معلشى يا سلوى ياحبيتى
المحتويات
نحو زوجته وصاح لأول مرة منذ سنوات
يعني وصل بيكي الحال تزوري تقارير طبية عشان تحرمي البنت من جوازها؟!
حاولت التهرب وهي تقول
أنا... أنا كنت خايفة على هدى.
لكن هدى نفسها وقفت فجأة وقالت بصوت مرتعش
لا يا ماما... كفاية كدب.
نظر الجميع إليها في دهشة.
مسحت دموعها وقالت
أنا من زمان وأنا شايفة الظلم اللي بيحصل لسلوى، وسكت... كنت فاكرة إن السكوت هيخليني أكسب، لكنه خلاني أخسر نفسي.
ثم التفتت إلى سلوى، واقتربت منها لأول مرة منذ سنوات، وأمسكت يدها.
سامحيني... أنا كنت ضعيفة، وسيبتك تشيلي شغل البيت كله وأنا بتفرج.
انفجرت سلوى في البكاء، ولم تستطع أن تسحب يدها، فقد كانت تلك أول مرة تسمع فيها اعتذارًا صادقًا.
أما عباس، فاتجه نحو ابنته، وخفض رأسه في خجل.
سامحيني يا بنتي... أنا ظلمتك، وصدقت كل كلمة اتقالت عنك، وسيبتك تعيشي خدامة في بيتك.
رفعت سلوى عينيها إليه، وقالت بصوت مخنوق
كان نفسي من زمان أسمع منك الكلمة دي يا بابا.
تأثر سليم بالمشهد، ثم قال بهدوء
اللي فات مينفعش يرجع... لكن اللي جاي يقدر يتصلح.
ابتسم والد سليم وقال
إذا وافقت سلوى... إحنا يشرفنا تكون بنتنا.
نظر الجميع إلى سلوى، التي ساد الصمت حولها لثوانٍ.
ثم قالت وهي تمسح دموعها
أوافق... بس بشرط.
سألها سليم مبتسمًا
إيه هو؟
قالت بثبات
أكمل تعليمي... وأعيش مكرمة، مش خدامة عند حد.
ابتسم سليم وقال دون تردد
ده حقي أنا قبل ما يكون حقك.
بعد ثلاثة أشهر، احتفل الجميع بزفاف سليم وسلوى في حفل بسيط مليء بالفرحة.
وعادت سلوى إلى مقاعد الدراسة، حتى حصلت على شهادتها، بينما كان سليم يساندها في كل خطوة.
أما عباس، فقد حاول طوال ما تبقى من عمره أن يعوض ابنته عن سنوات القهر، وأصبح يعاملها بما تستحقه من حب واحترام.
وأدركت
تمت بما أن القصة انتهت بالفعل بنهاية مكتملة اعتراف بالظلم، زواج سليم وسلوى، وإصلاح ما حدث، فأي تكملة ستكون جزءًا جديدًا من حياتهما.
فصل جديد بعد الزواج
بعد سنة من زواجهما، كانت سلوى قد أنهت أول سنة في الجامعة بتفوق، بينما كان سليم لا يفوت محاضرة مهمة إلا ويوصلها بنفسه.
وفي أحد الأيام، دخلت سلوى بيت والدها لأول مرة بعد زواجها، لكن هذه المرة لم تدخل وهي تحمل صينية أو تنظف أو تطعم الطيور، بل دخلت ضيفة عزيزة.
وقف عباس يستقبلها عند الباب، وقال بابتسامة
البيت نور يا بنتي.
ابتسمت سلوى وهي تقبّل يده
ربنا يخليك ليا يا بابا.
في تلك اللحظة، خرجت زوجة أبيها بخطوات مترددة، وقد تغيرت ملامحها كثيرًا بعد المرض الذي أصابها.
وقفت أمام سلوى وقالت بصوت مكسور
عارفة إن كلمة آسفة قليلة... لكن سامحيني.
نظرت إليها سلوى طويلًا، ثم قالت بهدوء
اللي حصل عمره ما هيتنسي... لكني مش هعيش بكره في قلبي.
وانحنت تقبل رأسها احترامًا لكبر سنها، ثم غادرت الموقف.
بعد أشهر قليلة، زفت سلوى خبرًا أسعد الجميع.
كانت حاملًا في طفلها الأول.
بكى عباس من شدة الفرح وهو يردد
الحمد لله... ربنا عوض صبرك خير يا بنتي.
أما سليم، فظل يمسك يدها في كل زيارة للطبيب، ويعاملها بنفس الحنان الذي أحبها من أجله يوم رآها على السلم، بعباءتها البسيطة وشعرها المبعثر، حين سقط الجردل على قدمه، وكانت تلك الصدفة بداية أجمل قصة في حياتهما.
النهاية السعيدة. بعد خمس سنوات...
كان بيت سليم يمتلئ بالضحكات. طفلان صغيران يركضان في كل مكان، وسلوى تقف في المطبخ تجهز الغداء، بينما كانت ترتدي بالطو الأبيض فوق ملابسها.
ضحك سليم وهو ينظر إليها وقال
يا دكتورة.
ابتسمت وهي ترفع حاجبها
والعيانين مالهمش ذنب.
فقد أصرت سلوى بعد زواجها أن تحقق حلمها، وأكملت تعليمها حتى تخرجت في كلية التمريض، وأصبحت من أشهر الممرضات في المستشفى، يشهد لها الجميع بالأخلاق قبل الكفاءة.
في ذلك اليوم، رن هاتفها.
كان المتصل والدها عباس.
ردت بسرعة
خير يا بابا؟
جاءها صوته متعبًا
أنا في المستشفى يا بنتي... تعبان شوية.
لم تتأخر لحظة.
وصلت هي وسليم، لتجده ممددًا على السرير، وقد بدا عليه الضعف الذي لم تره فيه من قبل.
جلس عباس ينظر إليها طويلًا، ثم قال بصوت خافت
فاكرة يوم ما خليتك تطلعي تنشري السجادة وتطعمي الطيور؟
ابتسمت سلوى بحزن
فاكرة.
نزلت دمعة من عينيه.
اليوم ده كان أسوأ يوم في حياتي... لأني اكتشفت متأخر إني كنت بخسر أغلى بنت عندي.
أمسكت يده وقالت
خلاص يا بابا... اللي فات مات.
ابتسم وهو يربت على يدها
ربنا يرضى عنك... إنتِ أكرم مني.
بعد أيام خرج عباس من المستشفى بصحة أفضل، وقرر أن يكتب نصف أملاكه باسم سلوى، ليس لأنها طلبت، بل لأنه شعر أن هذا أقل حق لها بعد سنوات الحرمان.
لكنها عندما علمت، قالت له
أنا مش عايزة فلوس ولا بيوت... يكفيني إنك بقيت تناديني يا بنتي من قلبك.
عباس وسط دموع الجميع، بينما وقف سليم ينظر إلى زوجته بفخر، وتذكر أول مرة رآها فيها، وهي تركض مذعورة لتطمئن على رجله بعد أن سقط عليها الجردل.
ابتسم في نفسه وقال
سبحان من جعل المصيبة... أجمل بداية في العمر كله.
تمت بحمد الله. بعد مرور عشر سنوات...
وقف عباس في شرفة البيت القديم، يتأمل السطح الذي شهد بداية كل شيء. نفس السطح الذي صعدت إليه سلوى يومًا تحمل سجادة ثقيلة وجسدًا منهكًا، وهي لا تعلم أن الله يخبئ لها رزقها فوق كل هذا التعب.
سمع
التفت، فوجد حفيديه، آدم وليان، يركضان في فناء البيت، بينما كانت سلوى تضحك خلفهما، وسليم يساعدها في حمل الحقائب.
ابتسم عباس وقال
البيت رجع فيه الروح.
اقترب منه سليم وربت على كتفه
الفضل لله... ثم لدعواتك.
هز عباس رأسه وقال بحزن
لا يا ابني... الفضل لصبر سلوى. لو كانت قست قلبها عليا، كان زماني مت لوحدي.
في تلك اللحظة، خرجت زوجته السابقة من الغرفة، تحمل حقيبة صغيرة.
فقد كانت قد طلبت الطلاق منذ سنوات بعد أن انكشف كل ما فعلته، وعاشت بعيدًا عنهم، ثم عادت اليوم فقط لتطلب السماح قبل أن تسافر للإقامة مع ابنها.
وقفت أمام سلوى والدموع في عينيها.
أنا جاية أطلب منك آخر طلب... سامحيني.
نظرت إليها سلوى طويلًا، ثم قالت
أنا سامحتك من زمان... عشان أعيش مرتاحة.
انفجرت المرأة في البكاء، وهي تدرك أن الفتاة التي ظلمتها سنوات، كانت أرحم منها.
وبينما كان الجميع يجلس حول مائدة الغداء، رفع عباس كوب العصير وقال مبتسمًا
عارفين إيه أغرب حاجة حصلت في حياتي؟
ضحك الأطفال وقالوا
إيه يا جدو؟
قال وهو ينظر إلى سليم
إن جردل بلاستيك وقع على رجل عريس... فجمع بينه وبين أجمل بنت في الدنيا.
تعالت الضحكات في البيت، بينما نظرت سلوى إلى سليم بخجل، فقال لها وهو يبتسم
لولا الجردل ده... كان زماني ضيعت عمري كله.
ابتسمت وهي ترد
ولولا رحمة ربنا... ما كانش كل ده حصل.
وانتهت الحكاية، لتبقى شاهدًا على أن الله قد يؤخر الفرج، لكنه لا ينسى قلوبًا صبرت، ولا دموعًا نزلت ظلمًا، وأن أجمل الأقدار قد تبدأ من لحظة ظنناها مصيبة. النهاية بعد عدة أشهر...
كانت الحياة تمضي بهدوء في بيت سليم وسلوى، حتى جاء صباح قلب كل شيء.
رن هاتف سليم مبكرًا، وما إن رد حتى تغير لون وجهه.
سألته سلوى
خير يا سليم... حصل إيه؟
أجابها وهو يلتقط مفاتيح سيارته
أبوكي وقع في البيت، والجيران نقلوه المستشفى.
انطلقا
متابعة القراءة