اول ماحماتي بقلم زهرة الربيع
المحتويات
خطوة بتقربني من كارثة أكبر.
عدينا طرقة طويلة، لحد ما وقف قدام باب خشب قديم.
فتح الباب...
وأول ما دخلت...
اتسمرت في مكاني.
الأوضة كانت مليانة لعب أطفال... وصور لبنات صغيرين على الحيطة...
لكن اللي خلاني أحس إن قلبي وقف فعلًا...
صورة كبيرة متعلقة فوق السرير...
فيها محمود...
واقف جنب منار...
ولابسين بدلة وفرح... بنفس الشكل تقريبًا اللي إحنا لابسينه النهارده.
وفي أسفل البرواز، كانت مكتوبة جملة بخط ذهبي
ذكرى زواجنا الأول... بداية العمر.
بلعت ريقي بصعوبة، ولسه هلف أبصله...
سمعت صوت طفلة صغيرة جاي من آخر الطرقة وهي بتجري وتصرخ بفرحة
بابا... بابا جه!
وفي نفس اللحظة...
الطفلة دخلت الأوضة، لكنها أول ما شافتني أنا... وقفت مكانها، وبصتلي من فوق لتحت، وبعدين قالت جملة خلت الدم يتجمد في عروقي...
هي دي... الماما الجديدة اللي ماما منار قالت إنها جاية تاخد مكاني؟!اتجمدت في مكاني، وبصيت للبنت الصغيرة، اللي كان عندها يمكن خمس أو ست سنين، وشعرها مربوط بضفيرتين، وفي إيديها عروسة قماش قديمة.
كانت بتبصلي ببراءة، لكن كلامها نزل على قلبي زي السكينة.
محمود جري عليها بسرعة، شالها بين إيديه وقال وهو بيحاول يبتسم
مين قالك الكلام ده يا حبيبتي؟
البنت بصتله بعفوية وقالت
ماما منار... قالتلي إنك هتجيب ماما جديدة عشان تجيبلك الولد، ولو جابت ولد هتبقى هي أهم مننا.
وشها اتغير، وبدأت شفايفها ترتعش وهي بتسأله
يعني... إنت مش هتحبنا تاني يا بابا؟
لأول مرة، محمود معرفش يرد.
فضل ساكت، وباصص في الأرض.
أما أنا... فكنت ببص للبنت، ودموعي بتنزل من غير صوت.
البنت دي ملهاش ذنب في أي حاجة.
الضحية مش أنا لوحدي...
فيه أطفال بيتربوا وهم مقتنعين إن قيمتهم أقل، لمجرد إنهم اتولدوا بنات.
في اللحظة دي، ظهرت منار عند باب الأوضة.
كانت واقفة وسندة على الباب، وبتبصلي بابتسامة غريبة، لا هي شماتة كاملة ولا هي حزن.
قالت بهدوء
شوفتي
بصيتلها وأنا مش فاهمة.
كملت وهي بتقرب خطوة
كل حمل كان بيقولي المرة دي لازم ولد... وكل ما أولد بنت، يبعد عني شهرين ويرجع يرميني بكلمة واحدة... المرة الجاية.
سكتت لحظة، وبعدين قالت وهي بتضحك ضحكة كلها وجع
ولما فقد الأمل... قرر يجيب عروسة جديدة.
محمود صرخ فيها بعصبية
اسكتي... مش ناقصين كلام!
لكن منار مكملتش تبصله.
كانت عينيها عليا أنا.
وقالت بصوت واطي
أنا غلطت لما وافقت وسكت... لكن إنتِ لسه قدامك فرصة.
قبل ما أسألها تقصد إيه...
سمعنا صوت عربية وقفت قدام البيت.
كل الموجودين سكتوا.
حتى محمود اتغير لون وشه فجأة، وجرى ناحية الشباك يبص.
أول ما بص...
اتسعت عينيه بشكل مرعب، واتراجع خطوة لورا وهو بيهمس
مستحيل... هما عرفوا مكاني إزاي؟!
في نفس اللحظة، دوى خبط عنيف على باب البيت...
وصوت راجل جه من بره وهو بيزعق بأعلى صوته
افتح يا محمود... إحنا جايين نحاسبك على اللي عملته!الخبط على الباب زاد بعنف، لدرجة إن نجفة الصالة اتهزت.
حماته خرجت من أوضتها وهي مرعوبة، وقالت
مين اللي بيخبط بالشكل ده؟!
محمود كان واقف عند الشباك، وشه شاحب، وبيحاول يبص من بين الستارة من غير ما حد يشوفه.
همس بصوت متوتر
إخواتها... أكيد إخواتها.
قلبي دق بقوة.
إخواتي؟!
يعني هما عرفوا؟
إزاي؟!
أنا ماكلمتش حد... وتليفوني أصلاً كان معايا ومفيش شبكة.
منار بصت لمحمود وقالت بسخرية
قلتلك الكدب عمره قصير.
محمود لف ناحيتها بعصبية وقال
إنتِ اللي بلغتيهم؟!
هزت راسها بالنفي وقالت
ولا أعرف رقمهم أصلاً.
في اللحظة دي، افتكرت حاجة.
قبل ما نطلع من بيت أهلي، أختي الصغيرة حضنتني وهي بتصلح الطرحة، وحطت في شنطتي قلم صغير شكله عادي، وقالت وهي بتضحك
احتفظي بيه... ده هدية مني.
وقتها استغربت الهدية، لكن بسبب الزحمة نسيت الموضوع تمامًا.
وفجأة...
اتسعت عيني.
القلم!
رميت نفسي على الشنطة، وفتحتها بسرعة أدور فيه.
كان
مسكته بإيدي، ولاحظت فيه نقطة ضوء خضراء صغيرة بتنور وتطفي.
لسه بحاول أفهم...
سمعت صوت أخويا من برة البيت وهو بيصرخ
إحنا عارفين كل حاجة يا محمود... افتح الباب!
بصيت للقلم مرة تانية، وبدأت أربط الأحداث ببعض.
أختي كانت بتدرس هندسة اتصالات، وكانت دايمًا بتحب الأجهزة الإلكترونية.
يا ترى... هل القلم ده كان مجرد هدية؟
ولا كانت حاسة من البداية إن فيه حاجة غلط... وخبت فيه جهاز تتبع أو تسجيل؟
وقبل ما أستوعب الحقيقة...
محمود خطف القلم من إيدي فجأة.
قلبه بين صوابعه، وبمجرد ما شاف الضوء الأخضر...
اتحول وشه للون الأصفر.
وبصلي بنظرة كلها رعب لأول مرة، وقال بصوت متقطع
إنتوا... سجلتوا كل اللي اتقال؟!
وفي نفس اللحظة...
سمعنا صوت زجاج بيتكسر، وصوت خطوات سريعة دخلت من فناء البيت...
ومعها صوت أخويا وهو بيصرخ
محدش يتحرك... إحنا دخلنا!في نفس اللحظة، البيت كله اتقلب.
حماتي صرخت وهي بتحاول تمنع اللي داخلين، لكن محدش كان بيسمعها.
محمود جري ناحية الباب وهو بيزعق
إنتوا بتعملوا إيه؟! ده اقتحام!
لكن قبل ما يوصل، الباب اتفتح بعنف، ودخل أخويا الكبير ومعاه خالي وابن عمي، ووشوشهم كلها غضب.
أول ما شفتهم، رجليا خانتني.
جريت عليهم وأنا بعيط بحرقة، وارتميت في حضن أخويا.
قال وهو بيطمني
اهدي... إحنا جنبك.
محمود حاول يتكلم بثقة مصطنعة
في إيه؟ مراتي معايا، ومفيش حد له حق يدخل بيتي بالطريقة دي.
أخويا لف ناحيته وقال بحدة
مراتك؟! إنت نصاب... خدعتنا كلنا، وخبيت جوازك الأول.
محمود رد بسرعة
وأنا عملت إيه غلط؟ الشرع محلل أربعة.
خالي قال بغضب
الشرع محلل... لكن الكذب والغش والتدليس مش محللين.
ساد صمت ثقيل في المكان.
وفي اللحظة دي، منار خرجت من وراهم، وكانت ماسكة ملف قديم في إيديها.
بصت لمحمود وقالت
أنا ساكتة من سنين... لكن خلاص.
رمت الملف على الترابيزة.
الورق اتناثر على الأرض.
من بين الأوراق ظهرت قسيمة جوازها.
لكن كان فيه ظرف بني صغير وقع من الملف.
محمود أول ما شاف الظرف...
اتغيرت ملامحه تمامًا.
جري بسرعة يحاول ياخده قبل أي حد.
لكن أخويا كان أسرع.
انحنى، التقط الظرف، وفتحه ببطء.
كل اللي في الأوضة كانوا ساكتين، مستنيين يعرفوا إيه اللي جواه.
وأول ما أخويا بص على أول ورقة...
رفع عينيه لمحمود بصدمة، وقال
إيه ده...؟!
ثم قلب الصفحة الثانية، واتسعت عيناه أكثر.
أما محمود...
فأول مرة من بداية الليلة، ظهر عليه خوف حقيقي، وتمتم بصوت مرتعش
الورق ده... ماكانش المفروض حد يشوفه...
وتوقفت الأنفاس، بينما مد أخويا الورقة لمنار وهو يقول
واضح إن السر اللي كنتِ مخبياه أخطر بكتير من حكاية الجوازة...منار مدت إيديها المرتعشة وأخدت الورقة.
بمجرد ما وقعت عينيها عليها، وشها اصفر، وقعدت على أقرب كرسي وهي حاطة إيديها على قلبها.
حماتي جريت عليها وهي بتقول بخضة
في إيه يا بنتي؟ مالِك؟
منار رفعت عينيها ناحية محمود، وكانت أول مرة أشوف فيها نظرة خوف حقيقي في عينيها، وقالت بصوت مبحوح
إنت... لسه محتفظ بالورق ده؟
محمود حاول يقرب منها بسرعة.
هاتي الورق يا منار.
لكن أخويا وقف قدامه ومنعه.
قال بحدة
ولا خطوة.
الأوضة كلها كانت ساكتة.
حتى الأطفال بطلوا كلام، وكأنهم حاسين إن في مصيبة أكبر مستخبية.
أخويا بدأ يقرأ أول سطر بصوت مسموع، لكن فجأة سكت.
بص لمحمود، ثم رجع بص للورقة مرة تانية، وقال باستغراب
الورقة دي باسمك... لكن فيها توقيعك على تنازل عن كل أملاكك؟!
حماتي شهقت.
تنازل؟! تنازل لمين؟
محدش رد.
كل الأنظار راحت ناحية محمود.
كان بيبلع ريقه بصعوبة، وعرقه بدأ ينزل من جبينه.
وفجأة...
منار قامت من مكانها وقالت
خلاص... هقول الحقيقة.
محمود صرخ فيها
لو نطقِتِ بكلمة... قسماً بالله هتندمي!
لكنها المرة دي مبصتلوش.
بصتلي أنا، وقالت
إنتِ فاكرة إنك أول واحدة خدعها؟
هزيت راسي بالنفي، وأنا
قالت
لأ... إنتِ التالتة.
الأوضة كلها اتجمدت.
أخويا قال بذهول
يعني إيه التالتة؟
منار أخدت نفس طويل، ودموعها نزلت لأول مرة.
قبلي كان فيه واحدة... وبعدها واحدة
متابعة القراءة