بعد ما خلصت إجراءات الطلاق

لمحة نيوز

شجاعة... لكن اللي حصل أكبر من مجرد كلمة آسف.
هز رأسه موافقًا.
ثم أخرج ظرفًا من حقيبته ووضعه على المكتب.
دي كل المستندات اللي قدرت أوصل لها بعد الطلاق. يمكن تساعدكم تستردوا باقي الفلوس.
فتح المستشار القانوني الظرف، وكانت بداخله كشوف حسابات قديمة، وعقود لم تكن ضمن الملفات التي وصلت إليهم.
ابتسم الحاج محمود لأول مرة منذ شهور وقال
الورق ده هيفرق معانا جدًا.
رد شريف
ده أقل حاجة أقدر أعملها.
وقف ليستأذن في الانصراف، لكن قبل أن يخرج، قالت له ياسمين
أتمنى تبدأ حياتك من جديد... وتتعلم إن الثقة مسؤولية.
ابتسم ابتسامة حزينة وقال
اتعلمت الدرس... لكن بعد فوات الأوان.
غادر الشركة في هدوء.
تابعته ياسمين بعينيها حتى اختفى.
ثم أغلقت الملف أمامها، وقالت لوالدها
دلوقتي أقدر أقول إن الصفحة دي اتقفلت فعلًا.
ابتسم الحاج محمود وقال
والصفحة الجديدة لسه أجمل.
وبالفعل، بعد عام واحد فقط، أعلنت الشركة عن أكبر توسع في تاريخها، وافتتحت مصنعًا جديدًا وفر مئات فرص العمل، وأصبحت قصة ياسمين مثالًا يُحكى عن أن العدل، مهما تأخر، لا بد أن ينتصر في النهاية مرت ثلاث سنوات...
وفي إحدى الأمسيات، كانت ياسمين تقف على منصة المؤتمر السنوي للشركة، وأمامها مئات الموظفين.
قالت بابتسامة
من ثلاث سنين، كنا بنمر بأصعب أزمة في تاريخ الشركة. النهارده، بفضل ربنا ثم بفضل إخلاصكم، بقينا أكبر من أي وقت فات.
دوّى التصفيق في القاعة.
وبعد انتهاء الحفل، اقترب منها الحاج محمود وسلمها صندوقًا خشبيًا صغيرًا.
قال
افتحيه.
فتحت الصندوق، فوجدت المفتاح القديم لأول مخزن بدأ منه والدها الشركة عام 1987.
نظرت إليه متأثرة.
قال لها
المفتاح ده احتفظت بيه أربعين سنة... والنهارده حان وقته يبقى مع صاحبة الأمانة.
احتضنت والدها والدموع في عينيها.
وفي الأسبوع التالي، عقد مجلس الإدارة اجتماعًا استثنائيًا.
أعلن الحاج محمود أمام الجميع
اعتبارًا
من اليوم، ياسمين هتتولى منصب رئيس مجلس الإدارة، وأنا هكون مستشارًا ليها.
وقف أعضاء المجلس وصفقوا طويلًا.
بدأت ياسمين أول قراراتها بإنشاء صندوق لدعم الموظفين في الأزمات، ومنحت مكافآت لكل العاملين الذين حافظوا على أمانة الشركة خلال السنوات الصعبة.
أما شريف، فكان قد بدأ حياة جديدة في مدينة أخرى، يعمل في شركة متوسطة، بعيدًا عن المناصب والنفوذ.
وفي أحد الأيام، أرسل خطابًا إلى ياسمين كتب فيه
يمكن خسرت جوازنا، لكن أهم درس اتعلمته إن النجاح الحقيقي بيتبني على الصدق، مش على المجاملات. أتمنى تفضلي ناجحة زي ما عرفتك دائمًا.
قرأت ياسمين الخطاب، ثم أغلقته ووضعته في درج مكتبها دون أن ترد.
لم يكن بدافع الغضب...
ولكن لأنها أدركت أن بعض العلاقات تنتهي باحترام، دون أن تعود كما كانت.
وقفت أمام نافذة مكتبها تنظر إلى المصنع الذي يعمل بكامل طاقته، وقالت لنفسها
ربنا بيعوض الإنسان لما يتمسك بالحق... حتى لو كان الطريق طويلًا.
وهكذا انتهت القصة، بانتصار العدالة، وحماية تعب السنين، وبداية حياة جديدة لكل من اختار الصدق والعمل الشريف بعد خمس سنوات...
كانت ياسمين تقف وسط المصنع الجديد الذي افتتحته الشركة في المنطقة الصناعية، تتابع تشغيل أول خط إنتاج.
اقترب منها مدير التشغيل وقال بابتسامة
مبروك يا فندم... النهارده عدد العاملين في المجموعة عدى خمسة آلاف موظف.
ابتسمت وهي تتذكر اليوم الذي خرجت فيه من المحكمة تحمل ورقة الطلاق، وكانت تظن أنها خسرت كل شيء.
رن هاتفها.
كان والدها.
قال لها ضاحكًا
فينك؟ الصحفيين كلهم مستنيين رئيسة مجلس الإدارة.
دخلت قاعة الاحتفال وسط تصفيق الحضور.
وأثناء الحفل، صعد أحد الموظفين القدامى إلى المنصة وقال
أنا اشتغلت مع الحاج محمود من أول يوم، وشوفت ياسمين وهي لسه طالبة في الجامعة بتنزل المصنع في الإجازات. النهارده إحنا فخورين إن الشركة في إيد أمينة.
صفق الجميع
بحرارة.
وفي نهاية الحفل، أعلنت ياسمين عن قرار جديد.
قالت
كل سنة الشركة هتخصص جزءًا من أرباحها لتدريب الشباب حديثي التخرج، وتوفير فرص عمل حقيقية بعيدًا عن أي واسطة.
وقف الحضور احترامًا لها.
وبعد انتهاء المؤتمر، خرجت مع والدها يتمشيان داخل المصنع.
نظر إليها وقال
فاكرة أول مكالمة بعد الطلاق؟
ابتسمت وقالت
فاكرة... كنت خايفة.
ضحك الحاج محمود وقال
وأنا كنت خايف أكتر منك... لكن النهارده عرفت إن أصعب قرار هو اللي أنقذ الشركة.
نظرت إلى العمال وهم يخرجون من وردياتهم بابتسامة رضا.
وقالت
المكان ده بقى بيت آلاف الأسر... وكان لازم نحافظ عليه.
ربت والدها على كتفها وقال
وده أكبر انتصار... إنك حافظتي على الأمانة.
وسارت ياسمين بجواره، وقد أدركت أن النهاية الحقيقية لم تكن يوم الطلاق...
بل كانت يوم استطاعت أن تحول أصعب لحظة في حياتها إلى بداية نجاح استمر سنوات، لتظل مجموعة المنشاوي اسمًا يرتبط بالنزاهة والعمل، ويظل شعارها الذي وضعته ياسمين عند مدخل الشركة
الثقة تُبنى بالأمانة... وتُحفظ بالعدل بعد عدة أشهر...
وفي صباح هادئ، دخلت ياسمين مكتبها كعادتها، لكن السكرتيرة قالت لها
يا فندم، في راجل كبير مستني حضرتك من بدري، ورافض يمشي قبل ما يشوفك.
استغربت.
مين؟
بيقول إنه كان محاسب في الشركة من أكتر من عشرين سنة.
سمحت له بالدخول.
دخل رجل تجاوز السبعين، يحمل حقيبة جلدية قديمة.
وقف وقال باحترام
أنا اسمي عم عادل... كنت رئيس الحسابات قبل ما أطلع معاش.
ابتسمت ياسمين ورحبت به.
قال وهو يفتح الحقيبة
كنت محتفظ بالحاجات دي من يوم ما سبت الشركة، وقلت لازم أوصلها ليكم.
أخرج دفاتر حسابات قديمة، ومستندات أصلية، ومذكرات مكتوبة بخط يده.
قال
لما بدأت المخالفات تظهر، حسيت إن في حاجة مش طبيعية، لكن وقتها محدش كان بيسمع كلامي. احتفظت بنسخ من كل حاجة يمكن ييجي يوم تحتاجوها.
قضى فريق المراجعة أسبوعًا
كاملًا يفحص الأوراق.
وفي النهاية، اكتشفوا أن هناك مبالغ أخرى خرجت من الشركة قبل سنوات طويلة، لكن كان من الممكن استرداد جزء كبير منها بسبب هذه المستندات.
قال المستشار القانوني
الأوراق دي وفرت على الشركة ملايين الجنيهات.
ابتسم الحاج محمود وقال لعم عادل
إنت خدمت الشركة حتى بعد المعاش.
قرر مجلس الإدارة تكريمه، ومنحه معاشًا استثنائيًا مدى الحياة، تقديرًا لأمانته.
وفي يوم التكريم، وقف عم عادل والدموع في عينيه وقال
أنا ما عملتش غير واجبي... والرزق الحلال عمره ما يضيع.
صفق الجميع طويلًا.
نظرت ياسمين إلى الموظفين وقالت
النجاح مش بيقوم على شخص واحد... النجاح بيقوم على ناس شرفاء، كل واحد فيهم بيعتبر الشركة بيته.
ومنذ ذلك اليوم، أصبحت قصة عم عادل تُحكى لكل موظف جديد يلتحق بالشركة، لتكون تذكيرًا دائمًا بأن الأمانة قد تتأخر في أن تُكافأ... لكنها لا تضيع أبدًا بعد عامين...
كان الحاج محمود قد قرر الابتعاد تدريجيًا عن الإدارة اليومية، واكتفى بحضور اجتماع مجلس الإدارة مرة كل شهر.
أما ياسمين، فأصبحت تقود الشركة بثقة، حتى تحولت مجموعة المنشاوي إلى واحدة من أكبر شركات الحديد في الشرق الأوسط.
وفي أحد الأيام، دخل مدير الأمن إلى مكتبها وهو يحمل ظرفًا مختومًا.
قال
الظرف ده وصل من غير اسم مرسل.
فتحت ياسمين الظرف بحذر.
كان بداخله مفتاح صغير، وصورة قديمة لمخزن الشركة الأول في شبرا الخيمة، ومعها ورقة مكتوب فيها
لسه في أمانة لازم ترجع لصاحبها... افتحوا المخزن القديم.
تعجبت.
اتصلت بوالدها، وذهبا معًا إلى المخزن الذي لم يُستخدم منذ سنوات طويلة.
فتحوا الباب بصعوبة، بعدما تراكم عليه التراب.
وبين الرفوف القديمة، وجدوا خزانة حديدية صغيرة.
المفتاح الذي وصل في الظرف فتحها بالفعل.
داخل الخزانة، وجدوا دفترًا قديمًا بخط يد والد الحاج محمود، مؤسس العائلة.
كان يسجل فيه أسماء العمال الأوائل،
ورواتبهم، وكل جنيه دخل أو خرج من الشركة في سنواتها الأولى.
وفي آخر صفحة، كانت هناك رسالة كتبها قبل وفاته
إذا
تم نسخ الرابط