معلشى يا سلوى ياحبيتى

لمحة نيوز

سريعًا وبدلت عباءتها بأخرى نظيفة، لكن آثار التعب ما زالت واضحة على ملامحها.
ما إن رفعت عينيها حتى اصطدمت بعيني سليم.
اتسعت عيناها بدهشة وهمست في نفسها
يا نهار أبيض... ده هو!
أما سليم فابتسم دون أن يشعر، وكأن الصالون كله اختفى ولم يبقَ فيه سوى تلك الفتاة.
لاحظت هدى نظراته، فتغير لون وجهها، بينما تبادلت والدتها وعباس نظرات القلق.
اقتربت سلوى لتقدم العصير، لكنها كانت مرتبكة، فاهتزت الصينية قليلًا.
مد سليم يده بسرعة وأمسكها قبل أن تقع، وقال مبتسمًا
المرة دي أنقذنا العصير... كفاية الجردل اللي خدته من شوية.
احمر وجه سلوى خجلًا، وتمتمت
أنا آسفة.
ابتسم وهو يجيب
متعتذريش... بالعكس، يمكن الجردل ده كان أحسن حاجة حصلتلي النهارده.
ساد الصمت في المكان، بينما بدأت الشكوك تتسلل إلى قلوب الجميع... فقد أدركوا أن سليم لا ينظر إلى العروس التي جاء من أجلها، بل إلى الفتاة التي كانت تخدم الجميع في صمت.
يتبع...ساد الصمت لثوانٍ، لكن ذلك الصمت كان كافيًا ليكشف ما حاول الجميع إخفاءه.
لاحظت والدة سليم نظرات ابنها، فحولت بصرها نحو سلوى، ثم إلى هدى، وكأنها تقارن بين الاثنتين. لم تكن سلوى الأكثر أناقة، لكنها كانت الأكثر صدقًا وحياءً.
أما زوجة عباس، فقد انتبهت هي الأخرى، فسحبت الصينية بسرعة من يد سلوى وقالت بحدة وهي تحاول أن تبدو مبتسمة أمام الضيوف
خلاص يا بنت... روحي كملي شغلك في المطبخ.
أومأت سلوى برأسها وانسحبت في هدوء، بينما كانت دموع القهر تحرق عينيها. فقد اعتادت أن تكون هي من تتعب، وغيرُها يحصد الثناء.
بعد دقائق، طلب والد سليم أن يجلس مع ابنه دقائق على انفراد.
خرج الاثنان إلى الشرفة.
سأله والده مباشرة
إيه رأيك في البنت؟
أجاب سليم دون تردد
عجبتني جدًا.
ابتسم الأب وقال
الحمد لله.
.. يبقى نقرأ الفاتحة؟
لكن سليم فاجأه بقوله
بس مش هدى.
تجمد الأب مكانه.
أومال مين؟
نظر إليه سليم بثبات وقال
سلوى... البنت اللي كانت فوق السطح.
ظل الأب ينظر إليه غير مصدق.
يا ابني... إحنا جايين لهدى، وأهل البيت كلهم بيقولوا إنها العروسة.
قال سليم بهدوء
يمكن دي العروسة اللي اختاروها هما... لكن البنت اللي شفت فيها الأصل والتربية والطيبة هي سلوى.
في الداخل، كانت زوجة عباس قد اقتربت من عباس وهمست بانزعاج
أنا مش مطمنة... ابن الناس ده من ساعة ما شاف سلوى وهو عينه عليها.
قطب عباس حاجبيه وقال
مستحيل... سلوى دي ملهاش دعوة بالموضوع أصلًا.
لكن كلماتها جعلته يخرج إلى الشرفة ليستطلع الأمر.
وما إن اقترب، حتى سمع سليم يقول لوالده بوضوح
لو الجوازة مش من سلوى... يبقى أنا أعتذر من دلوقتي.
تسمرت قدما عباس في مكانهما، وشعر أن مفاجأة لم تكن في حسبانه على وشك أن تقلب البيت كله رأسًا على عقب... خاصة أن هناك سرًا كبيرًا يخص سلوى، أخفاه عنها وعن الجميع منذ سنوات، وكان يخشى أن ينكشف في أي لحظة.
يتبع...وقف عباس مكانه مذهولًا، وشعر بأن الأرض تميد تحت قدميه. لم يكن يتوقع أبدًا أن يطلب سليم سلوى، الفتاة التي تعمد هو وزوجته أن تبقى دائمًا في الظل.
تنحنح عباس وهو يدخل الشرفة متصنعًا الابتسامة
خير يا جماعة؟ في حاجة؟
نظر إليه والد سليم باحترام وقال
الحقيقة يا أستاذ عباس... ابني له رأي تاني.
رفع عباس حاجبيه باستغراب
رأي إيه؟
أخذ سليم نفسًا عميقًا وقال بثبات
أنا مقدرش أخدع نفسي. حضرتك سامحني، بس البنت اللي ارتاحت لها نفسي هي سلوى... ولو فيه نصيب، أنا بطلب إيدها.
ساد صمت ثقيل.
وفي الداخل، كانت زوجة عباس قد اقتربت من الباب تسمع الحديث، وما إن سمعت اسم سلوى حتى شهقت وهي تضع يدها على صدرها.
دخلت
وهي تصيح
إيه الكلام ده؟! سلوى مين؟! دي خدامة البيت!
وقبل أن ترد، دوى صوت قوي من آخر الممر
كدب!
التفت الجميع، فإذا بسلوى تقف عند الباب وقد شحب وجهها، بينما خلفها امرأة مسنة كانت قد دخلت للتو، تستند إلى عصا خشبية.
نظر عباس إليها بصدمة وهمس
خالتي أمينة!
قالت العجوز وهي تنظر إليه بعتاب
أيوه... جيت في الوقت المناسب قبل ما تظلم البنت أكتر من كده.
ارتبك عباس، بينما سألت والدة سليم
حضرتك تقصدي إيه؟
تنهدت أمينة وقالت
سلوى بعد ما أمها ماتت، أبوها وعدها إنه هيعتبرها أغلى من عينيه... لكن بعد ما اتجوز، مراته قلبت حياته، ومن يومها والبنت دي بقت شايلة البيت كله، واتحرمت من تعليمها ومن أبسط حقوقها.
انخفض رأس عباس خجلًا، ولم يجد كلمة يدافع بها عن نفسه.
أما سليم، فاقترب من سلوى وقال أمام الجميع
أنا مش طالب جمال ولا فلوس... أنا طالب بنت قلبها نضيف، ودي شفتها بعيني.
انهمرت دموع سلوى لأول مرة، ليس من القهر... بل لأن هناك من رآها أخيرًا كما هي، لا كما أراد الآخرون أن تبدو.
لكن زوجة عباس لم تكن مستعدة للاستسلام، وقالت بغل وحقد
الجوازة دي مش هتتم... ولو على جثتي!
نظر إليها عباس طويلًا، ثم قال لأول مرة منذ سنوات بصوت حاسم
لأ... المرة دي القرار قراري أنا... وكفاية ظلم لسلوى.
ساد الصمت في البيت، بينما أدرك الجميع أن صفحة جديدة بدأت... وأن سنوات القهر قد اقتربت من نهايتها، لكن زوجة عباس كانت تخفي في قلبها خطة أخيرة، قد تقلب كل شيء إذا نجحت في تلك الليلة، انصرف الضيوف على وعد بالرد خلال أيام، لكن أحدًا لم ينم في بيت عباس.
كانت زوجته تدور في غرفتها كالمجنونة، وهي تتمتم
بعد كل اللي عملته... البنت دي تاخد العريس؟ مستحيل!
وفي الصباح، استدعت ابنتها هدى وقالت لها
اسمعي اللي هقولك عليه
بالحرف... سليم لازم يكره سلوى.
ترددت هدى قليلًا
بس يا ماما...
قاطعتها أمها بعصبية
مفيش بس!
...
في الناحية الأخرى، كان سليم لا يفكر إلا في سلوى.
قالت له والدته
يا ابني... أنت شوفتها دقائق بس.
ابتسم وقال
الدقايق دي وريّتني اللي غيرها مقدرش يوريه في سنين. بنت شايلة بيت كامل، واتكسفت تعبانة قدامنا، وأول همها كان تطمن على رجلي بعد اللي حصل.
ابتسم والده وربت على كتفه
طالما مقتنع... أنا معاك.
...
بعد يومين، عاد سليم مع والديه ليطلب يد سلوى رسميًا.
استقبلهم عباس هذه المرة بترحاب، لكنه كان متوترًا.
وقبل أن يبدأ الكلام، خرجت زوجته فجأة وهي تمسك بظرف.
قالت وهي تبتسم ابتسامة خبيثة
قبل أي كلام... لازم العريس يشوف الحقيقة.
فتحت الظرف وأخرجت مجموعة أوراق وصور.
وضعتها أمام سليم وهي تقول
دي تقارير طبية لسلوى... البنت عندها مشكلة صحية، والدكاترة قالوا يمكن متخلفش.
شهقت سلوى وهي تهز رأسها بعنف
دي كدب... أنا عمري ما كشفت أصلًا!
نظر سليم إلى الأوراق، ثم قلبها بهدوء.
وفجأة، ابتسم.
رفع إحدى الورقات وقال
غريبة...
سأل عباس بقلق
غريبة إزاي؟
أجاب سليم وهو يشير إلى الورقة
لأن الختم ده... مزور.
تغير لون وجه زوجة عباس.
وأكمل سليم
وأنا عارف لأنه نفس ختم المستشفى اللي شركتنا متعاقدة معاها، والختم القديم اتلغى من سنة كاملة.
ساد الصمت.
ثم وقف سليم ونظر مباشرة إلى زوجة عباس وقال
يعني حضرتك زورتي أوراق علشان تبوظي مستقبل بنت ملهاش ذنب؟
ارتبكت المرأة، ولم تجد ما تقوله، بينما كانت هدى تنظر إلى أمها بصدمة... فقد أدركت أن الأمر خرج عن كل الحدود.
أما عباس، فشعر للمرة الأولى بحجم الجريمة التي ارتُكبت في حق ابنته، ونظر إلى سلوى بعينين امتلأتا بالندم، وهو يعلم أن الاعتذار وحده لن يمحو سنوات القهر
التي عاشتها ارتجفت يد عباس وهو ينظر إلى الأوراق، ثم انتزعها من يد سليم بعنف، وأخذ يقلبها واحدة تلو الأخرى.
رفع رأسه
تم نسخ الرابط