سابني حامل حكايات زيزي
المحتويات
الوقت جه.
بدأت أفك الختم ببطء.
وفي اللحظة التي انفتح فيها الظرف...
انزلقت منه صورة قديمة، ورسالة مكتوبة بخط اليد...
وما إن وقعت عين بريت على الصورة، حتى تراجع خطوة للخلف وهمس لنفسه
مستحيل... دي لسه موجودة انحنيت بهدوء، والتقطت الصورة قبل أن يراها أحد.
لكن بريت كان قد لمحها.
ارتجفت شفتاه وقال
منين... منين جبتيها؟
رفعت الصورة أمامي، ونظرت إليها للحظات.
كانت صورة قديمة التقطناها بعد زواجنا بأيام.
كنا واقفين قدام الكوخ نفسه... نبتسم، وفي الخلفية كانت شجرة كبيرة زرعناها معًا.
خلف الصورة...
كانت هناك جملة بخط بريت.
قرأت بصوت مسموع
مهما حصل... عمري ما هسيبك لوحدك.
ساد صمت عميق في القاعة.
أحد الصحفيين قال
دي كتابته؟
مددت الصورة نحوه.
نظر إليها ثم قال
واضح جدًا إنها مكتوبة بخط واحد.
أغلقت الصورة، وأخرجت الرسالة التي كانت داخل الظرف.
كانت مطوية بعناية، وكأن أحدًا أراد أن تبقى محفوظة لسنوات.
فتحتها ببطء.
قبل أن أقرأها...
قال بريت بصوت مرتعش
لو سمحتي... بلاش.
نظرت إليه.
لأول مرة منذ بدأت الليلة، كان الخوف ظاهرًا في عينيه أكثر من أي وقت مضى.
قلت
الغريب... إنك مش خايف من اللي حصل.
ثم رفعت الرسالة.
إنت خايف من اللي كتبته بإيدك.
اقتربت إلينور، أم بريت، وهي تمسح دموعها.
قالت
ناتالي... أرجوكي.
سألتها
أرجوكي على إيه؟
لم تجد إجابة.
رجعت أنظر إلى الرسالة.
كانت أول سطر فيها يقول
إذا وصلت الرسالة دي ليكي... يبقى فيه حاجة حصلت وأنا مقدرتش أشرحها.
تبادل الحضور النظرات.
أما بريت...
فأغلق عينيه للحظة، وكأنه يعرف كل كلمة مكتوبة فيها.
قلبت الصفحة إلى السطر التالي...
لكن قبل أن أقرأه بصوت مرتفع، لاحظ قائد فريق الإنقاذ شيئًا غريبًا.
أخذ الرسالة من يدي برفق، وقربها من ضوء المسرح.
ثم قال باستغراب
استنوا...
كل الموجودين بصوا عليه.
أشار إلى أسفل الورقة وقال
فيه كتابة تانية... كانت مختفية.
اقترب الجميع.
كانت كلمات باهتة، لا تظهر إلا تحت الإضاءة القوية.
قرأ قائد الفريق أول سطر منها...
ثم توقف فجأة، ورفع رأسه ناحيتي، بينما بدت الصدمة على وجهه، وقال
واضح إن الرسالة دي... فيها جزء ما كانش أي حد يعرف بوجوده اقترب قائد فريق الإنقاذ أكثر من ضوء المسرح، وقلب الرسالة ببطء.
كانت الكتابة الباهتة تظهر حرفًا وراء حرف.
حبس الجميع أنفاسهم.
ثم بدأ يقرأ
إلى من يجد هذه الرسالة... إذا حدث لي شيء، فهذه شهادتي الكاملة عما وقع ليلة الحريق.
ارتفعت همسات الحضور.
نظر بريت إلى الأرض، ولم يجرؤ على رفع عينيه.
واصل قائد الفريق القراءة
خرج بريت بالسيارة وهو يعلم أنني ما زلت داخل المنزل. قال إنه سيعود بعد دقائق، لكن الوقت مر ولم يعد.
سكت لحظة، ثم أكمل
كتبت هذه الكلمات وأنا أسمع صفارات الإنذار تقترب، ولا أعرف إن كنت سأخرج من هنا أم لا.
تقدمت خطوة
أنا كتبت الرسالة دي وأنا مستنية أي حد ينقذني.
كانت القاعة صامتة تمامًا.
أحد الصحفيين سأل
إزاي الرسالة وصلت للظرف؟
أجبت بهدوء
المسعف اللي لقاني جمع كل متعلقاتي وسلمها للمستشفى، ولما خرجت كنت لسه في حالة صعبة، فاتحفظت من غير ما أعرف إنها موجودة.
قائد فريق الإنقاذ أومأ برأسه.
وده السبب إن الظرف فضل مقفول بالشمع الأحمر لحد النهارده.
بريت رفع رأسه أخيرًا وقال بصوت مكسور
أنا... غلطت.
كل الأنظار اتجهت إليه.
لكن قبل أن يكمل كلامه...
انفتح باب القاعة للمرة الأخيرة.
دخل رجل يحمل كاميرا فيديو قديمة، وقال بصوت واضح
واضح إنكم لسه ما شوفتوش أهم دليل.
رفع الكاميرا أمام الجميع.
وأضاف
الكاميرا دي كانت مثبتة على محطة الوقود القريبة من الطريق... والليلة دي سجلت كل عربية عدت من هناك.
تسارعت أنفاس بريت.
أما الرجل...
فأخرج بطاقة الذاكرة من الكاميرا، ووضعها على الطاولة، ثم قال
والتسجيل اللي عليها هيجاوب على سؤال واحد... هل كان عنده فرصة يرجع... ولا لأ؟أخذ قائد فريق الإنقاذ بطاقة الذاكرة، وسلمها لفني الصوت والصورة.
خلال دقائق، ظهرت شاشة كبيرة خلف المسرح.
انحبست أنفاس الجميع.
بدأ التسجيل.
ظهر توقيت الكاميرا في أعلى الشاشة.
الساعة 746 مساءً.
مرت سيارة إسعاف.
ثم شاحنة إطفاء.
ثم... ظهرت سيارة بريت.
أحد الصحفيين قال
دي عربيته.
ثبتت الكاميرا على السيارة وهي تتوقف أمام محطة الوقود.
نزل بريت، واتجه إلى المضخات.
ثم عاد إلى السيارة بعد دقائق.
الجميع كان ينتظر أن يراها تستدير في اتجاه الكوخ.
لكن السيارة تحركت...
واختارت الطريق الآخر.
سادت القاعة حالة من الذهول.
قال قائد فريق الإنقاذ
الطريق المؤدي للكوخ كان على اليمين.
ثم أشار إلى الشاشة.
أما هو... فاتجه يسارًا نحو مركز الإخلاء.
لم يتكلم بريت.
ظل ينظر إلى الشاشة، وكأنه يشاهد الليلة لأول مرة.
انتهى المقطع الأول.
لكن الفني قال
لسه فيه تسجيل تاني.
ضغط على زر التشغيل.
ظهر نفس المكان بعد حوالي خمسين دقيقة.
كانت النيران قد اقتربت أكثر.
ومرت سيارات الإنقاذ تباعًا.
وفجأة...
ظهرت سيارة بريت مرة أخرى.
شهق الجميع.
قال أحد الحضور
رجع!
لكن السيارة لم تتوقف.
مرت أمام الطريق المؤدي للكوخ...
ثم أكملت سيرها دون أن تنحرف نحوه.
أغمضت عيني للحظة.
كنت أعرف أنه لم يرجع.
لكن رؤية الحقيقة أمام الجميع...
كانت أصعب مما توقعت.
أحد الصحفيين التفت إلى بريت وسأله
ليه؟
رفع بريت رأسه ببطء.
كانت عيناه مليئتين بالدموع لأول مرة.
فتح فمه ليجيب...
لكن الكلمات لم تخرج.
وفي تلك اللحظة...
رن هاتف قائد فريق الإنقاذ.
نظر إلى الشاشة، ثم ابتسم ابتسامة صغيرة وقال
واضح إن عندنا شاهد أخير.
سأله مقدم الحفل
مين؟
رد بهدوء
أول مسعف وصل لناتالي ليلة الحريق... وهو في طريقه للقاعة دلوقتي، ومعاه الحاجة الوحيدة اللي
اتفتح باب القاعة بهدوء.
دخل رجل يرتدي زي المسعفين، وعلى صدره بطاقة تعريف قديمة.
أول ما شوفته... عرفته.
هو أول شخص انحنى عليّ وسط الدخان وقال
متخافيش... هنخرجك.
ابتسم لي باحترام، ثم التفت للحضور.
وقال
أنا اسمي دانيال... وكنت قائد فريق الإسعاف اللي استلم الحالة.
قائد فريق الإنقاذ صافحه وقال
كنا مستنيينك.
دانيال رفع حقيبة صغيرة محكمة الإغلاق.
وقال
الحقيبة دي فضلت في مخزن الأدلة الطبية من يوم الحريق.
نظر بريت للحقيبة، ثم أشاح بوجهه.
فتح دانيال الحقيبة بحذر.
وأخرج منها هاتفًا محمولًا، كان غلافه متفحمًا من الأطراف.
قال
ده كان تحت الكرسي اللي لقينا عنده ناتالي.
اتسعت عيناي.
همست
موبايلي...
هز رأسه.
اشتغل بعد ما اتصلح، وقدرنا نستخرج بعض البيانات منه.
بدأ الحضور يهمس.
أوصل دانيال الهاتف بالشاشة الكبيرة.
ظهرت قائمة التسجيلات الصوتية.
كان آخر تسجيل مدته دقيقة وسبع عشرة ثانية.
قال
التسجيل ده اشتغل تلقائيًا بعد آخر مكالمة طوارئ.
ضغط زر التشغيل.
خرج صوت أنفاسي المتقطعة وسط صوت صفارات الإنذار.
ثم سمع الجميع صوتي وأنا أقول
بريت... لو سمعت التسجيل ده... أنا لسه مستنياك.
ساد صمت ثقيل.
ثم أكملت في التسجيل
أنا مصدقة إنك هترجع... عشان وعدتني.
أغمض بريت عينيه.
أما أنا...
فلم أستطع منع دموعي.
واستمر التسجيل.
لو اتأخرت... هفضل مستنياك قدام الباب.
ثم انتهى التسجيل بصوت انهيار شيء داخل الكوخ، وانقطع الصوت تمامًا.
لم يتكلم أحد.
حتى الصحفيون أنزلوا كاميراتهم للحظة.
بريت رفع يده على وجهه.
وقال بصوت مكسور
كنت فاكر... كنت فاكر إنك خرجتي.
لكن دانيال نظر إليه وقال بهدوء
لو كنت فاكر كده فعلًا...
وسكت لحظة.
ثم أخرج من الحقيبة ظرفًا شفافًا صغيرًا.
كان بداخله مفتاح سيارة.
وقال
يبقى تفسر لنا إزاي لقينا مفتاح العربية الاحتياطي جنب ناتالي... وكأنه كان آخر أمل عندها إنها تلاقي وسيلة تخرج بيها.
نظر بريت إلى المفتاح...
وشحب وجهه مرة أخرى.
وفي تلك اللحظة...
اقترب قائد فريق الإنقاذ من الطاولة، ووضع أمام بريت ورقة بيضاء وقلمًا، ثم قال بهدوء
قبل ما يوصل الشاهد الأخير...
أعتقد إن عندك فرصة تقول الحقيقة بنفسك أخذ قائد فريق الإنقاذ الملف من يد المنظم.
كان مختومًا بختم إدارة الإطفاء.
فتح أول صفحة، ثم ساد صمت لثوانٍ وهو يقرأ.
رفع رأسه ببطء وقال
بعد انتهاء الحريق، رجعت فرق الإطفاء للمنطقة علشان تتأكد إن مفيش أي مصدر نار ممكن يشتعل تاني.
قلب الصفحة.
وأثناء المعاينة... لقوا حاجة غريبة.
بدأت الهمسات تدور في القاعة.
سأله أحد الصحفيين
إيه هي؟
أجاب
آثار إطارات سيارة عند مدخل الكوخ.
رد بريت بسرعة
طبيعي... دي آثار عربيتي.
هز قائد الفريق رأسه.
لا... لأن التقرير بيقول إن الآثار دي ظهرت بعد مرور
ساد الصمت.
وأكمل
يعني في عربية رجعت للمكان... بعد ما النيران كانت انتشرت.
اتسعت عيون الحضور.
قلت وأنا أحدق في بريت
رجعت؟
لم يرد.
أكمل قائد الفريق
الخبراء قدروا يحددوا إن العربية وقفت أقل من دقيقة... وبعدها مشت.
بريت بدأ يتنفس بسرعة.
وقال
ممكن تكون عربية إطفاء.
رد القائد
فرق الإطفاء كلها كانت مجهزة بسلاسل معدنية على الإطارات... والآثار دي مختلفة.
ثم أخرج صورة مكبرة من الملف.
كانت آثار الإطارات واضحة في التراب المحترق.
وأشار إلى جزء منها وقال
وفيه أثر واضح لباب عربية اتفتح... واتقفل.
تبادلت النظرات مع الحضور.
همست لنفسي
يعني... حد رجع.
في تلك اللحظة...
وقف بريت فجأة.
شد الكرسي بقوة حتى وقع على الأرض.
كل الموجودين انتفضوا.
قال بصوت مرتجف
خلاص...
ثم مرر يده في شعره وهو يحاول يلتقط أنفاسه.
أنا... رجعت.
ساد صمت لم يسمع فيه أحد حتى صوت أنفاسه.
أكمل بصعوبة
وصلت لآخر الطريق... وشفت النار أعلى من أي حاجة تخيلتها.
ابتلع ريقه.
نزلت من العربية...
ثم سكت.
نظر إليه قائد فريق الإنقاذ وقال
وبعدين؟
أغمض بريت عينيه.
ولأول مرة...
بدأت دموعه تنزل وهو يهمس
شفت حاجة... خلتني ألف وأمشي.
وقبل أن يوضح ما رآه...
انفتح باب القاعة مرة أخرى.
ودخل رجل إطفاء متقاعد، كان يحمل بين يديه خوذة قديمة متفحمة.
نظر مباشرة إلى بريت وقال
قبل ما تقول إنك شفت حاجة...
خليني أحكيلهم أنا شفتك بتعمل إيه لما رجعت ظل بريت ينظر إلى الورقة والقلم.
لم يمد يده.
ولم ينطق بكلمة.
مرّت ثوانٍ بدت كأنها ساعات.
ثم تنهد وقال بصوت منخفض
أنا هتكلم...
توقفت همسات القاعة.
حتى المصورون قرّبوا الكاميرات.
رفع رأسه ببطء وقال
لما خرجت بالعربية... كنت مقتنع إن ناتالي هتطلع مع أي عربية إنقاذ.
بصيتله من غير ما أقاطعه.
أكمل
وأمي كانت منهارة... وكانت بتصرخ طول الطريق.
إلينور مسحت دموعها، لكنها لم تتكلم.
قال بريت
لما وصلنا مركز الإخلاء... فكرت أرجع.
ثم سكت.
سأله قائد فريق الإنقاذ
ليه ما رجعتش؟
أغلق عينيه لثوانٍ.
وقال
خفت.
القاعة كلها كانت ساكتة.
كل اللي حواليا كانوا بيقولوا الطريق بقى خطر... وإن الرجوع ممكن يضيع حياتي أنا كمان.
أحد الصحفيين سأله
مين اللي قالك كده؟
نظر إلى أمه.
لكنها أنزلت رأسها ولم ترد.
قال بصوت مبحوح
أنا اخترت أسهل قرار... وسيبت أصعب قرار.
تنهد بعمق، ثم أكمل
كل يوم بعد الحريق كنت بصحى وأنا متخيل إنها هتدخل من الباب.
نظرت إليه بهدوء.
وقلت
لكن لما ظهرت...
أكملت الجملة بدلًا منه
ما اعتذرتش.
خفض رأسه مرة أخرى.
لأ.
ولما اتكرمت قدام الناس...
سكت.
برضه ما قلتش الحقيقة.
لم يجد ما يقوله.
وفي تلك اللحظة...
دخل أحد المنظمين بسرعة إلى المسرح.
همس في أذن قائد فريق الإنقاذ.
تغيرت ملامح القائد، ثم التفت إلى الجميع وقال
وصلنا دلوقتي تقرير
رفع ملفًا صغيرًا في يده.
وأضاف
فيه معلومة ما كانتش معروفة قبل النهارده.
نظر بريت إلى الملف، وارتبك من جديد.
أما أنا...
فاكتفيت بالنظر إليه.
لأنني شعرت أن ما بداخل ذلك التقرير...
قد يجيب أخيرًا عن السؤال الذي حيّرني طوال الأشهر الثلاثة الماضية كل الموجودين
متابعة القراءة