حماتي دخلت مطبخي حكايات بسمه
رد بهدوء
أنا ليا دعوة... لأن المرحوم سلمني أمانة.
مد إيده في جيب الجاكيت.
طلع مفتاح صغير جدًا، مربوط بسلسلة قديمة.
وحطه قدامي على المكتب.
قال
كان قايل لي لو في يوم مراد اتخانق مع مراته بسبب البيت... سلّمها المفتاح.
بصيت للمفتاح باستغراب.
قلت
مفتاح إيه؟
رد
أنا معرفش.
لكن أعرف إنه بيفتح حاجة مرتبطة بالاتفاق.
جوزي رفع عينه فجأة وقال
الصندوق!
كلنا بصينا له.
قال وهو بيحاول يفتكر
أبويا كان عنده صندوق حديد صغير في مكتبه. بعد وفاته اختفى.
حماتي قاطعته بسرعة
مافيش صندوق ولا حاجة... إنت بتتخيل.
لكن الرجل الكبير رد فورًا
كان موجود.
وأنا اللي شيلته يوم الجنازة... بأمر من والدك.
وشه حماتي اتغير تمامًا.
بدأت تتراجع لورا خطوة.
ثم قالت بصوت مهزوز
إنت... إنت كداب.
المحامي فتح الملف اللي معاه، وأخرج صورة قديمة.
حطها قدامي.
كانت صورة لمكتب خشب قديم.
وفوقه الصندوق الحديد.
وتحت الصورة توقيع والد زوجي وتاريخ قبل وفاته بأسبوع.
قال المحامي
دي اتصورت ضمن جرد رسمي.
الصندوق ده موجود... ومحدش قدر يفتحه.
لأن مفتاحه اختفى في نفس اليوم.
بصيت للمفتاح اللي في إيدي.
كان نفس الحجم تقريبًا اللي يناسب قفل صندوق صغير.
في اللحظة دي، رن موبايل جوزي.
رد بسرعة.
وفضل ساكت وهو بيسمع.
بعدها بصلي وقال
في حد دخل بيتنا.
قلت باستغراب
مين؟
قال
الجيران شافوا عربية نقل واقفة قدام البيت... وفي ناس بيطلعوا الأثاث من غير إذن.
كل العيون اتجهت ناحية حماتي.
لكنها كانت مصدومة فعلًا.
قالت
والله... دي مش أنا.
ولأول مرة...
بدا إنها هي كمان مش فاهمة إيه اللي بيحصل.
أما الرجل الكبير، فأغمض عينيه وقال جملة واحدة جعلت الجميع ينظر إليه في صدمة
واضح إن اللي بيدور على الصندوق... عرف إن المفتاح ظهر.
يتبع...جري جوزي ناحية الباب وهو بيقول
لازم نرجع البيت حالًا.
لكن الرجل الكبير رفع إيده وقال بحزم
لو رجعتوا دلوقتي من غير ما تعرفوا مين اللي بلغهم بظهور المفتاح... هتكونوا رايحين على فخ.
سألته
تقصد إيه؟
قال
من ساعة ما دخلت المخزن، في حد بيراقب المكان.
كلنا بصينا من الشباك.
كانت عربية
أزازها فاميه.
والموتور شغال.
المحامي قال بهدوء
أنا لاحظتها من أول ما وصلت.
حماتي بصت بخوف وقالت
أنا معرفش العربية دي.
الرجل الكبير أخرج موبايل قديم من جيبه، وفتح صورة.
وراهالي.
كانت نفس العربية... لكن الصورة متصورة من سنين.
واقفة قدام بيت والد زوجي.
قال
العربية دي كانت بتيجي كل فترة تقابل المرحوم.
بس عمره ما قال لنا أصحابها مين.
قبل ما أتكلم، رن تليفوني.
رقم غريب.
رديت.
جالي صوت راجل هادي جدًا.
قال
معاكي المفتاح؟
اتجمدت.
ما رديتش.
كمل
اسمعيني كويس... لو عايزة تعرفي الحقيقة، متروحيش البيت.
روحي الأول للمكان اللي والد زوجك كان مخبيه.
قلت بسرعة
إنت مين؟
ضحك ضحكة خفيفة وقال
اسألي الراجل اللي واقف جنبك عن الغرفة الزرقا.
وقفلت المكالمة.
بصيت للرجل الكبير.
أول ما قلت له الكلمتين...
وشه اتغير.
وقال بصوت منخفض
مستحيل...
سألته
إيه هي الغرفة الزرقا؟
سكت ثواني، ثم قال
مكان قديم كان والد زوجك بيحتفظ فيه بكل أوراقه المهمة.
حتى أولاده ما يعرفوش مكانه.
جوزي بصله بدهشة.
أنا أول مرة أسمع عنها.
الرجل الكبير هز رأسه.
لأن أبوك قال إن اللي يعرف مكانها هيكون في خطر.
حماتي قعدت على أول كرسي قابلها.
كانت بتتنفس بسرعة.
وبعدين قالت جملة خلتنا كلنا نبصلها
أنا... كنت فاكرة إنه هدمها قبل ما يموت.
المحامي رفع عينه ناحيتها وقال
يعني إنتِ كنتِ عارفة إنها موجودة؟
حماتي عضت على شفايفها...
وأدركت إنها قالت أكتر مما كانت تقصد.
وفي نفس اللحظة...
وصلت رسالة على هاتفي من نفس الرقم المجهول.
فتحتها.
كانت عبارة عن صورة فقط.
صورة لباب خشبي قديم، مطلي باللون الأزرق الباهت.
وفوق الباب لوحة معدنية مكتوب عليها رقم...
17.
وتحت الصورة رسالة قصيرة
معاكِ ساعة واحدة قبل ما يوصلوا قبلك.
يتبع...بصيت للصورة مرة... واتنين.
كنت حاسة إني شفت الباب ده قبل كده.
لكن مش قادرة أفتكر فين.
جوزي أخد الموبايل من إيدي، وأول ما شاف الصورة اتسعت عينه.
قال
لا... مستحيل.
سألته
إنت تعرف المكان؟
هز رأسه ببطء.
أفتكر إن وأنا صغير، أبويا كان ياخدني
الرجل الكبير ضرب كف بكف وقال
مش مخزن... كانت الورشة القديمة.
المحامي سأله
لسه موجودة؟
رد
المبنى موجود... لكن من أكتر من عشر سنين محدش دخله.
قلت
يبقى نروح.
حماتي قامت فجأة وقالت بعصبية
محدش هيروح في حتة!
كانت أول مرة تتكلم بالأمر بالشكل ده.
بص لها جوزي وقال
ليه؟
ارتبكت للحظة، ثم قالت
المكان خطر... ممكن يقع.
الرجل الكبير ابتسم ابتسامة خفيفة.
الغريب إنك عارفة إنه لسه موجود.
حماتي سكتت.
ومحدش لقى رد.
خرجنا بسرعة، وركبنا عربيتين.
كنت أنا وجوزي والمحامي في عربية.
والرجل الكبير في العربية اللي ورانا.
أما حماتي، أصرت تيجي معانا.
طول الطريق كانت ساكتة، لكنها كل شوية تبص في المراية كأنها خايفة من حد بيتبعنا.
بعد حوالي نص ساعة وصلنا.
المكان كان مهجور فعلًا.
سور قديم.
وشبابيك مكسورة.
وعلى الجنب... الباب الأزرق.
نفس الباب اللي في الصورة.
ورقم 17 لسه متعلق فوقه.
قربت منه.
ولما حطيت المفتاح في القفل...
لف من أول مرة.
الباب فتح ببطء، وصوت صريره دوّى في المكان.
دخلنا بحذر.
كانت الورشة مليانة تراب، لكن واضح إن حد دخلها قريب.
في الأرض آثار أحذية جديدة.
المحامي انحنى وبص عليها.
وقال
إحنا مش أول ناس توصل هنا.
في آخر الورشة كان فيه مكتب خشب قديم.
وفوقه صندوق حديد صغير.
نفس الصندوق اللي في الصورة.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
مسكت المفتاح.
وقربت من الصندوق.
لكن قبل ما أدخله في القفل...
سمعنا صوت باب الورشة بيتقفل بعنف.
لفينا كلنا.
الباب الخارجي اتقفل.
واتسمع صوت احتكاك حديد.
كأن حد حط سلسلة من بره.
جوزي جري ناحية الباب وحاول يفتحه.
ما اتحركش.
وفي اللحظة دي...
سمعنا صوت رجل من الخارج يقول بهدوء
دوركم خلص.
دلوقتي... سيبوا الصندوق واطلعوا لو عايزين تخرجوا سالمين.
ساد الصمت داخل الورشة...
ثم جاء صوت آخر من الخلف، من داخل المكان نفسه، رغم أننا كنا نظنه خاليًا
للأسف... فات الأوان.
كلنا استدرنا في نفس اللحظة...
لنجد ظل شخص يخرج ببطء من بين الغرف الخلفية، وكأنه كان ينتظر وصولنا منذ البداية.
يتبع...تراجعنا كلنا خطوة للخلف.
الشخص خرج من بين الظلام ببطء.
كان راجل في أواخر الستينات، هدومه عليها تراب، لكنه كان واقف بثبات.
أول ما شافه الرجل الكبير، شهق وقال
إنت...!
ابتسم الرجل ابتسامة هادئة.
واضح إنك لسه فاكرني.
جوزي بص بين الاتنين باستغراب.
مين ده؟
الرجل الكبير رد بصوت متردد
ده... المحاسب القديم بتاع والدك.
الراجل هز رأسه.
كنت المحاسب... وبعدين بقيت الشخص اللي المرحوم ائتمنه على آخر سر.
بصلي مباشرة وقال
إنتِ صاحبة المفتاح؟
رفعت المفتاح في إيدي.
قال
كويس... يبقى لسه في أمل.
المحامي قرب منه وسأله
إيه اللي بيحصل بره؟ مين قفل علينا؟
رد الرجل
ناس فاكرة إن الصندوق فيه فلوس أو عقود ملكية.
لكن الحقيقة مختلفة تمامًا.
حماتي صاحت من آخر الورشة
كفاية لف ودوران... افتح الصندوق!
بصلها الرجل نظرة طويلة وقال
من الغريب إنك أكتر واحدة مستعجلة تعرفي اللي جواه... مع إنك الوحيدة اللي عارفة إنه عمره ما كان فيه فلوس.
سكتت.
ووشها فقد لونه.
أنا قربت من الصندوق.
دخلت المفتاح في القفل.
لف بسهولة.
كل الموجودين حبسوا أنفاسهم.
رفعت الغطاء ببطء...
لكن اتفاجئت.
الصندوق كان... فاضي.
ولا ورقة.
ولا عقد.
ولا أي حاجة.
جوزي قال بدهشة
مستحيل!
حتى حماتي شهقت.
أما الرجل العجوز، فابتسم لأول مرة.
وقال
الحمد لله.
بصيتله باستغراب.
قلت
الحمد لله على إيه؟ الصندوق فاضي!
رد بهدوء
لأن ده معناه إن المرحوم نفذ آخر خطوة في خطته.
المحامي سأله
يعني إيه؟
مد الرجل إيده داخل الصندوق، وضغط على زاوية خشبية صغيرة في القاع.
فجأة...
اتحرك قاع الصندوق نفسه.
وطلع درج سري رفيع جدًا.
كان مستخبي بإتقان.
وفيه...
مفتاح تاني.
ومظروف أبيض أصغر من الأول.
وعليه جملة واحدة بخط يد والد زوجي
إذا وصلتوا للمرحلة دي... فاعرفوا إن الشخص اللي سبب كل اللي حصل... واقف بينكم دلوقتي.
سادت لحظة صمت ثقيلة.
كل واحد فينا بص على التاني.
وفي نفس اللحظة...
سمعنا صوت ضحكة خافتة.
لكن الغريب...
إن الضحكة ما كانتش جاية من بره الورشة.
كانت جاية...
من داخلها.
يتبع...تجمدت إيدي قبل ما ألمس الفلاشة.
الأنوار كانت بتتحرك على شبابيك الورشة، وصوت خطوات برا بيقرب.
جوزي بص للشاب وقال بسرعة
إنت جبت حد وراك؟
هز رأسه بعنف.
لا... أنا كنت متأكد إن محدش يعرف مكاني.
الرجل العجوز قرب من المكتب وقال
اسمعوني كويس... لو الفلاشة وقعت في إيد الشخص الغلط، كل اللي عمله المرحوم هيروح.