حماتي دخلت مطبخي حكايات بسمه

لمحة نيوز


المحامي مد إيده وأخذ الظرف والفلاشة، ثم لف قطعة قماش كانت على المكتب وحطهم جواها.
قال
مش هنفتح أي حاجة هنا.
وقبل ما يكمل...
الباب الخارجي اتخبط خبطة قوية.
ثم الثانية.
ثم الثالثة.
لدرجة إن التراب بدأ ينزل من السقف.
حماتي كانت بتترعش.
وفجأة قالت
أنا هقولكم الحقيقة... بس خرجونا من هنا الأول.
كلنا بصينا لها.
جوزي قال بذهول
يعني إنتِ فعلاً مخبية حاجة؟
نزلت دموعها لأول مرة.
وقالت بصوت مكسور
أنا غلطت... لكن مش الغلط اللي إنتوا فاكرينه.
قبل ما حد يسألها...
الرجل العجوز قال
اتأخرتي سنين على الاعتراف.
حماتي بصتلي مباشرة وقالت
أبو جوزك عمره ما كتب الاتفاق عشان يمنعني آخد البيت...
سكتت لحظة، ثم أكملت
كتبه لأنه كان عارف إن في حد من العيلة بيدور على حاجة أغلى من البيت نفسه.
قلت بسرعة
مين؟
هزت رأسها وقالت
مش أنا.
في نفس اللحظة...
اتسمع صوت زجاج بيتكسر.
حد دخل الورشة من الشباك الخلفي.
لفينا كلنا.
لكن الشخص كان لابس كاب وجاكيت واسع، ووشه مستخبي.
أشار ناحيتنا وقال بهدوء
سيبوا الفلاشة... وخدوا نفسكم وامشوا.
المحامي ضم القماشة لصدره.
وقال
مستحيل.
ابتسم الرجل الغريب.
ثم قال جملة خلت الشاب اللي ظهر من شوية يتراجع خطوة للخلف
واضح إنك نسيت اتفاقنا... يا كريم.
الشاب شهق.
وقال
إنت... إزاي عرفت مكاني؟
الرجل خلع الكاب ببطء...
وأول ما بان وشه...
اتغيرت ملامح كريم تمامًا.
وقال بصوت مرتعش
كنت فاكر إنك سافرت من البلد من عشر سنين!
الرجل ابتسم ابتسامة باردة وقال
سافرت...
بس رجعت أول ما عرفت إن الصندوق اتفتح.
ثم نظر إليّ مباشرة وقال
والد زوجك كان ذكي...
لكنه ارتكب غلطة واحدة.
وثق في ناس أكتر من اللازم.
وساد صمت ثقيل...
بينما كانت الفلاشة لا تزال في يد المحامي، والجميع يدرك أن ما بداخلها قد يغيّر حياة كل من في الورشة.
يتبع...الضحكة وقفت فجأة.
كل واحد فينا لفّ برأسه ناحية الصوت.
كانت جاية من آخر الورشة... من وراء رفوف حديد قديمة مغطاة بالتراب.
جوزي مسك ماسورة حديد كانت مرمية على الأرض وقال
مين هناك؟
ماحدش رد.
الرجل العجوز قال بهدوء
اوعوا

تتحركوا كلكم. خلي واحد بس يروح.
لكن قبل ما حد ياخد خطوة...
خرج شاب في التلاتينات، هدومه مليانة تراب، ورفع إيده وقال
متخافوش... أنا مش جاي أأذي حد.
بص له المحامي بدهشة شديدة.
إنت... إنت لسه عايش؟
الشاب ابتسم ابتسامة باهتة.
واضح إن ناس كتير كانت تتمنى غير كده.
أنا بصيت للمحامي وقلت
هو مين؟
رد بعد تردد
ده كان مساعد والد زوجك في شغله... واختفى من سنين من غير أي أثر.
الشاب هز رأسه وقال
أنا ما اختفيتش... أنا استخبيت.
حماتي بدأت تتراجع للخلف خطوة وراء خطوة.
ولما الشاب شافها، ثبت عينه عليها وقال
من زمان وأنا مستني اللحظة دي.
قالت وهي بتحاول تثبت صوتها
أنا معرفكش.
ابتسم وقال
تعرفيني كويس... لأن آخر مرة شفتِني فيها، طلبتي مني أنسى كل اللي شفته في الليلة دي.
الصمت ملأ المكان.
حتى جوزي بقى يبص لأمه باستغراب.
الشاب أخرج من جيبه فلاشة صغيرة.
وحطها فوق الصندوق.
وقال
المرحوم سلّمني دي قبل وفاته بأيام.
وقال لي لو في يوم حصل خلاف على البيت... سلّمها لصاحبة الحق.
بصيت للفلاشة.
ثم بصيت للظرف.
قلت
إيه اللي عليها؟
رد
تسجيلات... وصور... ومستندات.
لكن أهم حاجة فيها...
فيديو متصور داخل البيت قبل فرحكم بأسبوع.
جوزي اتجمد مكانه.
وقال
فيديو لإيه؟
الشاب رد وهو ما زال يبص ناحية حماته
فيديو للاجتماع اللي اتعمل عشان يتفقوا هيكتبوا إيه... وهيخفوا إيه... ومين لازم يفضل طول عمره ما يعرفش الحقيقة.
حماتي صرخت فجأة
كذاب!
لكن صوتها كان مهزوز.
الشاب رد بهدوء
لو أنا كذاب... افتحوا الفلاشة.
مددت إيدي ناحيتها...
لكن قبل ما ألمسها...
سمعنا صوت سيارات بتقف قدام الورشة.
وبعد ثوانٍ...
بدأت أنوار كشافات قوية تدخل من الشبابيك المكسورة.
وتبعها صوت رجل يهتف من الخارج
المكان محاصر!
تبادلنا النظرات في صمت.
ثم همس الرجل العجوز
واضح إن الخبر وصل أسرع مما توقعت...
وللأسف...
المرة دي، اللي بره مش جايين عشان الصندوق.
جايين عشان الفلاشة.
يتبع...الرجل الغريب ثبت عينه على الفلاشة.
وقال بهدوء غريب
آخر مرة هطلبها باحترام.
هاتوها.
المحامي ضمها أكتر إلى صدره.
مش هتطلع
من إيدي.
ابتسم الرجل.
ورفع إيده.
وفجأة دخل اتنين من بره الورشة.
وقفوا عند الباب من غير ما يتكلموا.
واضح إنهم مستنيين إشارة منه.
جوزي وقف قدامي مباشرة وقال
مهما حصل... محدش هياخدها.
بصيت له باستغراب.
كان أول موقف من يوم جوازنا أحس فيه إنه واقف في صفي فعلًا.
الرجل الغريب ضحك.
دلوقتي افتكرت مراتك؟
لكن جوزي ما ردش.
الرجل العجوز قرب مني وهمس
خلي بالك... هو مش عايز الفلاشة.
بصيت له باستغراب.
أمال عايز إيه؟
قال
عايز الظرف الأصلي.
في اللحظة دي فهمت.
الفلاشة كانت مجرد نسخة.
أما الظرف...
فهو اللي فيه المستندات الأصلية.
الغريب لاحظ نظراتنا.
فابتسم وقال
واضح إنكم فهمتوا.
ثم أخرج ورقة مطوية من جيبه.
ورفعها قدامنا.
وقال
شايفين دي؟
دي آخر صفحة ناقصة من الاتفاق.
ومن غيرها... الظرف اللي معاكم ملوش أي قيمة.
المحامي اتفاجئ.
إزاي وصلت معاك؟
رد الرجل بثقة
لأني أخدتها قبل ما تتخبى.
الشاب كريم صرخ فيه
إنت اللي سرقت الملف!
ابتسم وقال
سرقة؟
أنا أخدت حقي.
قبل ما حد يرد...
رن موبايل الرجل الغريب.
بص للشاشة.
ولأول مرة اتغيرت ملامحه.
رد بسرعة
إيه؟!
سكت ثواني وهو بيسمع.
ثم قال بعصبية
إزاي اختفت؟!
وقفل الخط.
كلنا كنا بنبصله.
اتلفت حوالين نفسه بسرعة.
ثم بص على حماتي.
وقال
فين النسخة؟
حماتي اتصدمت.
نسخة إيه؟
قرب منها بعصبية.
إنتِ وعدتيني إنها هتفضل في مكانها.
حماتي هزت رأسها وهي مرعوبة.
والله ما لمستها.
الرجل العجوز ابتسم لأول مرة.
وقال
يبقى المرحوم سبقكم كلكم.
الغريب بصله بغضب.
تقصد إيه؟
رد الرجل العجوز
كان دايمًا يقول...
الناس كلها هتجري ورا الورقة... ومحدش هيبص للحقيقة.
سكت لحظة...
ثم بصلي أنا مباشرة.
وقال
فاكرة أول قائمة عملتيها بالفواتير؟
هززت رأسي.
قال
ارجعي شوفيها كويس.
في حاجة فيها...
ولا واحد من الموجودين خد باله منها.
اتجمدت مكاني.
الفواتير...
كانت لسه فوق السفرة قبل ما أنقلها.
لكن لما جمعتهم...
لاحظت فعلًا إن في ورقة غريبة بينهم.
افتكرتها إعلان قديم.
وما بصيتش فيها.
رفعت عيني للرجل العجوز.
وقلت
تقصد الورقة اللي كانت بين الفواتير؟

ابتسم وقال
أيوه...
لأنها مش إعلان.
دي كانت الوصية الحقيقية.
وساد الصمت في الورشة...
بينما أدرك الجميع أن كل ما كانوا يطاردونه طوال السنين...
لم يكن إلا نصف الحقيقة.
يتبع...اتسعت عيون الجميع.
حتى الرجل الغريب لف ناحيتي بسرعة وقال
الوصية معاكِ؟
هززت رأسي.
معرفش... أنا لما نقلت الفواتير حطيتهم كلهم في ملف واحد، وفي ورق كتير ما راجعتوش.
الرجل العجوز ابتسم وقال
وده اللي كان المرحوم مخطط له.
المحامي سأله باستغراب
يعني إيه؟
رد
كان عارف إن الكل هيفتش في الصندوق، والظرف، والفلاشة... لكن محدش هيفكر يبص وسط فواتير الأجهزة والأثاث.
الرجل الغريب فقد هدوءه لأول مرة.
صرخ
هي فين الورقة دلوقتي؟
قلت بهدوء
في المخزن... وسط باقي الفواتير.
لف ناحية الرجلين اللي معاه وقال
اتحركوا... هاتها قبل ما حد يوصلها.
جري الاتنين ناحية الباب.
لكن في نفس اللحظة...
سمعنا صوت سيارات جديدة بتقف بره.
وأصوات ناس بتنادي على بعض.
أحد الرجلين بص من الشباك وقال بقلق
في ناس كتير وصلت.
الرجل الغريب عض على شفته وقال
اتأخرنا.
المحامي استغل اللحظة، وحط الفلاشة والظرف في شنطة صغيرة كانت معاه، وسلمهالي.
وقال
من دلوقتي... أي حاجة باسمك تفضل معاكي إنتِ.
بصيتله باستغراب.
قال
أنا نفذت اللي المرحوم طلبه.
لو حصلي أي حاجة...
كملي إنتِ.
جوزي قرب مني وقال بصوت منخفض
أنا عارف إنك مش واثقة فيا... لكن لو خرجنا من هنا، لازم نروح المخزن الأول.
قبل ما أرد...
حماتي قالت وهي بتبكي
اسمعوني... الوصية مش أخطر حاجة.
كلنا بصينا لها.
قالت وهي تمسح دموعها
في ظرف تاني.
الرجل العجوز اتجمد مكانه.
إنتِ عرفتي؟
هزت رأسها.
عرفت بالصدفة بعد وفاة أبوه... لكنه سبقني وخباه في مكان محدش يعرفه.
قلت بسرعة
ظرف تاني فيه إيه؟
سكتت لثوانٍ...
ثم قالت بصوت خافت
فيه اسم الشخص اللي المفروض تؤول له كل حاجة... لو الطرفين خانوا الأمانة.
ساد صمت ثقيل.
أنا بصيت لجوزي.
وهو بصلي.
كل واحد فينا كان بيسأل نفسه نفس السؤال
هل الشخص ده أنا؟... ولا هو؟... ولا حد تالت عمرنا ما سمعنا عنه؟
وفي تلك اللحظة، دوى صوت قوي
من خارج الورشة...
ثم انفتح الباب فجأة...
ودخل رجل مسن يحمل عصا خشبية، ونظر مباشرة إلى الظرف في يدي قبل أن يقول
الحمد لله... وصلت قبل ما يفتحوا الوصية الثانية.
يتبع...الرجل المسن دخل بخطوات ثابتة، رغم كِبر سنه.
أول ما شافه المحامي، وقف فجأة وقال
أستاذ عبدالرحمن...!
الرجل هز رأسه بهدوء.
لسه

تم نسخ الرابط