي أحد الأيام، كانت ياسمين تستقبل وفدًا من طلاب كلية التجارة.
أحد الطلاب سألها
يا فندم... لو رجع بيكي الزمن، كنتِ هتمنعي كل التعيينات دي من البداية؟
ابتسمت قليلًا، ثم قالت
لا... كنت هغير حاجة واحدة بس.
سألها الجميع باهتمام
إيه هي؟
قالت
كنت هفصل بين العيلة والشغل من أول يوم. المحبة مكانها البيت... لكن الإدارة مكانها الكفاءة والقانون.
دوّن الطلاب الجملة في دفاترهم.
وفي نهاية الزيارة، اقترب منها شاب صغير كان يتدرب في الشركة، وقال
أنا ابن واحد من العمال اللي اتعينوا بعد الإصلاحات. أبويا كان بيقول إن الشركة دي غيرت حياتنا لأنها بقت بتختار الناس على تعبها، مش على معرفتها.
ابتسمت ياسمين وقالت
وده أكبر نجاح حققناه.
في تلك الليلة، جلست مع والدها في شرفة منزله.
نظر الحاج محمود إلى أضواء المصانع البعيدة وقال
عارفة يا ياسمين... زمان كنت فاكر إن أكبر إنجاز عملته هو إني بنيت الشركة.
ابتسمت وسألته
ودلوقتي؟
قال وهو ينظر إليها بفخر
دلوقتي أكبر إنجاز عملته... إني ربيت حد يحافظ عليها من بعدي.
سكتت ياسمين، ثم
أمسكت يد والدها وقالت
وأنا أوعدك... طول ما فيا نفس، اسم المنشاوي هيفضل رمز للشرف قبل النجاح.
ابتسم الحاج محمود في رضا، بينما كانت أصوات الماكينات في المصنع تعمل بلا توقف... وكأنها تؤكد أن تعب السنين لم يضع، وأن العدل كان دائمًا أقوى من أي مؤامرة.
تمت بعد عدة أشهر، وبينما كانت ياسمين تراجع التقارير المالية، دخل سكرتير مجلس الإدارة مسرعًا.
قال
يا فندم... في خبر غريب.
رفعت رأسها.
خير؟
في مزاد حكومي النهارده على مصنع حديد كبير أعلن إفلاسه... وكل الشركات المنافسة موجودة.
ابتسمت ياسمين وقالت
جهزوا العربية... هنروح.
داخل قاعة المزاد، كان كبار رجال الأعمال يتنافسون على شراء المصنع.
بدأت المزايدة ترتفع بسرعة.
وفي اللحظة الأخيرة، رفعت ياسمين اللوحة الخاصة بالشركة وقدمت العرض الأعلى.
دق القاضي بالمطرقة.
رسا المزاد على مجموعة المنشاوي.
دوّى التصفيق في القاعة.
اقترب أحد الصحفيين منها وسألها
حضرتك مش خايفة من حجم الاستثمار؟
ابتسمت وقالت
إحنا مش بنشتري مصنع... إحنا بننقذ مئات الأسر اللي كانت هتفقد شغلها.
وبعد شهرين فقط، عاد المصنع للعمل بكامل طاقته.
ورجع أكثر من ألف موظف إلى وظائفهم.
وفي أول يوم تشغيل، وقف العمال يصفقون لياسمين والحاج محمود.
قال أحد العمال
إحنا افتكرنا إن المصنع انتهى... لكن ربنا بعتلنا فرصة جديدة.
ابتسمت ياسمين وقالت
الفرصة دي تستحقها الناس اللي بتشتغل بضمير.
وفي نهاية اليوم، وقف الحاج محمود ينظر إلى المصنع الجديد، ثم قال لابنته
فاكرة أول قرار خدتيه بعد الطلاق؟
ابتسمت وقالت
قرار فصل ال موظف.
هز رأسه وقال
النهارده عرفت إن القرار ده ما أنقذش شركتنا بس... ده خلّى شركتنا تكبر أكتر من أي وقت فات.
نظرت ياسمين إلى العمال وهم يغادرون بابتسامات، وقالت
لما يكون العدل هو الأساس... النجاح بييجي لوحده.
وسارت مع والدها بين خطوط الإنتاج، وقد أدركت أن أصعب قرار اتخذته في
حياتها كان أيضًا بداية أعظم نجاح حققته بعد عام...
أعلنت إحدى المجلات الاقتصادية عن قائمة أقوى 100 شركة عائلية في الشرق الأوسط.
وتصدرت مجموعة المنشاوي القائمة بعد تحقيقها أعلى نسبة نمو في تاريخها.
وفي يوم التكريم، صعدت ياسمين إلى المسرح لتسلم الجائزة.
سألها مقدم الحفل
لو طلبنا منك تلخصي رحلة الشركة في جملة واحدة، هتقولي إيه؟
ابتسمت وقالت
النجاح الحقيقي مش إنك تكسب فلوس... النجاح إنك تحافظ على الأمانة حتى لو خسرت ناس.
وقف الحضور يصفق لدقائق.
بعد انتهاء الحفل، عاد الحاج محمود إلى مكتبه القديم في الشركة.
فتح درجًا لم يفتحه منذ سنوات، وأخرج خطابًا كتبه يوم ميلاد ياسمين، لكنه لم يعطها إياه أبدًا.
ناولها الظرف وقال
اقريه دلوقتي.
فتحت الخطاب، وكان مكتوبًا فيه
يا بنتي... لو جيه يوم واضطريتي تختاري بين الناس اللي بتحبيهم وبين الحق، اختاري الحق. يمكن تخسري ناس، لكن عمرك ما هتخسري نفسك.
لم تتمالك ياسمين دموعها.
احتضنت والدها وقالت
الرسالة دي وصلت متأخرة... لكنها وصلت في الوقت الصح.
ابتسم الحاج محمود وقال
أنا كنت واثق إنك هتفهميها لما تكبري.
وفي نهاية ذلك اليوم، وقفت ياسمين أمام مبنى الشركة وقت الغروب.
نظرت إلى آلاف الموظفين وهم يخرجون من البوابات، وكل واحد منهم راجع بيته بعد يوم عمل شريف.
ابتسمت وقالت في نفسها
كل التعب كان يستاهل... لأننا حافظنا على لقمة عيش الناس بالحلال.
ثم استدارت ودخلت الشركة من جديد، فقد كانت تؤمن أن النجاح ليس نهاية الطريق...
بل مسؤولية تبدأ من جديد كل صباح بعد سنوات قليلة...
أعلن الحاج محمود في اجتماع لمجلس الإدارة أنه قرر التقاعد نهائيًا.
وقف الجميع احترامًا للرجل الذي بنى الشركة من الصفر.
ثم قال
قبل ما أمشي... عندي آخر قرار.
فتح ملفًا أزرق، وأخرج منه وثيقة رسمية.
من النهارده، 10 من أرباح الشركة هتروح لصندوق خيري باسم والدتي، لدعم تعليم أبناء العمال
وعلاجهم.
ساد الصمت، ثم دوى التصفيق في القاعة.
ابتسمت ياسمين وقالت
أحسن قرار ممكن يفضل بعدينا.
وبعد تنفيذ القرار بعام واحد، حصل موقف لم يكن أحد يتوقعه.
كان أحد المهندسين الشباب يعمل في المصنع، وفجأة لاحظ شرارة تخرج من لوحة كهرباء رئيسية.
لم يتردد.
أطلق إنذار الطوارئ، وأخلى المكان بسرعة.
وبفضل تصرفه، تم احتواء الحريق في دقائق، ولم يُصب أحد بأذى.
في اليوم التالي، استدعته ياسمين إلى مكتبها.
كان الشاب متوترًا، وظن أنه أخطأ.
لكنها ابتسمت وقالت
اسمك إيه؟
أحمد يا فندم.
قالت
إنت أنقذت المصنع... وأنقذت أرواح ناس كتير.
ثم سلمته شهادة تقدير ومكافأة كبيرة، وقالت أمام جميع الموظفين
إحنا بنكرم الأمانة والشجاعة، قبل أي منصب.
صفق الجميع بحرارة.
وفي مساء ذلك اليوم، جلس الحاج محمود يشاهد الاحتفال عبر شاشة مكتبه.
ابتسم وقال لياسمين
عارفة إيه اللي مريح قلبي؟
ابتسمت وسألته
إيه؟
قال
إن الشركة بقت فيها ناس بتحميها من غير ما حد يطلب منهم... وده معناه إن الرسالة وصلت.
نظرت ياسمين إلى لوحة كبيرة معلقة في مدخل الشركة، كُتب عليها
الأمانة لا تُورث... لكنها تُعلَّم.
ابتسمت وهي تدرك أن هذه الكلمات أصبحت حقيقة يعيشها كل من يعمل داخل مجموعة المنشاوي النهاية
مرّت عشر سنوات...
أصبحت مجموعة المنشاوي من أكبر شركات الحديد في الشرق الأوسط، وارتبط اسمها بالنزاهة قبل النجاح.
وفي صباح هادئ، دخل الحاج محمود إلى الشركة للمرة الأخيرة بصفته رئيسًا فخريًا.
استقبله جميع العاملين بممر طويل من التصفيق.
توقّف أمام أول بوابة للمصنع، ولمسها بيده وقال
هنا بدأ الحلم... والحمد لله انتهى في إيد أمينة.
ابتسمت ياسمين، وأمسكت بذراعه حتى وصلا إلى قاعة الاحتفال.
وقف مدير الموارد البشرية وقال
النهارده الشركة فيها أكثر من سبعة آلاف موظف، ومفيش موظف واحد اتعيّن بالواسطة من يوم الإصلاحات.
دوّى التصفيق.
ثم صعد الحاج محمود إلى
المنصة، وقال بصوت هادئ
زمان كنت فاكر إن الثروة هي المصانع والأراضي والحسابات البنكية... لكن اكتشفت إن أكبر ثروة هي السمعة الطيبة.
ثم أمسك
تم نسخ الرابط