بعد ما خلصت إجراءات الطلاق

لمحة نيوز

بعد ما خلصت إجراءات الطلاق، اتصلت بأبوها وقالت
بابا... اطرد ال موظف اللي اتعينوا في الشركة بالمجاملة، واقفل أي صلاحيات ليهم فورًا.
بعد 12 دقيقة فقط من صدور حكم الطلاق النهائي، خرجت ياسمين المنشاوي من محكمة الأسرة في القاهرة وهي تضم ملف القضية إلى صدرها. أخذت نفسًا عميقًا، ثم اتصلت بوالدها.
قالت بصوت ثابت رغم ارتجاف يديها
بابا... نفذ القرار النهارده. ال موظف اللي دخلوا الشركة بالواسطة لازم يمشوا، ومحدش فيهم يقرب من أي ملف أو جهاز.
ساد الصمت لثوانٍ.
كان الحاج محمود المنشاوي يعرف ابنته جيدًا، ويعرف أنها لا تتخذ قرارًا بهذا الحجم إلا بعد يقين.
سألها
إنتِ متأكدة يا ياسمين؟
أجابت بثقة
معايا تقرير كامل يثبت إن شبكة كاملة استغلت ثقتنا وسرقت من الشركة أكتر من 74 مليون جنيه خلال ست سنين.
تغير صوت والدها فورًا.
ابعتي التقرير.
موجود عند حضرتك على الإيميل من الصبح... بس لازم القرار يتنفذ قبل ما حد يحاول يخفي أي دليل.
بعد أقل من نصف ساعة، وصلت التعليمات إلى إدارة الموارد البشرية، وتم إيقاف جميع صلاحيات الموظفين المشمولين بالتحقيق، ورافقهم الأمن خارج الشركة بهدوء واحترام.
كانت مجموعة المنشاوي للحديد والصلب من أكبر الشركات العائلية في مصر.
أسسها الحاج محمود بعرق السنين، حتى أصبحت اسمًا معروفًا في السوق.
ولما كبرت ياسمين، شاركت والدها في الإدارة، وكانت تؤمن أن النجاح يحتاج إلى منح الفرص للناس.
لكن بعد زواجها من شريف، بدأ يطلب منها تعيين بعض أقاربه بحجة أنهم أصحاب خبرة.
في البداية وافقت على عدد محدود، ثم زاد العدد عامًا بعد عام، حتى أصبح لهم وجود في الإدارات المهمة.
ولم يخطر ببالها أن بعضهم كان يستغل المناصب لتحقيق مصالح شخصية.
بدأت المخالفات صغيرة.
فواتير بأسعار أعلى من السوق.
طلبات شراء غير مبررة.
مخازن مسجلة على الورق فقط.
كل مرة كانت تسأل، كان شريف

يرد
أكيد فيه تفسير... استعجلي الحكم ليه؟
لكن شكوكها لم تتوقف.
فاستعانت بخبيرة مراجعة مالية مستقلة تُدعى داليا.
استغرق التحقيق أحد عشر شهرًا كاملًا.
وفي النهاية ظهر تقرير صادم.
شركات وهمية.
عقود مزورة.
توريدات لم تصل أصلًا.
وتحويلات مالية خرجت من الشركة بطرق غير قانونية.
والمسؤولية كانت موزعة بين 27 موظفًا تعاونوا لإخفاء الحقيقة.
وقتها فقط أدركت ياسمين أن استمرار زواجها وسط كل هذا الصراع أصبح مستحيلًا، فاختارت الطلاق بهدوء، وانتظرت حتى يصبح الحكم نهائيًا قبل اتخاذ أي خطوة لحماية الشركة.
في مساء اليوم نفسه، حضر عدد من أقارب شريف إلى منزلها.
قال أكبرهم
يا بنتي... الناس دي عندها بيوت وأطفال. ادّيهم فرصة.
ردت ياسمين بهدوء
الفرصة كانت موجودة من سنين. لكن الأمانة لما تضيع، الثقة بترجع بصعوبة.
قال رجل آخر
ممكن نحل الموضوع داخل العيلة.
أجابت
اللي حصل مش خلاف عائلي... دي حقوق شركة وحقوق مئات الموظفين الشرفاء.
ساد الصمت.
ثم غادر الجميع دون جدال.
وبعد ساعات، تلقّت ياسمين اتصالًا من والدها.
قال لها
الأمن لقى واحد من الموظفين الموقوفين مستخبي داخل الشركة.
تعجبت
كان عايز إيه؟
رد الحاج محمود
كان بيحاول يفتح الخزنة القديمة في مكتبي.
ولما فتشنا الشنطة اللي كانت معاه... لقينا عقود وأسهم أصلية باسم شريف، بتاريخ سابق لزواجكم بسنوات.
نظرت ياسمين في صمت.
وأدركت أن الحقيقة لم تظهر كلها بعد... وأن ما اكتشفته حتى الآن قد يكون مجرد بداية ابتسم الحاج محمود ابتسامة خفيفة وهو يقلب العقود أمامه، ثم قال
متستعجليش يا ياسمين... لازم نفهم الأول الورق ده جه منين.
استدعوا المستشار القانوني للشركة، وبعد ما راجع العقود بدقة، قال
العقود أصلية فعلًا... لكن ملهاش أي أثر قانوني دلوقتي.
سألته ياسمين باستغراب
إزاي؟
قال
من أكتر من عشر سنين كان فيه مستثمر اشترى نسبة صغيرة من أسهم
الشركة، لكنه تراجع عن الصفقة، وتم إلغاء نقل الملكية بحكم نهائي. الظاهر إن حد احتفظ بالأوراق القديمة وكان ناوي يستخدمها علشان يخلق نزاع داخل الشركة.
تنهد الحاج محمود وقال
يعني كل اللي حصل كان محاولة لتعطيلنا وإخفاء السرقة.
في اليوم التالي، بدأت النيابة التحقيق في البلاغ المقدم من الشركة.
واحدًا تلو الآخر، اعترف عدد من الموظفين أنهم كانوا يوقعون على مستندات دون مراجعتها، بينما اعترف آخرون أنهم حصلوا على مكافآت مقابل تسهيل بعض الإجراءات.
لكن المفاجأة الكبرى جاءت من موظف الحسابات القديم.
قال للمحقق
أنا عندي نسخة احتياطية من كل العمليات المالية من سبع سنين... كنت محتفظ بيها خوفًا من اليوم ده.
وبالفعل، سلّم نسخة كاملة من السجلات.
أثبتت السجلات أن ملايين الجنيهات خرجت من الشركة عبر عقود وهمية وشركات غير حقيقية.
وبعد أشهر من التحقيقات، استعادت الشركة جزءًا كبيرًا من الأموال، وتم إصدار أحكام بحق المتورطين وفق ما أثبتته التحقيقات.
أما ياسمين، فعادت إلى مكتبها لأول مرة منذ شهور.
وقفت أمام صورة والدها وهو يؤسس الشركة في المخزن الصغير قبل عشرات السنين.
ابتسمت وقالت
وعد يا بابا... الشركة دي هتفضل قائمة على الأمانة والكفاءة، ومحدش هيدخلها بعد كده إلا بتعبه واستحقاقه.
ربت الحاج محمود على كتفها وقال بفخر
دلوقتي بس عرفت إن الشركة بقت في إيد أمينة.
النهاية في صباح اليوم التالي، امتلأت قاعة الاجتماعات بمجلس إدارة الشركة.
جلس الحاج محمود على رأس الطاولة، وبجواره ياسمين، بينما جلس المستشار القانوني ومدير المراجعة المالية.
قال الحاج محمود بهدوء
من النهارده، كل التعيينات القديمة هتتراجع، وهيكون فيه نظام جديد يمنع أي تعيين بالمجاملة.
وافق أعضاء المجلس بالإجماع.
وبدأت الشركة تراجع كل العقود التي أُبرمت خلال السنوات الست الماضية.
وخلال المراجعة، اكتشف فريق التدقيق
عقدًا ضخمًا لتوريد الحديد إلى شركة مقاولات كبرى.
العقد كان على وشك الإلغاء بسبب التأخير في التسليم.
قال مدير المبيعات بقلق
لو خسرنا العقد ده، هنخسر عميل من أكبر عملائنا.
أخذت ياسمين الملف بنفسها، وزارت العميل، وقدمت له كل المستندات التي تثبت أن الشركة تمر بعملية إصلاح إداري شاملة، مع خطة واضحة لتسليم الطلبات في مواعيدها.
اقتنع العميل، ومنح الشركة مهلة أخيرة.
عمل الموظفون المخلصون ليلًا ونهارًا، حتى خرجت أول شحنة في موعدها.
وبعد أسابيع، وصلت رسالة شكر من العميل، أعلن فيها تجديد التعاقد مع الشركة لثلاث سنوات إضافية.
ابتسم الحاج محمود وقال
السمعة الطيبة بتتبني سنين... لكن الحمد لله لحقناها قبل ما تضيع.
أما ياسمين، فلم تعد تفكر فيما خسرته في حياتها الشخصية، بل فيما كسبته من خبرة وقوة.
أصبحت تقود الشركة بثقة، وفتحت باب التوظيف للشباب على أساس الكفاءة فقط، وأطلقت برنامجًا لتدريب الخريجين، مؤكدة أن النجاح الحقيقي لا يقوم على الواسطة، بل على الأمانة والعمل.
وهكذا، بدأت مجموعة المنشاوي فصلًا جديدًا، عنوانه العدل قبل المجاملة، والكفاءة قبل القرابة بعد مرور ستة أشهر، كانت مجموعة المنشاوي قد استعادت معظم قوتها.
الإيرادات ارتفعت من جديد، وثقة العملاء رجعت أقوى من الأول، والصحف الاقتصادية بدأت تكتب عن الشركة باعتبارها نموذجًا في الإصلاح الإداري.
وفي صباح أحد الأيام، دخل سكرتير الحاج محمود إلى مكتبه وقال
يا فندم... في شخص بره طالب يقابل حضرتك وياسمين.
رفع الحاج محمود رأسه.
مين؟
شريف.
نظرت ياسمين إلى والدها وقالت بهدوء
خليه يدخل.
دخل شريف بخطوات بطيئة، وكان واضح أن الشهور الماضية غيّرته كثيرًا.
وقف أمامهما وقال
أنا مش جاي أطلب أرجع... ولا جاي أتكلم في الطلاق.
سكت لحظة، ثم أكمل
أنا جاي أعتذر.
ساد الصمت.
قال وهو ينظر إلى الأرض
أنا غلطت لما كنت بسمع كلام
أي حد من غير ما أتأكد بنفسي. ولما إنتِ كنتِ تحاولي تحذريني، كنت فاكر إنك بتكبري الأمور.
قالت ياسمين بهدوء
الاعتذار
تم نسخ الرابط