ربيت ابن جوزي

لمحة نيوز

في ليلة شتا باردة، والمطر كان بيخبط على الشباك كأنه بيحكي حكاية حزينة، سمعت خبط شديد على باب البيت.
كنت وقتها عندي 30 سنة، ومتجوزة حسام بقالنا 7 سنين.
فتحت الباب لقيت حسام واقف، وشه شاحب، وشايل طفل صغير ملفوف في بطانية زرقا. كان بيبصلي بنظرة غريبة، فيها خوف ورجاء في نفس الوقت.
قال بصوت واطي
منى لازم تساعديني.
بصيت للطفل اللي بين إيديه، كان بيعيط ووشه أحمر من البرد، وإيديه الصغيرة بتتحرك وهو مش فاهم هو فين.
سألته وأنا قلبي بدأ يقلق
مين الطفل ده يا حسام؟
سكت شوية، وبعدها قال
ده ابني.
اتجمدت مكاني.
كمل بسرعة
أنا كنت متجوز قبل ما أعرفك وجوازنا انتهى، ومراته توفت بعد فترة قصيرة، والولد ملقاش حد يرعاه. أهله مش قادرين يهتموا بيه وأنا مش عايز أسيبه.
فضلت ساكتة، بحاول أستوعب اللي سمعته.
أنا وحسام كنا عايشين سنين بنحلم يكون عندنا طفل. لفّينا على دكاترة كتير، وكل مرة كانت الإجابة واحدة
فرصة الحمل ضعيفة.
كنت دايمًا بحلم إني أبقى أم، أحضن طفل، أسمع كلمة ماما.
لكن عمري ما تخيلت إن اللحظة دي هتيجي بالشكل ده.
قربت من الطفل شوفته نايم وسط دموعه، وحسيت بحاجة غريبة جوايا.
حسيت إنه محتاج حضن مش أسئلة.
بصيت لحسام وقلت
وإنت عايز مني إيه؟
قال
عايزك تساعديني نربيه مش عايزه يحس إنه لوحده.
كان القرار صعب.
كان ممكن أرفض، وأقول إن ده مش مسؤوليتي، وإن حياتي اتغيرت فجأة من غير ما أختار.
لكن في اللحظة دي، الطفل مسك صباعي بإيده الصغيرة.
والحاجة دي غيرت كل حاجة.
قلت لحسام
هنربيه بس لازم تعرف حاجة، لو دخل حياتي، مش هعرف أتعامل معاه كأنه ضيف.
هز راسه وقال
هو ابننا.
ومن اليوم ده، دخل الطفل حياتي.
سميته رامي.
كبر قدام عيني يوم ورا يوم.
أنا اللي صحيت معاه بالليل لما كان بيعيط، وأنا اللي

خدته أول يوم حضانة وهو ماسك في إيدي بخوف، وأنا اللي كنت بذاكر معاه وأفرح بدرجاته.
كان يناديني ماما من غير ما حد يعلمه.
ومع مرور السنين، بقى رامي شاب محترم، طيب، وناجح.
لكن رغم كل السنين دي كان فيه سر كبير بيني وبين حسام.
سر كنا فاكرين إنه هيفضل مدفون للأبد.
لحد اليوم اللي اتجمعنا فيه في حفلة تخرج رامي
وفي اللحظة اللي الكل كان بيضحك وبيحتفل، وقف حسام ورفع الكوباية
وقال جملة خلت كل حاجة تتغير رفع حسام الكوباية وهو مبتسم، والناس حواليه كانوا فاكرين إنه هيقول كلمة مؤثرة عن ابنه.
قال
قبل ما نمشي عايز أقول كلمة لمراتي منى.
ابتسمت بخجل، وقلبي اتملّى فرحة. افتكرت إنه أخيرًا هيشكرني قدام الناس على السنين اللي تعبتها مع رامي.
لكن اللي قاله بعدها خلّى الابتسامة تختفي من وشي.
قال بصوت عالي
منى كانت معايا في كل حاجة حتى لما دخل رامي حياتنا.
الناس بصت لبعضها باستغراب.
كمل وهو بيضحك
هي ضحت كتير وربّت ابني وكانت ست عظيمة.
صفق بعض الموجودين، وأنا كنت حاسة براحة بسيطة.
لكن فجأة حسام سكت لحظة، وبص ناحيتي بنظرة غريبة.
وقال
بس يمكن لازم الناس تعرف الحقيقة كاملة.
حسيت إن قلبي وقف.
رامي كان واقف جنبي، وبص لحسام باستغراب.
قال له
بابا قصدك إيه؟
حسام شرب من الكوباية وقال
قصدي إن رامي لازم يعرف إن حياته كلها مبنية على تضحية كبيرة.
نظرت له وأنا مش فاهمة.
قلت
حسام مش وقت الكلام ده.
لكنه كمل وكأنه مش سامعني.
قال
رامي، أمك منى اختارت تفضل معايا وتربيك رغم إن الموضوع كان صعب عليها.
رامي قرب خطوة وقال
أنا عارف يا بابا دي أمي.
ابتسم حسام ابتسامة غريبة وقال
بس في حاجات أنت مش عارفها.
سكت المكان كله.
الناس بقت تبص لنا.
أنا حسيت ببرودة في أطرافي.
لأنني عرفت إن حسام مش هيقول كلام عادي
كان
فيه حاجة مخبيها.
حاجة طول 20 سنة وأنا بحاول أحمي رامي منها.
وفجأة مد حسام إيده ناحية شنطته، وطلع ظرف قديم أصفر اللون.
حطه على الترابيزة وقال
الظرف ده كان ممكن يغير حياتك يا رامي من زمان.
رامي بص للظرف، وبعدين بصلي.
وقال بهدوء
ماما إنتِ كنتِ عارفة بالظرف ده؟
قبل ما أقدر أرد
رن هاتف حسام.
بص للشاشة، واتغير لون وشه فجأة.
كأنه شاف اسم شخص كان مستحيل يظهر بعد كل السنين دي.
رفع عينه ناحيتي وقال
هي رجعت.
وساعتها عرفت إن الماضي اللي دفناه 20 سنة، رجع يفتح بابه من جديد فضلت أبص لحسام وأنا مش قادرة أفهم كلمة واحدة.
هي رجعت
الكلمتين دول وقعوا عليا كأنهم حجر.
رامي كان واقف قدامنا، وعينيه بتتنقل بيني وبين أبوه.
قال بصوت هادي لكنه مليان قلق
مين هي يا بابا؟
حسام ما ردش.
حط الموبايل على الترابيزة، وفضل ساكت.
قربت منه وقلت بصوت واطي
حسام إنت كنت عارف إن اليوم ده هييجي؟
بصلي للحظة، وفي عينيه كان فيه خوف عمري ما شوفته قبل كده.
قال
منى أنا كنت فاكر إن الموضوع انتهى.
رامي سمع الجملة، وقرب أكتر.
موضوع إيه؟ هو فيه حاجة أنا معرفهاش؟
حاولت أهدّي الموقف.
قلت
رامي، أي حاجة تحصل افتكر حاجة واحدة بس، إنك ابني.
بصلي بابتسامة حزينة وقال
أنا عارف يا أمي بس واضح إن فيه حاجة الكل عارفها غيري.
في اللحظة دي، دخلت واحدة من قرايبنا وقالت إن فيه ست مستنية برا وعايزة تقابل حسام.
حسام اتجمد مكانه.
الكل بدأ يبص لبعضه.
خرج بره القاعة، وبعد دقائق رجع
لكن المرة دي كان وشه مختلف تمامًا.
وخلفه كانت واقفة ست في بداية الخمسينات.
كانت ماسكة شنطة صغيرة، وعينيها مليانة دموع.
أول ما شافت رامي
إيديها ارتعشت.
وقالت بصوت مكسور
رامي
رامي بص لها باستغراب.
حضرتك مين؟
الست ما قدرتش ترد.
بصت لحسام وقالت
قلتلك
في يوم هضطر أرجع وكنت عارف إن الحقيقة لازم تظهر.
الناس كلها سكتت.
أما أنا فكنت حاسة إن الأرض بتتهز تحتي.
لأن الست دي ما كانتش غريبة عني.
أنا شفت صورتها قبل كده
من 20 سنة.
وفجأة افتكرت الليلة اللي دخل فيها حسام البيت وهو شايل رامي.
لكن كان فيه تفصيلة واحدة
تفصيلة حسام عمره ما قالها لي.
الست قربت من رامي، ومدت له إيدها، وقالت
أنا أمك.
رامي رجع خطوة للخلف.
وبص لحسام.
ثم بصلي.
وقال
ماما منى إيه اللي بيحصل؟
وساعتها عرفت إن اللحظة اللي كنت بخاف منها طول عمري وصلت
لحظة إن رامي يعرف كل الحقيقة ساد الصمت للحظات صمت كان تقيل لدرجة إن صوت أنفاسنا كان واضح.
رامي فضل واقف مكانه، مش قادر يستوعب اللي سمعه.
قال بصوت مرتعش
أمي؟ يعني إيه أمي؟
الست دموعها نزلت، ومدت إيدها ناحيته
أنا عارفة إنك مش هتصدقني وعارفة إني مليش حق أظهر فجأة بعد السنين دي، بس أنا حاولت أرجع كتير.
رامي رجع خطوة للخلف.
ترجعي؟! ترجعي بعد عشرين سنة؟ بعد ما واحدة تانية هي اللي ربتني؟
الكلمة الأخيرة وجعتني.
مش لأنه قالها بقسوة بالعكس، لأنه قالها وهو موجوع.
قربت منه وقلت
رامي اسمع الأول.
بصلي بعينيه اللي مليانة أسئلة.
إنتِ كنتِ عارفة؟
السؤال ده كان أصعب من أي اتهام.
سكت.
لأول مرة في حياتي، معرفتش أقول له الحقيقة بسهولة.
لأني كنت عارفة إن أي كلمة هتغير نظرته لكل حاجة.
حسام تدخل بسرعة وقال
رامي، الموضوع مش زي ما أنت فاكر.
لف له رامي وقال
طيب فهمني ليه طول عمري عايش وأنا فاكر إن مفيش غيركم؟
الست مسحت دموعها وقالت
لأني كنت ضعيفة وغلطت وخفت.
بص لها رامي ببرود
خفتِ من إيه؟
سكتت.
ونظرتها راحت ناحية حسام.
وهنا حسيت إن فيه حاجة أكبر من مجرد غياب أم عن ابنها.
حاجة حسام مخبيها.
قلت له
حسام فيه حاجة أنت مش قايلها.

وشه اتغير.
قال
منى، مش هنا.
لكن رامي سمعه.
وقال
لا هنا. قدام الكل.
الناس بدأت تقرب، والفضول ظهر على وشوشهم.
رامي مسك الظرف القديم اللي كان حسام حطه على الترابيزة.
فتحه ببطء.
طلع منه
تم نسخ الرابط