معلشى يا سلوى ياحبيتى

لمحة نيوز

بسرعة، ولما وصلا، وجدا عباس في غرفة العناية بعد إصابته بجلطة خفيفة.
دخلت سلوى إليه وهي تبكي
متخضنيش عليك يا بابا.
ابتسم عباس بصعوبة، وأشار إليها أن تقترب.
قال بصوت متقطع
افتحي... درج المكتب... فيه ظرف... ليكي.
استغربت، لكنها هزت رأسها موافقة.
...
بعد أن استقرت حالته، عادت إلى البيت القديم، وفتحت درج المكتب كما أوصاها.
وجدت ظرفًا كبيرًا مكتوبًا عليه بخط والدها
إلى بنتي سلوى... لو بتقري الجواب ده، يبقى أنا حسيت إن العمر مبقاش مضمون.
جلست وهي ترتجف، وبدأت تقرأ.
يا بنتي... عارف إن كلمة آسف متأخرة، لكني حاولت أصلح اللي أقدر عليه. فيه حاجة عمري ما قلتها لحد، حتى ليكي. أمك قبل ما تموت كانت باعت دهبها كله، وحطت الفلوس في قطعة أرض صغيرة باسمك. وأنا، بضعفي، خبيت الحقيقة سنين خوفًا من المشاكل. الأرض دي النهارده بقت تساوي ملايين. أوراقها كلها في الملف اللي مع الجواب. دي حقك... وحق أمك.
شهقت سلوى وهي تنظر إلى الملف.
كانت كل الأوراق رسمية، والأرض بالفعل مسجلة باسمها منذ سنوات طويلة.
في تلك اللحظة، دخل سليم الغرفة، فرآها تبكي.
سألها
مالك؟
ناولته الخطاب.
قرأه، وقال
أبوكي أخطأ... لكنه قبل ما يمشي حب يرجعلك حقك.
أغلقت
سلوى الملف، وقالت بحزم
أول حاجة هعملها... هبني على الأرض دي مستشفى خيري باسم أمي.
ابتسم سليم بفخر وقال
وده اللي يليق ببنت زيك.
وفي المستشفى، كان عباس لا يعلم أن قراره الأخير سيجعل اسم زوجته الراحلة يبقى حيًا، وأن ابنته التي ظلمها يومًا ستجعل من حقها وسيلة لخير آلاف المحتاجين.
يتبع...بعد عامين، افتُتح المستشفى الخيري وسط حضور كبير من أهل المدينة.
عُلِّقت على المدخل لافتة كبيرة كُتب عليها
مستشفى الحاجة فاطمة الخيري
صدقة جارية على روحها، بإنشاء ابنتها سلوى وزوجها سليم.
وقف عباس على كرسي متحرك، بعدما أقعده المرض، ينظر إلى اسم زوجته الراحلة، وانهمرت دموعه.
همس وهو يبكي
سامحيني يا أم سلوى... اتأخرت أوي.
أمسكت سلوى بيده وقالت
أمي أكيد فرحانة دلوقتي.
وبينما كان الجميع يحتفل بالافتتاح، دخل رجل مسن يحمل حقيبة جلدية قديمة.
تقدم نحو سلوى وقال
حضرتك بنت المرحومة فاطمة؟
أجابت باستغراب
أيوه... حضرتك تعرفيها؟
قال
أنا المحامي اللي كان ماسك أملاك والدتك زمان... وفضلت أدور عليكم سنين.
أخرج من الحقيبة ملفًا أصفر قديمًا، ووضعه أمامها.
والدتك كانت شريكة في قطعة أرض تانية، لكن الشريك اختفى وقتها، والملف اتقفل. من شهر المحكمة
أصدرت حكم نهائي برجوع حق الورثة.
فتح سليم الملف بسرعة، واتسعت عيناه.
يا سلوى... الأرض دي بقت في قلب المدينة!
نظر المحامي إليهما وقال
قيمتها النهارده تتجاوز مئات الملايين.
ساد الصمت.
ابتسمت سلوى في هدوء، ثم أغلقت الملف وقالت
الحمد لله... بس الفلوس دي مش هتغيرنا.
سألها سليم
ناوية تعملي بيها إيه؟
ابتسمت وقالت
هنبني مستشفى تاني... ودار أيتام... ومنحة تعليم لكل بنت اتحرمت من الدراسة زي ما أنا اتحرمت.
نظر إليها عباس بفخر، وقال
دلوقتي بس عرفت... إن الغنى الحقيقي مش في الفلوس، الغنى الحقيقي في القلب.
صفق الحاضرون بحرارة، سليم زوجته وهمس في أذنها
أول مرة شوفتك فيها كنتِ لابسة عباية قديمة، وواقفة مرعوبة بسبب جردل وقع على رجلي... ولا عمري تخيلت إن البنت دي هتبقى أعظم إنسانة قابلتها في حياتي.
ابتسمت سلوى والدموع تلمع في عينيها، وقالت
وربنا عوضني بيك عن كل وجع شوفته.
وهكذا، تحولت أيام القهر إلى حياة مليئة بالخير، وأصبح اسم سلوى مثالًا لكل فتاة صبرت، فكان عوض الله لها أكبر مما تخيلت.
النهاية الحقيقية. النهاية
مرت السنوات، وكبر أبناء سليم وسلوى وسط بيت ملأه الحب والاحترام، بعد أن كان الظلم يملأ أركانه يومًا.
رحل
عباس عن الدنيا بعد عمر طويل، لكنه رحل وقلبه مطمئن، بعدما رأى ابنته سعيدة، وطلب منها الصفح قبل وفاته. أوصى أن يُدفن بجوار زوجته الأولى، أم سلوى، وأن يُكتب على قبره
اللهم اغفر لي تقصيري في حق ابنتي.
بكت سلوى كثيرًا، لكنها قالت وهي تدعو له
ربنا يرحمك يا بابا... أنا مسامحاك من قلبي.
أما زوجة أبيها، فقد عاشت بقية عمرها وحدها، بعدما ابتعد عنها الجميع، وأدركت متأخرة أن الظلم لا يدوم، وأن من يزرع القسوة لا يحصد إلا الندم.
واصلت سلوى وسليم أعمال الخير، وكبر المستشفى الخيري حتى صار مقصدًا للفقراء من كل مكان، وأنشآ صندوقًا لتعليم البنات غير القادرات، وكانت سلوى تقول دائمًا
البنت اللي تتعلم، عمرها ما هتنكسر.
وفي إحدى الأمسيات، جلس سليم مع سلوى في شرفة منزلهما، يتأملان غروب الشمس، فقال لها مبتسمًا
فاكرة أول مرة شفتك؟
ضحكت وهي تهز رأسها
يوم ما وقعت الجردل على رجلك؟
ضحك وقال
أيوه... يومها افتكرت إنك هتكسريني، لكن طلعتي أصلحتي قلبي.
أسندت رأسها على كتفه وقالت
وربنا بعتك ليا عشان يعوضني عن كل يوم بكيت فيه.
أمسك يدها وقال
ويمكن ربنا خلّى الجردل يقع... عشان حياتنا تقوم.
ارتفعت ضحكاتهما مع ضحكات أولادهما التي ملأت الحديقة،
وأدركا أن كل ألم مرّا به كان بداية لطريق قادهما إلى السعادة.
تمت بحمد الله.

تم نسخ الرابط