حماتي دخلت مطبخي حكايات بسمه
فاكرني.
ثم بص ناحيتي وقال
إنتِ صاحبة الظرف؟
قلت
أيوه.
مد إيده، لكنه ما طلبش الظرف.
قال
احتفظي بيه كويس... لأن دي أول مرة يوصل لصاحبه الحقيقي.
الرجل الغريب قاطعه بعصبية
كفاية تمثيل... قول مكان الوصية التانية.
ابتسم الرجل المسن.
إنت لسه فاكر إنها موجودة؟
رد الغريب بسرعة
أكيد موجودة.
قال
لأ... لأنها اتفتحت من سنين.
كل الموجودين اتصدموا.
حتى المحامي قال
مستحيل... إحنا متأكدين إنها مختومة.
الرجل المسن هز رأسه.
الظرف اللي بتدوروا عليه غير الظرف اللي اتفتح.
فيه نسخة ثالثة...
خرجت من مكتب المحاماة يوم توقيع الاتفاق.
الصمت سيطر على المكان.
حماتي قالت وهي مصدومة
يعني... كان فيه ثلاث نسخ؟
رد
أيوه.
نسخة في الصندوق.
ونسخة مع المحامي.
ونسخة سلمها المرحوم لشخص واحد بس.
قلت بسرعة
مين؟
ابتسم ابتسامة خفيفة وقال
الشخص الوحيد اللي كان واثق إنه مش هيخونه.
جوزي قال
مين هو؟
الرجل المسن نظر إلى الجميع... ثم قال
الخادمة القديمة... أم نعيمة.
ساد الصمت.
حماتي شهقت.
أم نعيمة ماتت من خمس سنين!
رد الرجل المسن
وده اللي الكل فاكره.
ثم أخرج صورة قديمة من جيبه.
وضعها أمامنا.
كانت صورة لسيدة كبيرة في السن، تقف أمام بيت صغير.
وفي أسفل الصورة تاريخ...
منذ أسبوعين فقط.
قلت بدهشة
دي صورة جديدة!
هز رأسه.
لأنها لسه عايشة.
وما سابتش البلد أصلًا.
لكن المرحوم طلب منها تختفي لحد ما ييجي اليوم ده.
الرجل الغريب تغيرت ملامحه تمامًا.
وبدأ يتراجع للخلف.
الرجل المسن لاحظه وقال
واضح إنك عرفت أنا هقول إيه بعد كده.
وفجأة...
استدار الرجل الغريب، وجرى ناحية الباب.
لكن قبل ما يخرج، صاح الرجل المسن بصوت عالٍ
اهرب براحتك...
لكن أم نعيمة كتبت اسمك كامل في مذكرتها... قبل عشرين سنة.
توقف الرجل مكانه...
ببطء شديد...
ولأول مرة منذ ظهوره، اختفت الثقة من عينيه.
يتبع...توقف الرجل عند الباب.
كان ضهره لينا.
لكن واضح من وقفته إنه فقد هدوءه.
قال من غير ما يلف
إنت بتكذب.
الرجل المسن رد بثقة
لو كنت بكذب... ما كنتش وقفت مكانك.
لف الرجل ببطء.
وبص للرجل المسن
ثم قال
أم نعيمة مستحيل تكون عرفت اسمي.
ابتسم الرجل المسن.
هي ما عرفتش اسمك الحقيقي...
لكن كتبت الاسم اللي والد زوجك كان بيناديك بيه.
في اللحظة دي، الشاب كريم شهق وقال
يعني... سامي!
الرجل الغريب اتغير وشه تمامًا.
وده كان كفاية يعرفنا إن كريم قال الاسم الصح.
جوزي قرب منه خطوة وقال
مين سامي؟
كريم رد وهو بيبص للرجل الغريب
أول ما اشتغلت مع والدك، كان بيجي كل فترة يقابله.
كان بيقول إنه شريك قديم.
لكن بعد فترة... المرحوم منع دخوله البيت نهائي.
الرجل الغريب ضحك ضحكة قصيرة.
كان لازم يمنعني...
لأنه عرف الحقيقة.
قلت بسرعة
حقيقة إيه؟
بصلي وقال
إن كل اللي حصل من يوم جوازك... ماكانش صدفة.
حتى مشكلة الأجهزة...
كانت مجرد فرصة ندور بيها على الورق.
حماتي صرخت فيه
إنت وعدتني إن محدش هيتضر!
بصلها ببرود.
وأنا نفذت.
إنتِ اللي استعجلتي ودخلتي البيت بنفسك.
كل العيون اتجهت ناحية حماتي.
كانت بتبكي بصمت.
وقالت بصوت مكسور
أنا كنت فاكرة إننا بندور على ورقة تمنع المشاكل بين العيلة...
ما كنتش أعرف إن في كل الأسرار دي.
الرجل المسن تنهد وقال
وده اللي المرحوم كان متوقعه.
كان عارف إن الطمع هيخلي كل واحد يشوف جزء من الحقيقة بس.
ثم مد يده في جيبه.
وأخرج مفتاحًا صغيرًا آخر.
لكنه مختلف عن الأول.
وقال
وده آخر مفتاح.
سألته
بيفتح إيه؟
ابتسم.
الخزانة اللي عند أم نعيمة.
فيها المذكرة...
والنسخة الأخيرة من الوصية.
الرجل الغريب اندفع فجأة ناحية الرجل المسن يحاول يخطف المفتاح.
لكن جوزي وكريم أمسكوا به قبل ما يوصل.
وبعد شد وجذب، وقع من جيبه شيء صغير على الأرض.
كان ظرفًا بنيًا قديمًا.
التقطه المحامي بسرعة.
قلبه بين إيديه...
ثم قال بدهشة
الغريب...
الظرف ده عليه نفس ختم مكتبنا.
لكن مكتوب عليه
لا يُفتح إلا بعد العثور على النسخة الأخيرة.
نظر الجميع إلى بعضهم في صمت.
وأدركنا أن كل ما اكتشفناه حتى الآن...
لم يكن سوى بداية اللغز الحقيقي.
يتبع...المحامي قلب الظرف بين إيديه.
كان الختم سليم.
والورق مصفر من الزمن.
بص للرجل المسن وقال
أنا
الرجل المسن رد بهدوء
لأن المرحوم طلب يتسجل برقم مختلف، وما يدخلش في أي أرشيف.
الرجل الغريب حاول يفلت من إيد جوزي وكريم وهو بيصرخ
هاتوهولي!
لكن المرة دي، جوزي زقه بعيد وقال بغضب
خلاص... انتهى.
أول مرة أشوفه بيواجه حد بالشكل ده.
بصلي وقال
أنا غلطت في حقك لما سكت على اللي أمي عملته.
لكن من النهارده... مش هسكت تاني.
قبل ما أرد...
رن تليفون الرجل المسن.
رد، وسكت وهو بيسمع.
بعدها ابتسم.
وقال
الحمد لله.
سألته
في إيه؟
قال
أم نعيمة وافقت تقابلك.
كل الموجودين بصوا له في نفس اللحظة.
حتى الرجل الغريب وشه اصفر.
قال بسرعة
مستحيل... هي مستحيل تظهر.
الرجل المسن قال
واضح إنها عرفت إن الوقت جه.
ثم بصلي وقال
لكن في شرط.
قلت
إيه هو؟
قال
تروحي لها لوحدك.
اعترض جوزي فورًا.
مستحيل أسيبها تروح وحدها.
رد الرجل المسن
ده شرطها.
ولو حد راح معاها...
مش هتفتح الباب.
ساد الصمت.
كنت مترددة.
لكن شعوري إن كل الإجابات عندها كان أكبر من خوفي.
قلت
هروح.
الرجل المسن سلمني ورقة صغيرة.
كان عليها عنوان بيت قديم في قرية قريبة.
وقال
روحي قبل غروب الشمس.
بعدها... ممكن تلاقي البيت فاضي.
خرجت من الورشة، وأنا ماسكة الشنطة اللي فيها الفواتير والظرف والفلاشة.
وجوزي وقف يتفرج عليّ من بعيد.
واضح إنه عايز يجي... لكنه ملتزم بالشرط.
بعد حوالي ساعة وصلت للعنوان.
البيت كان صغيرًا جدًا.
بابه الخشبي مفتوح نصف فتحة.
خبطت.
ماحدش رد.
دخلت بحذر.
كان المكان هادي بشكل غريب.
وفجأة سمعت صوت سيدة كبيرة من آخر الغرفة.
قالت
اتأخرتي... كنت مستنياكي من يوم جوازك.
اتجهت ناحية الصوت.
ولما دخلت الأوضة...
لقيت سيدة مسنة قاعدة على كرسي هزاز.
أمامها صندوق خشبي صغير.
ابتسمت لي وقالت
قبل ما أسلمك النسخة الأخيرة...
جاوبي على سؤال واحد.
لو عرفتي إن الحقيقة هتخسرك بيتك... وجوزك... وكل اللي بنيتيه...
هتكملي؟
وساد صمت ثقيل...
لأن السؤال لأول مرة خلاني أفكر
هل أنا فعلًا مستعدة أعرف الحقيقة مهما كان ثمنها؟
يتبع.
ثم قلت للرجل المسن
خلاص... كفاية أسرار. أنا عايزة الحقيقة كلها.
ابتسم وقال
وده بالضبط اللي كان مستنيه المرحوم.
مد يده إلى الظرف الأخير.
فتح الختم ببطء.
وأخرج منه ورقة واحدة فقط.
بدأ يقرأ بصوت واضح
إذا وصلت هذه الورقة إلى زوجة ابني، فاعلمي أنني كتبتها لأنني رأيت ما لم يره ابني. رأيت طيبة قلبك، ورأيت أنك كنتِ تنفقين على البيت من مالك، بينما الجميع يعتبر ذلك واجبًا عليك. لذلك قررت أن أوثق الحقيقة حتى لا يضيع حقك يومًا.
انهمرت دموعي.
وأكمل
كل ما اشترته زوجة ابني من مالها هو ملكٌ لها وحدها، ولا يحق لأحد التصرف فيه. وإذا وقع نزاع، تُعاد إليها جميع ممتلكاتها، ويكون لها حرية البقاء أو الرحيل دون أي التزام.
ثم أخرج ورقة ثانية.
كانت كشفًا بكل المبالغ التي دفعتها منذ أول يوم زواج.
كل فاتورة...
كل جهاز...
كل جنيه.
حتى مقدم الشقة الذي ساهمت به.
كل شيء كان موثقًا بتوقيع والد زوجي.
نظر الرجل المسن إلى جوزي وقال
أبوك كان يعرف إنك بتحب مراتك... لكن شخصيتك ضعيفة قدام أمك. وكان خايف ييجي اليوم اللي تسكت فيه عن ظلمها.
خفض جوزي رأسه.
وقال وهو يبكي
سامحيني...
أنا خذلتك.
التفت إلى أمه.
وقال لأول مرة بحزم
من النهارده... ملكيش أي حق تدخلي بيتي.
ولو قربتي من مراتي أو حاجتها مرة تانية...
هبلغ عنك.
حماته انهارت على الكرسي.
وقالت وهي تبكي
أنا كنت فاكرة إني بحافظ على حق بنتي...
ما كنتش أعرف إني بخسر ابني.
أما الرجل الغريب، فقد حاول الهرب.
لكن الشرطة، التي كان المحامي قد اتصل بها قبل وصوله إلى الورشة، دخلت في تلك اللحظة وألقت القبض عليه.
واعترف بعد التحقيق أنه كان يحاول الوصول إلى المستندات ليستخدمها في الاستيلاء على بعض الممتلكات مستغلًا الخلافات العائلية.
بعد أسابيع...
صدر حكم بإعادة كل ممتلكاتي التي اشتريتها من مالي.
واستأجرت شقة صغيرة.
وجمعت فيها كل أجهزتي من المخزن.
أما جوزي...
فجاء أكثر من مرة يطلب فرصة جديدة.
لكني قلت له بهدوء
البيت ممكن يتعوض.
والأجهزة ممكن تتجاب من أول وجديد.
لكن الثقة.
لما تتكسر قدام أقرب الناس...
صعب جدًا ترجع زي الأول.
ابتسمت وأنا شغّلت ماكينة القهوة الجديدة لأول مرة.
وأدركت أن أغلى شيء خرجت به من كل اللي حصل...
لم يكن بيتًا ولا أجهزة...
بل احترام نفسي، ومعرفتي أن السكوت على الظلم لا يحمي الأسرة، بل يسمح له أن يكبر.
تمت.