بعد شهرين حكايات زيزي

لمحة نيوز

بعد شهرين من طلاقي لمراتي، لقيتها قاعدة لوحدها في طرقة مستشفى، لابسة لبس المرضى وباصة في الأرض كأنها استسلمت للحياة. شعرها الكستنائي الجميل اختفى، وكان في كانيولا داخلة في إيدها، والبنت اللي كانت بتنور أي مكان تدخله بقت بالكاد تتعرف عليها. كنت مقنع نفسي إن الطلاق كان أحسن قرار لينا إحنا الاتنين... لكن أول ما شفت إيديها وهي بتترعش، حسيت إني سبتها في أصعب فترة في حياتها.
أنا اسمي إيثان، عندي 34 سنة، وبشتغل موظف عادي في شركة في شيكاغو. أنا وصوفي كنا متجوزين بقالنا خمس سنين، وكل اللي يعرفنا كان متأكد إننا هنكمل عمرنا سوا. صوفي كانت هادية وطيبة، ومبتحبش تلفت الانتباه، لكن وجودها كان بيخلي الدنيا أهدى وأحلى. مهما كان يومي صعب، أول ما كنت برجع البيت وأشوفها، كنت بحس إن كل التعب راح.
كان نفسنا نشتري بيت صغير فيه بلكونة كبيرة، ونملأ أوضه بأطفالنا. كنا بنحلم بأعياد الميلاد، وأول يوم مدرسة، والسفر سوا، وإننا نكبر جنب بعض وإحنا شعرنا شاب وإيدينا ماسكة فناجين القهوة.
لكن بعد تلات سنين جواز، فقدنا أول حمل. وبعدها بفترة قصيرة فقدنا حمل تاني. ومن ساعتها، كان في حاجة جوانا اتكسرت من غير صوت.
صوفي بقت منطوية أكتر، وشايلة حزن كبير بتحاول تخبيه بابتسامة صغيرة وجملة دايمًا بتقولها أنا كويسة.
أما أنا، فهربت للشغل. بقيت أقعد ساعات إضافية لأن الأرقام والجداول كانت أهون عليّ من الصمت اللي مستنيني في البيت.
إحنا عمرنا ما كنا بنزعق أو نرمي كلام جارح على بعض... لكن ببساطة بطلنا نوصل لبعض. بقينا ساكنين تحت سقف واحد، وكل واحد عايش في عالم لوحده.
وفي ليلة، بعد خناقة ملهاش سبب حقيقي، قلت لها الكلام اللي كان بيلف في دماغي من شهور صوفي... يمكن الأحسن إننا نطلق.
بصتلي فترة طويلة، وبعدها قالت بهدوء إنت كنت واخد القرار ده قبل ما تنطقه... صح؟
ماقدرتش أكدب... فاكتفيت إني

هزيت راسي.
هي لا عيطت، ولا ترجتني، ولا فكرتني بالوعود اللي بينا. دخلت أوضة النوم، ولمت هدومها في شنطة، وأنا قاعد مكاني مش قادر أتحرك.
وقبل ما تمشي، وقفت عند الباب كأنها عايزة تقول حاجة... لكنها سكتت. وسكوتها وقتها وجعني أكتر من أي عتاب.
الطلاق تم بسرعة، وأنا نقلت شقة صغيرة، وكل حاجة فيها كانت تحسسني إنها مؤقتة. الشغل كان مالي نهاري، والتليفزيون كان بيضيع ليلي، لكن الوحدة كانت مالية كل دقيقة.
وكنت كل يوم أكرر لنفسي ده كان أحسن قرار لينا.
لحد ما صدقت الكدبة دي.
بعد شهرين، رحت مستشفى سانت فينسنت أزور صاحبي بعد عملية. وأنا ماشي في قسم القلب، لفت نظري ست رفيعة قاعدة جنب الشباك في آخر الطرقة، لابسة لبس المستشفى، وجنبها حامل المحلول.
لما لفت وشها ناحية النور... جسمي كله اتجمد.
كانت صوفي.
بس دي ماكنتش صوفي اللي أعرفها.
شعرها الجميل اتحلق تقريبًا، وشها بقى شاحب، وعنيها غرقانة في السواد والتعب. كانت قاعدة لوحدها تمامًا، كأن الدنيا كلها نسيتها.
حسيت بالذنب خبطني بقوة لدرجة إني مسكت في الحيطة عشان ما أقعش.
إيه اللي جابها هنا؟ وليه محدش بلغني؟
افتكرت كل مكالمة تجاهلتها بعد الطلاق، وكل مرة قلت لنفسي إن حياتها مبقتش تخصني.
رجلي اتحركت ناحيتها من غير ما أفكر.
ومع كل خطوة، كنت بحس بحقيقة مرة...
أنا ما أنقذتش صوفي من وجعنا...
أنا سبتها تواجهه لوحدها.
ولما بقيت قريب منها، رفعت راسها ببطء وبصتلي.
عرفتني.
لكن اللي كان في عينيها ماكنش غضب...
كان حزن عميق لدرجة خلتني أتمنى لو كانت بتكرهني.
لاحظت إنها ماسكة سوار المستشفى في إيدها، وتحته سوار تاني مطبق.
وبعدين قالت بصوت بيرتعش، الجملة اللي قلبت حياتي كلها
إيثان... بعد ما مشيت، الدكاترة اكتشفوا حاجة... والموضوع مش متعلق بيا لوحدي.
نفسي اتقطع.
حطت إيدها على بطنها، ومدت إيديها تجيب ظرف مقفول كان جنبها.
وقتها افتكرت
إنها حاولت تتواصل معايا أكتر من مرة...
وأنا تجاهلت كل مكالماتها، فاكر إن البعد هيسهل الطلاق.
يا ترى إيه السر اللي كانت صوفي شايله لوحدها... وأنا كنت فاكر إني خرجت من حياتها للأبد؟
... إيدي كانت بتترعش وأنا باخد الظرف منها.
بصيت لها، وبعدين بصيت للظرف تاني.
قلت بصوت مبحوح إيه ده يا صوفي؟
هزت راسها بتعب، وقالت افتحه... بس أوعدني تسمعني للآخر، ومتقاطعنيش.
فتحت الظرف بسرعة.
كان جواه مجموعة تحاليل وتقارير طبية، كلها مختومة من المستشفى.
عيني وقعت على اسمي في أول صفحة.
استغربت.
اسمي؟
صوفي خدت نفس طويل، وقالت فاكر قبل الطلاق بشهر لما الدكتورة طلبت مننا نعمل فحوصات إحنا الاتنين بعد الإجهاض التاني؟
افتكرت.
وقتها كنت مشغول جدًا في الشغل، وروحت عملت التحاليل على السريع، وسيبتها هي تكمل باقي المواعيد.
ولما حصلت الخناقة الكبيرة بعدها بأيام... نسيت الموضوع كله.
قلبت أول ورقة.
وبعدين التانية.
لكن المصطلحات الطبية كانت معقدة.
رفعت عيني لها بسرعة.
أنا مش فاهم.
ابتسمت ابتسامة حزينة وقالت وأنا لما قريتها أول مرة... ما فهمتش برضه.
سكتت لحظة، وكأنها بتحارب دموعها.
الدكتور طلب يقابلنا إحنا الاتنين... قال مينفعش يشرح النتيجة لواحد فينا لوحده.
بلعت ريقي.
وإنتِ؟
قالت حاولت أكلمك.
ونزلت بعينها للأرض.
مرة...
واتنين...
وخمسة...
وبعدين بطلت.
الكلمات كانت بتنزل عليا زي الطوب.
افتكرت فعلًا.
أرقامها كانت بتظهر على شاشة موبايلي.
وكل مرة كنت ببص للاسم، وأضغط رفض.
كنت مقتنع إن أي كلام بينا هيخليني أرجع لنقطة البداية.
فضلت ساكت.
قالت بهدوء حتى الرسالة اللي بعتها... معرفش قريتها ولا لأ.
طلعت موبايلي بسرعة.
فتحت الرسائل القديمة.
بدأت أنزل لتحت.
لحد ما لقيت رسالة منها، مفتحتهاش من يوم اتبعتت.
تاريخها...
بعد الطلاق بأسبوعين.
فتحتها.
كان مكتوب فيها
إيثان... أرجوك، الموضوع مهم
جدًا. مش بطلب منك ترجع... بس لازم نتقابل. في حاجة لازم تعرفها.
حسيت إن صدري اتقبض.
إزاي تجاهلتها؟
إزاي أقنعت نفسي إنها أكيد بتدور على فرصة نرجع؟
قفلت الموبايل وأنا مش قادر أبص في وشها.
قلت بصوت مكسور أنا آسف.
هزت راسها.
الاعتذار مش هيغير اللي حصل.
وفجأة، جه ممرض وقف قدامنا.
ابتسم لها وقال الدكتور هيكون جاهز بعد خمس دقايق.
بصت له وهزت راسها.
أول ما الممرض مشي، سألتها إنتِ هنا من إمتى؟
قالت بقالى أسبوع.
أسبوع؟!
آه.
ولوحدك؟
ابتسمت ابتسامة باهتة.
الوحدة بقت حاجة اتعودت عليها.
الكلمة دي وجعتني أكتر من أي اتهام.
بصيت حواليها.
مفيش ورد.
مفيش شنطة فيها هدوم كتير.
مفيش حد مستنيها.
حتى كرسي الزوار اللي جنبها كان فاضي.
قلت أهلك؟
قالت بهدوء ماما تعبانة، ومش قادرة تيجي كل يوم.
وأصحابك؟
ردت كل واحد عنده حياته.
سكتت شوية، وبعدين قالت
وأنت... كنت أكتر شخص كنت محتاجاه.
ماعرفتش أرد.
في اللحظة دي، باب غرفة الكشف اتفتح.
وخرج نفس الدكتور اللي اسمه مكتوب على التقارير.
بص علينا إحنا الاتنين، واستغرب.
قال وهو بيقرب الحمد لله... أخيرًا حضرت.
بصيت له باستغراب.
حضرت؟
قال وهو بيبص للتقارير اللي في إيدي كنا مستنيين وجودك من زمان.
قلبي بدأ يدق بعنف.
الدكتور أخد الملف من إيدي، وقلب فيه بسرعة.
وبعدين رفع عينه ناحيتي وقال بنبرة جادة
قبل ما أشرح أي حاجة... محتاج أسألك سؤال واحد.
سكت لحظة...
وقال
إيثان... إنت متأكد إنك عارف كل اللي حصل قبل الطلاق؟الدنيا سكتت حواليّا.
بصيت للدكتور، وبعدها بصيت لصوفي.
كانت مغمضة عينيها، كأنها عارفة إن السؤال ده هيقلب كل حاجة.
قلت بتوتر يعني إيه؟
الدكتور شاور ناحية مكتبه.
اتفضلوا جوه.
دخلنا الأوضة.
أنا قعدت على أول كرسي قابلني، وصوفي قعدت بهدوء وهي بتحاول تخبي رعشة إيديها.
الدكتور فتح الملف، وطلع منه أكتر من تقرير.
قال أنا هتكلم ببساطة.

هزيت راسي.
قال بعد آخر مرة شوفناكم فيها، كنا طلبنا شوية فحوصات إضافية، لأن سبب فقدان الحمل مرتين متتاليتين ماكانش واضح.
بصيت لصوفي.
كانت
تم نسخ الرابط