سابني حامل حكايات زيزي

لمحة نيوز

سابني حامل وسط الحريق وهرب بالعربية مع أمه... وبعد 3 شهور رجعت ببنتي قدام الناس كلها!
ليلة الحريق، السما ورا الكوخ كانت متلونة بالبرتقاني، والدخان كان بيغطي كل حاجة حواليه. إنذارات الإخلاء كانت بترن على الموبايل كل دقيقة، والجيران بيجروا يخرجوا بأي حاجة يقدروا ينقذوها.
كنت في الشهر السادس من الحمل، وإيدي على بطني وأنا بقول لجوزي، بريت
لازم نمشي حالًا.
خرج من الأوضة وهو متوتر، وورا منه أمه إلينور وهي بتقول
لازم تلحقني الأول... أنا مش هقدر أجري.
كان عندنا عربية واحدة بس.
مد إيده على المفتاح، وقال
هوصل أمي لمكان آمن، وأرجع آخدك.
بصيتله بعدم تصديق.
والطريق لو اتقفل؟
قال بسرعة
مش هيتقفل... استنيني عشر دقايق بس.
قلت وأنا ببكي
أنا حامل... ومش هعرف أهرب لوحدي.
لكن أمه شدته من إيده وقالت
يلا يا بريت... الوقت بيجري.
ركب العربية وانطلق، وسابني واقفة وسط الدخان على أمل إنه يرجع.
مرت الدقائق... وبعدين نص ساعة... وبعدين ساعة كاملة.
لكن بريت ما رجعش.
النار كانت قربت جدًا، والدخان بقى يخنقني.
اتصلت بالإسعاف وأنا بكح، وبعد دقائق وصلت فرق الإنقاذ ونقلوني للمستشفى.
أول حاجة سمعتها بعد ما فوقت كانت
الحمد لله... البيبي بخير.
عيطت من الفرحة.
الممرضة سألتني
نكلم جوزك؟
افتكرت إنه وعدني يرجع... لكنه ما رجعش.
قلت بهدوء
لأ... مش دلوقتي.
ومن اللحظة دي، قررت إني هبدأ حياة جديدة أنا وبنتي، من غير ما أستنى حد يثبتلي إنه بيهتم بينا.
مرت ثلاثة شهور.
وفي يوم، شفت بريت في الأخبار، واقف على مسرح بيتكلم عن الشجاعة ومساعدة ضحايا الحرائق، والناس كلها بتسقفله.
ابتسمت في هدوء.
عرفت إن وقت الحقيقة قرب.
وفي ليلة الحفل، دخلت القاعة وأنا بدفع عربة بنتي.
أول ما شافني... اتجمد مكانه.
وقفت قدامه، وبصيت في عينه وقلت
إنت ما فقدتنيش في الحريق...
إنت اللي سيبتني هناك، واخترت تمشي وتسيب مراتك الحامل تواجه الموت لوحدها.
وساعتها... القاعة كلها سكتت، وبريت بقى مش قادر ينطق بحرف واحد اتصدم وقال وهو بيرجع خطوة لورا
ناتالي... إنتِ... إنتِ عايشة؟!
كل العيون اتوجهت علينا.
المذيع وقف كلام، والناس اللي كانت بتسقف من ثواني بقت ساكتة تمامًا.
ابتسمت ابتسامة هادئة وقلت
مستغرب؟
بلع ريقه وقال
إحنا... إحنا دورنا عليكي في كل مكان.
هزيت راسي بالنفي.
لا يا بريت... إنت دورت على صورتك قدام الناس... مش عليا.
همس لأمه وهي واقفة بعيد
اعملي أي حاجة... طلعيها بره.
لكن إلينور كانت وشها شاحب، ومش قادرة حتى تتحرك.
واحد من الصحفيين قرب وسأل
حضرتك تعرفي الأستاذ بريت؟
بصيت للمراسل وقلت
أعرفه كويس... لأنه جوزي.
همهمة كبيرة انتشرت في القاعة.
بريت حاول يبتسم قدام الكاميرات وقال
مراتي كانت تحت ضغط نفسي بعد الحريق... والكلام

ده كله سوء تفاهم.
رفعت إيدي بهدوء.
سوء تفاهم؟
فتحت شنطة عربية البيبي، وطلعت منها ظرف بني صغير.
أول ما شاف الظرف...
اللون اختفى من وشه.
عرفه من أول نظرة.
لأنه هو بنفسه اللي كتبه.
قرب مني بسرعة وهو بيحاول يبتسم للناس وقال بصوت واطي
مش هنا... نتكلم في البيت.
بصيتله بثبات.
إحنا مبقاش عندنا بيت.
مد إيده ناحية الظرف، لكني سحبته قبل ما يلمسه.
قال بعصبية
إنتِ عايزة إيه؟ فلوس؟
ابتسمت لأول مرة.
لو كنت بدور على فلوس... كنت رفعت قضية من يوم ما خرجت من المستشفى.
اتوتر أكتر.
وأول صف من الحضور بدأ يحس إن فيه حاجة كبيرة مستخبية.
واحدة من الصحفيات سألت
إيه اللي في الظرف؟
رديت بهدوء
الحقيقة... لكن لسه مش وقتها.
في اللحظة دي، رن موبايل بريت.
بص للشاشة...
واتغير وشه فجأة.
رفض المكالمة بسرعة، لكن بعد ثواني الرنة رجعت تاني.
ثم تالت مرة.
لدرجة إن كل اللي واقفين حوالينا لاحظوا.
همس وهو بيبصلي بخوف
إنتِ عملتي إيه؟
قلت وأنا ببص في عينه
أنا؟ ولا حاجة.
وفي نفس اللحظة...
انفتح باب القاعة مرة تانية.
ودخل شخص كان آخر واحد بريت يتمنى يشوفه الليلة دي...
وأول ما وقعت عينه على بريت، قال بصوت عالي سمعه كل الموجودين
الحمد لله إنك لسه هنا... لأن عندي أسئلة لازم تجاوب عليها قدام الكل التفتت كل الرؤوس ناحية باب القاعة.
الرجل كان لابس بدلة رسمية، وفي إيده حقيبة جلد سوداء.
أول ما شافه بريت، ملامحه اتغيرت تمامًا.
همس وهو بيحاول يثبت نفسه
إنت... إيه اللي جابك هنا؟
الرجل رد بهدوء
كنت مستني اليوم ده من وقت الحريق.
الناس بدأت تهمس، والصحفيين قربوا أكتر بالكاميرات.
مدير الحفل حاول يتدخل وقال
لو سمحتوا... الحفل مستمر.
لكن محدش كان مركز معاه.
الرجل فتح الحقيبة، وطلع ملف سميك.
وقال وهو بيرفعه قدام الجميع
الملف ده كان المفروض يتسلم للشرطة من تلات شهور... لكن صاحبه اختفى.
بريت اتوتر وقال بسرعة
أنا معرفش إنت بتتكلم عن إيه.
الرجل ابتسم ابتسامة خفيفة.
بالعكس... إنت عارف كويس.
بصيت للرجل باستغراب، ولقيته بيبصلي ويقول
حضرتك ناتالي؟
هزيت راسي بالموافقة.
قال
أنا قائد فريق الإنقاذ اللي وصل للكوخ ليلة الحريق.
اتسعت عيوني.
افتكرت صوته...
هو نفسه اللي كان بيقول للمسعفين
بسرعة... الست حامل ولسه فيها نبض.
قرب خطوة وقال
من يومها وأنا مستغرب من حاجة واحدة.
بريت قاطعه بعصبية
كفاية... الموضوع خلص.
لكن الرجل كمل وكأنه ما سمعوش.
لما وصلنا، لقينا العربية الوحيدة خارجة من المنطقة قبل وصولنا بدقائق.
القاعة سكتت.
وكان واضح إن اللي ساقها خرج قبل ما الطريق يتقفل بوقت كافي.
بريت بدأ يتصبب عرقًا.
وقال
وده يثبت إيه؟
الرجل فتح الملف، وأخرج عدة أوراق.
ياريت تجاوبني الأول...
ثم رفع نظره إليه وسأله أمام الجميع
لو كنت ناوي
ترجع تاخد مراتك الحامل زي ما بتقول...
ليه ما رجعتش أبدًا؟
ساد صمت ثقيل.
كل الكاميرات اتوجهت ناحية بريت.
فتح بقه أكتر من مرة، لكن مفيش كلمة خرجت.
في اللحظة دي...
رن هاتف قائد فريق الإنقاذ.
بص للشاشة، ورد في هدوء.
استمع لثوانٍ، ثم قال
تمام... ابعتوه حالًا.
قفل المكالمة، وبص لبريت مباشرة.
وقال
واضح إن الشخص اللي كنا مستنيينه وصل.
ثم اتفتح باب القاعة للمرة التانية...
ودخل شخص شايل صندوق معدني صغير، مقفول بقفل رسمي.
وأول ما وقع نظر بريت على الصندوق...
تراجع خطوة للخلف، وكأن كل الثبات اللي كان بيحاول يظهره اختفى في لحظة الصندوق اتحط على الطاولة اللي قدام المسرح.
كل الموجودين كانوا باصين عليه، محدش عارف جواه إيه.
بريت حاول يتماسك وقال وهو بيضحك ضحكة مصطنعة
إيه التمثيلية دي؟
لكن قائد فريق الإنقاذ رد بهدوء
دي مش تمثيلية... دي أمانة فضلِت مقفولة لحد النهارده.
فتح القفل بالمفتاح، ورفع الغطا ببطء.
كان جواه أكياس شفافة، وفيها حاجات متأثرة بالدخان والرماد.
أول حاجة طلعها...
ميدالية فضية مكتوب عليها اسم بريت.
قال
لقيناها جنب باب الكوخ.
بريت هز كتفه وقال
عادي... ممكن تكون وقعت.
طلع بعدها مفاتيح العربية.
وقال
وده طقم المفاتيح الاحتياطي.
بريت اتفاجئ.
المفروض... المفروض ده كان ضاع.
قائد الإنقاذ بصله وقال
الغريب إنه ما ضاعش.
ثم طلع ورقة صغيرة متنية.
فتحها بحذر لأن أطرافها كانت محروقة.
وقال
لقيناها تحت طاولة الصالة.
بريت صرخ
متقراهاش!
أول مرة صوته يعلى بالشكل ده.
الناس كلها بصتله باستغراب.
ابتسم قائد الإنقاذ وقال
واضح إنك فاكر المكتوب فيها.
بدأ يقرا بصوت مسموع
هروح أوصل أمي... وهرجع آخدك... متتحركيش من مكانك.
شهقة خرجت من أكتر من شخص في القاعة.
كملت أنا الكلام وأنا ببص لبريت
دي الورقة اللي كتبتها بإيدك قبل ما تمشي.
كان بيحاول يطمنّي... لكنه ما رجعش أبدًا.
بريت قال بسرعة
الطريق اتقفل... مقدرتش أرجع.
قائد الإنقاذ هز رأسه بالنفي.
إحنا راجعنا كل سجلات الإخلاء.
وساد صمت للحظة.
والطريق فضل مفتوح أكتر من أربعين دقيقة بعد خروجك.
الهمسات زادت في القاعة.
واحد من الحضور قال بصوت مسموع
يعني كان يقدر يرجع!
بريت بدأ يفقد أعصابه.
كلكم ضدي... محدش كان مكاني.
قلت بهدوء
أنا كنت مكانك يا بريت.
وسبت الجملة تعلق في القاعة.
في اللحظة دي...
وقف رجل مسن من آخر الصفوف.
كان ماسك عصاية، وبيمشي ببطء.
أول ما قرب، بص لبريت وقال
واضح إنك نسيتني...
بريت اتجمد مكانه.
ولأول مرة من بداية الليلة...
بان الخوف الحقيقي في عينيه اتجهت أنظار الجميع للرجل المسن.
كان شعره أبيض، لكن نظرته ثابتة وقوية.
وقف قدام بريت مباشرة، وقال
أنا جاك... صاحب محطة الوقود اللي على مخرج الوادي.
بريت بلع ريقه، لكنه حاول
يتظاهر إنه مش فاكره.
معرفكش.
ابتسم الرجل ابتسامة قصيرة وقال
الغريبة إنك كنت تعرفني كويس ليلة الحريق.
الصحفيون رفعوا الكاميرات، وكل القاعة بقت ساكتة.
أخرج جاك من جيب سترته دفترًا صغيرًا، فتحه على صفحة معينة، وقال
أنا بكتب كل حاجة بتحصل في المحطة من سنين.
وأشار إلى سطر مكتوب بتاريخ ليلة الحريق.
الساعة سبعة وأربعة وأربعين دقيقة... وصلت عربية سوداء، كان بيسوقها بريت كين، ومعاه والدته.
تغير لون وجه بريت.
قال بسرعة
وده يثبت إيه؟
رد جاك
استنى... لسه.
قلب الصفحة، وأكمل
طلب مني أملاله تانك العربية بالكامل.
ثم سكت لحظة قبل أن يقول
وسألني سؤال واحد.
اقترب أحد الصحفيين وسأله
قال إيه؟
تنهد جاك وقال
سألني... الطريق المؤدي للكوخ لسه مفتوح، ولا النار قربت تقفله؟
شهقت القاعة كلها.
بصيت لبريت، ولقيته منزل عينه في الأرض.
أكمل جاك
قلتله الطريق لسه مفتوح، لكن لازم يستعجل لو فيه حد لسه هناك.
ساد صمت ثقيل.
ثم قال الرجل ببطء
بصلي... وشكرني... وبعدها لف بالعربية في الاتجاه المعاكس.
تجمدت ملامح الحضور.
واحدة من الصحفيات قالت بعدم تصديق
يعني... كان يعرف إنه يقدر يرجع.
جاك هز رأسه وقال
وأكتر من كده... كان عنده وقت كافي.
بريت صرخ فجأة
أنت راجل كبير... أكيد ذاكرتك خانتك.
ابتسم جاك، ومد يده داخل جيبه مرة تانية.
طلع إيصالًا قديمًا محفوظًا داخل غلاف بلاستيك.
وقال
علشان كده احتفظت بالإيصال.
كان عليه تاريخ الليلة نفسها... والساعة... ورقم لوحة سيارة بريت.
قائد فريق الإنقاذ أخذ الإيصال، ونظر إليه ثم رفع عينيه وقال
ده مطابق لسجلاتنا.
بريت تراجع للخلف خطوة.
وأمه إلينور أمسكت طرف الكرسي حتى لا تقع.
لكن قبل أن ينطق أي واحد منهم بكلمة...
انفتح باب القاعة مرة أخرى.
ودخلت امرأة تحمل ملفًا أزرق كبيرًا، وقالت بصوت واضح
آسفة على التأخير... لكن فيه مستندات لازم تتعرض قبل ما أي حد يحاول يبرر اللي حصل.
وفور ما لمحها بريت...
أغمض عينيه للحظة، وكأنه عرف أن الليلة لسه مخبية مفاجآت أكبر اتقدمت الست بخطوات ثابتة لحد ما وصلت قدام المسرح.
حطت الملف الأزرق على الطاولة، وبصت للحضور وقالت
اسمي لورا... وكنت مسؤولة عن متابعة طلبات تعويضات المتضررين من الحريق.
بريت حاول يقاطعها
وده ملوش أي علاقة بالموضوع.
لكنها فتحت الملف من غير ما تبصله.
وقالت
بالعكس... ليه علاقة بكل حاجة.
طلعت مجموعة أوراق، وسلمت نسخة منها لمقدم الحفل، ونسخة لقائد فريق الإنقاذ.
ثم قالت
بعد الحريق بأسبوع واحد بس، وصلنا طلب تعويض باسم الأستاذ بريت كين.
همهمات انتشرت في القاعة.
وأكملت
الطلب كان بيقول إن المنزل اتدمر بالكامل... وإن زوجته مفقودة، ويُرجح وفاتها.
اتسعت عيون الحضور.
بصيت لبريت، لكنه كان متجنب ينظر لي.
سأل أحد الصحفيين
يعني
قدم الطلب قبل ما يتأكد إنها توفيت أو حتى يتم العثور عليها؟
ردت لورا
وده اللي خلانا نستغرب.
قلبت صفحة تانية وقالت
فطلبنا منه مستندات إضافية.
ابتلع بريت ريقه وقال بسرعة
وده إجراء طبيعي.
ابتسمت لورا وقالت
طبيعي فعلًا... لكن ردك هو اللي ماكانش طبيعي.
ثم رفعت ورقة أمام الجميع.
وصلنا منك خطاب
تم نسخ الرابط