اول ماحماتي بقلم زهرة الربيع

لمحة نيوز

مكتوب عليها أسماء سيدات مختلفات.
لكن اللي شد انتباه الجميع...
صورة واحدة كانت فوق الكل.
الصورة كانت لمحمود...
واقف قدام بيت قديم، وبجواره سيدة شابة، وفي حضنها طفل صغير.
قلبت منار الصورة، فوجدت تاريخها.
كانت ملتقطة...
قبل زواجه منها بثلاث سنوات.
رفعت الصورة بيد مرتعشة وقالت
مين الست دي؟... ومين الطفل؟
محمود قفل عينيه، وكأنه عرف إن كل الأسرار بدأت تنهار.
لكن قبل أن يجيب...
دوّى صوت محرك سيارة وقف أمام البيت.
ثم نزل منها رجل مسن، وما إن دخل الصالة ورأى الصورة في يد منار حتى صرخ بصوت مختنق
الصورة دي... بنتي!
وتجمدت الأنفاس من جديد، بينما اتجهت كل العيون نحو الرجل، منتظرة ما سيقوله بعد ذلك الرجل العجوز كان بينهج من التعب، وملامحه كلها وجع السنين.
أول ما شاف محمود، رفع صباعه ناحيته وهو بيصرخ
أهو... أهو ده! والله ما نسيت وشه يوم واحد.
محمود اتراجع لورا خطوة، ولأول مرة صوته خرج مهزوز
حضرتك... أكيد غلطان.
العجوز ضرب بعصاه في الأرض وقال بغضب
غلطان؟! إنت اتجوزت بنتي عرفي، وخدت دهبها وفلوسها، وبعدها اختفيت هي وابنها في نفس الأسبوع!
البيت كله سكت.
أنا بصيت للعجوز، وبعدين للصورة اللي في إيده.
قلت بصوت مرتعش
يعني... الست
دي كانت مرات محمود؟
العجوز هز رأسه والدموع في عينيه.
كانت بنتي الوحيدة... اسمها هناء.
ثم طلع من جيبه صورة تانية قديمة، وحطها جنب الصورة اللي كانت في الصندوق.
الصورتين كانوا لنفس الست.
محدش قدر ينكر.
الضابط أخد الصورتين، وقلبهم بهدوء.
وبعدين بص لمحمود وقال
واضح إن عندنا أسئلة كتير.
محمود سكت.
ولا كلمة.
ولا حتى حاول يدافع عن نفسه.
لكن في اللحظة دي...
العسكري اللي كان لسه بيفتش داخل الممر السري خرج وهو ماسك دفتر صغير مغبر.
قال
يا فندم... لقيت الدفتر ده تحت الكرسي.
الضابط فتح أول صفحة.
كانت مكتوبة بخط ست.
قرأ أول سطر، واتغيرت ملامحه.
ثم قفل الدفتر بسرعة.
أخويا قال باستغراب
فيه إيه؟
الضابط رد بهدوء
ده... يبدو إنه مذكرات.
العجوز قرب منه بسرعة وقال
بنتي كانت بتكتب يومياتها في دفتر بني صغير...
بص للدفتر، وبمجرد ما شاف الغلاف...
انهار على الأرض وهو بيبكي.
ده هو... ده دفتر هناء.
سادت حالة من الصمت الثقيل.
الضابط فتح أول صفحة مرة تانية.
وفي أعلى الصفحة كان مكتوب بخط واضح
إذا حد لقى الدفتر ده... يبقى أنا غالبًا مش عايشة، والراجل اللي اسمه محمود هو السبب في كل اللي حصلي...
وقبل أن يكمل الضابط قراءة السطور التالية...
رفع
محمود رأسه فجأة، وضحك ضحكة غريبة أربكت كل الموجودين، ثم قال بصوت هادئ لأول مرة منذ بداية الليلة
طالما الدفتر ظهر... يبقى الحقيقة كلها هتطلع.
وساد صمت ثقيل في البيت، بينما الجميع أدرك أن ما سيأتي بعد ذلك سيكون أخطر بكثير من كل ما عرفوه حتى الآن محمود انهار أول ما الضابط فتح أول صفحة من دفتر هناء.
قعد على الأرض، وسند ضهره للحائط، وكأنه فقد كل القوة اللي كان بيتظاهر بيها.
الضابط بدأ يقرأ بصوت هادئ
أنا هناء... لو حد لقى الدفتر ده، فأنا بكتب آخر كلماتي. محمود عمره ما ضربني، لكنه قتلني كل يوم بكذبه وطمعه. خد فلوسي ودهبي، وعزلني عن أهلي، ولما طلبت الطلاق هددني إنه هيحرمني من ابني...
العجوز، والد هناء، انفجر في البكاء.
لكن الضابط قلب الصفحة اللي بعدها، ثم ابتسم ابتسامة خفيفة وقال
الحمد لله...
الكل بصله باستغراب.
قال
في آخر الدفتر هناء كاتبة إنها قدرت تهرب بابنها قبل ما تختفي، وسابت الطفل عند أسرة كانت بتثق فيها... والولد عاش بعيد عن محمود، وماحدش قدر يوصله.
العجوز رفع رأسه بسرعة.
يعني... حفيدي عايش؟
الضابط هز رأسه.
واضح من الأوراق إنه عايش، وفيه عنوان للأسرة اللي ربته.
العجوز وقع على ركبته وهو بيحمد ربنا.
أما محمود.
..
فكان ساكت.
لأول مرة، ما عندوش أي حجة.
الضابط قفل الملف وقال
أما بالنسبة لباقي السيدات... فكل عقود الزواج والأوراق والتحريات الموجودة هتتسلم للنيابة، وهي اللي هتفصل في كل قضية.
ثم التفت ناحيتي وقال
أنتِ لسه في بداية حياتك... ومتخليش خوفك من كلام الناس يضيع عمرك.
أخويا قرب مني، وحط إيده على كتفي.
وقال
يلا... هنروح.
بصيت حواليَّ آخر مرة.
فستان الفرح اللي كنت بحلم بيه، بقى مجرد ذكرى مؤلمة.
منار كانت واقفة وهي بتبكي.
قربت مني، ومسكت إيدي، وقالت
سامحيني... أنا غلطت لما سكت. كنت فاكرة إني بحافظ على بيتي، لكن بسكوتي ظلمت نفسي وظلمتك.
حضنتها.
وقلت لها
لسه قدامك فرصة تبدأي من جديد.
بعدها خرجت من البيت، وأنا ماسكة إيد أخويا.
ورغم إن دموعي كانت بتنزل، لأول مرة من أول الليلة حسيت إني بتنفس.
بعد عدة أشهر...
حصلت على حكم ببطلان الزواج بسبب الغش والتدليس، وبدأت حياة جديدة وسط أهلي.
أما منار، فرفعت دعوى طلاق، وحصلت على حضانة بناتها ونفقتهن.
والعجوز...
سافر يبحث عن حفيده، وبعد رحلة طويلة وجده بالفعل، وعاد به إلى حضنه بعد سنوات من الفراق.
أما محمود...
فلم يبقَ حوله أحد.
لا زوجة...
ولا أولاد...
ولا أهل يدافعون عنه.
جلس وحده
يواجه نتائج أكاذيبه، بعدما خسر كل من وثق به، وأدرك متأخرًا أن الحقيقة قد تتأخر... لكنها لا تموت أبدًا.
تمت.

تم نسخ الرابط