سابني حامل حكايات زيزي

لمحة نيوز

رسمي بتطلب فيه سرعة إنهاء الملف لأنك... على حد تعبيرك... بدأت حياة جديدة ومحتاج تقفل كل الالتزامات القديمة.
ساد صمت ثقيل.
الكلمات وقعت على القاعة كأنها حجر.
واحد من الحضور قال بصوت منخفض
بدأ حياة جديدة؟
بريت صرخ
الجملة دي اتفهمت غلط.
لورا أغلقت الملف بهدوء.
ممكن... علشان كده احتفظنا بكل المراسلات الأصلية.
ثم أخرجت ظرفًا أبيض مختومًا.
وقالت
وده آخر خطاب وصل من حضرتك.
مد بريت إيده بسرعة وهو يقول
الملفات دي خاصة.
لكن قائد فريق الإنقاذ وقف بينه وبينها.
قال
سيبها تكمل.
لورا نظرت إلى الظرف، ثم قالت
أنا مش هقرأه دلوقتي.
استغرب الجميع.
حتى أنا.
فسألها مقدم الحفل
ليه؟
ابتسمت ابتسامة هادئة وقالت
لأن الشخص الوحيد اللي يحق له يفتحه... موجود في القاعة.
ثم التفتت ناحيتي.
ومدت الظرف في اتجاهي وهي تقول
الاسم المكتوب عليه هو... ناتالي كين.
مددت يدي ببطء وأخذت الظرف.
كان مختومًا بالشمع الأحمر كما هو منذ ثلاثة أشهر.
نظرت إلى بريت.
ولأول مرة منذ بدأت المواجهة...
رأيته يرتجف فعلًا.
وعرفت من نظرة عينيه...
أن ما بداخل الظرف قد يغيّر كل شيء مسكت الظرف بين إيديا.
كان تقيل بشكل غريب، وكأنه شايل أسرار أكتر من مجرد ورق.
كل القاعة كانت مستنية أفتحه.
لكن... ما فتحتوش.
رفع بريت صوته لأول مرة وهو بيقول
افتحيه... علشان الناس تعرف الحقيقة.
بصيتله بهدوء وقلت
إنت مستعجل أوي ليه؟
سكت.
عرف إن أي كلمة زيادة ممكن توقعه أكتر.
لفيت للناس وقلت
قبل ما أفتح الظرف... عندي سؤال واحد.
بصيت لبريت مباشرة.
بعد ما سبتني في الكوخ... روحت فين؟
رد بسرعة
وصلت أمي لمركز الإخلاء.
وبعدين؟
استنيت الأخبار.
وبعدين؟
بدأ يتوتر.
مش فاكر.
قلت
غريبة... لأن اليوم ده مستحيل يتنسي.
وقبل ما يرد...
خرج صوت من آخر القاعة.
أنا أقدر أفكره.
التفت الجميع.
كان رجل في منتصف الخمسينات، لابس زي أحد الفنادق.
قرب وهو ماسك جهاز لوحي.
وقال
أنا مدير الفندق اللي نزل فيه الأستاذ بريت ليلة الحريق.
بريت شهق وقال
إنت كمان؟
الرجل هز رأسه.
احتفظنا بسجلات النزلاء لأن المنطقة كلها كانت في حالة طوارئ.
فتح الجهاز اللوحي، وقال
وصل الفندق الساعة تسعة واثناشر دقيقة مساءً.
ثم أكمل
وحجز غرفة ليلتين.
القاعة كلها بدأت تهمس.
أحد الصحفيين سأله
كان معاه حد؟
رد مدير الفندق
كان معاه والدته.
ثم توقف لحظة وهو ينظر إلى الشاشة.
والغريب... إنه رفض يخرج من الفندق تاني طول الليل، رغم إن فرق الإنقاذ كانت بتعلن إن فيه فرص لإنقاذ ناس لسه محاصرين.
نظرت إلى بريت وقلت
يعني كان عندك وقت ترجع... لكنك اخترت الأمان لنفسك.
لم يرد.
كانت أول مرة يعجز فيها عن اختراع مبرر.
مدير الفندق أغلق الجهاز وقال
وفي صباح اليوم التالي... قبل ما يغادر، سألني سؤالًا واحدًا.
تجمد بريت مكانه.
قال مدير
الفندق
سألني... إمتى بيبدأ صرف تعويضات المنازل المتضررة؟
ساد الصمت.
لكن قبل أن يعلق أحد...
سمعنا صوت طرق قوي على باب القاعة.
فتح أحد المنظمين الباب.
ودخل رجل يرتدي بدلة رسمية، يحمل حقيبة سوداء عليها شعار جهة حكومية.
نظر في القاعة كلها...
ثم قال بصوت واضح
أنا بدور على الأستاذ بريت كين... ومعايا مستند لازم يستلمه بنفسه، وممنوع يتسلم لأي حد غيره.
بريت شحب وجهه...
وتراجع خطوة إلى الخلف، بينما اتجه الرجل نحوه ببطء، والحقيبة ما زالت مغلقة عمّ الصمت في القاعة.
الرجل وقف قدام بريت، وفتح الحقيبة بهدوء.
طلع منها ملف مختوم، وقال
لو سمحت... استلم.
بريت بص للملف، لكنه ما مدش إيده.
سأله الرجل
حضرتك بريت كين؟
رد بصوت مهزوز
أيوه.
سلمه الملف، ووقّعه على ورقة الاستلام.
كل الموجودين كانوا بيتابعوا في صمت.
أحد الصحفيين سأل
ممكن نعرف إيه ده؟
الرجل رد باقتضاب
دي مراسلات رسمية... ومش من حقي أعلن محتواها.
كان واضح إنه هيخرج.
لكن قبل ما يتحرك، بص ناحيتي وقال
حضرتك ناتالي؟
هزيت رأسي.
قال
أنا شوفت اسم حضرتك في الملف... وعشان كده حبيت أتأكد إنك بخير.
استغربت.
اسمي؟
أخرج ورقة صغيرة من جيبه، وبص فيها.
أيوه... لأن الملف بدأ أصلًا بعد بلاغ اتقدم ليلة الحريق.
كل الأنظار رجعت لبريت.
قلت للرجل
بلاغ عن إيه؟
رد
عن سيدة حامل اتسابت في منطقة الإخلاء، وكان مطلوب وقتها جمع كل الشهادات المتعلقة بالواقعة.
اتغير لون وش بريت مرة تانية.
قال بسرعة
الموضوع ده اتقفل.
الرجل هز رأسه.
بالعكس... اتأجل بس، لأن أهم شاهدة كانت مختفية.
ثم بصلي وقال
ولما عرفنا إن حضرتك ظهرت، اتفتح الملف من جديد.
بدأت الهمسات تزيد.
إلينور، أم بريت، كانت ماسكة الكرسي بإيديها الاتنين، ووشها بقى شاحب جدًا.
اقتربت مني وقالت بصوت واطي
ناتالي... خلينا نتكلم بعيد عن الناس.
بصيتلها بثبات.
ليه؟
قالت
فيه حاجات لو اتقالت هنا... هتدمر حياة ابني.
ابتسمت ابتسامة خفيفة.
وأنا؟
سكتت.
كملت كلامي
لما كنت واقفة وسط النار، محدش فيكم فكر حياتي هتتدمر ولا لأ.
في اللحظة دي...
خرج صوت طفل صغير من آخر القاعة.
كان ابن أحد الضيوف، سأل أمه بصوت واضح سمعه الجميع
هو الراجل ده ساب مراته لوحدها وهي حامل؟
الأم ما عرفتش ترد.
لكن السؤال البسيط...
كان كافي يخلي القاعة كلها تبص لبريت بنظرة مختلفة.
وبريت لأول مرة...
خفض رأسه، وكأنه أدرك أن صورته اللي بناها قدام الناس بدأت تنهار، بينما كنت أنا ما زلت محتفظة بالظرف المختوم في يدي... ولم يكن أحد يعرف بعد ما الذي يخفيه بداخله فضلت أبص للظرف في إيدي، والناس كلها مستنية اللحظة اللي هفتحه فيها.
لكن بدل ما أفتحه...
حطيته على الطاولة قدامي.
بريت رفع رأسه بسرعة وقال
افتحيه... خلصي الموضوع.
ابتسمت وقلت
واضح إنك حافظ اللي جواه.
ملامحه
اتبدلت في ثانية.
وقبل ما يرد، تقدم مقدم الحفل وقال
بما إن كل الليلة بقت عن القصة دي... يبقى من حق الموجودين يعرفوا الحقيقة كاملة.
وافق أغلب الحضور، وبدأ الصحفيون ينقلوا الحدث مباشرة.
في اللحظة دي، رن موبايل أحد المراسلين.
رد بسرعة، وبعد ثوانٍ اتغيرت ملامحه.
بص لقائد فريق الإنقاذ وقال
فيه شخص وصل برا القاعة... بيقول إنه لازم يشهد.
قائد الفريق سأله
مين؟
رد
سائق الأتوبيس اللي كان بينقل الناجين ليلة الحريق.
ساد الهدوء مرة تانية.
وبعد لحظات، دخل رجل في أوائل الستينات.
وقف قدامي أولًا، وقال
الحمد لله إنك بخير.
ابتسمت له وأنا بحاول أتذكر ملامحه.
قال
يمكن متفتكرنيش... لأنك كنت فاقدة الوعي لما حملناكي.
ثم التفت إلى الجميع.
أنا كنت سواق أول أتوبيس إخلاء وصل للمنطقة.
بريت أغلق عينيه للحظة.
واضح إنه كان يتمنى الليلة تخلص.
قال السائق
بعد ما المسعفين طلعوا ناتالي، سألنا لو فيه حد من أهلها موجود.
ثم بص ناحية بريت.
قالولنا إن جوزها خرج من المنطقة قبلها بوقت طويل.
أحد الصحفيين سأله
يعني ما رجعش يدور عليها؟
هز رأسه بالنفي.
لا.
ثم أضاف
الغريب إننا فضلنا أكتر من ساعة نستقبل ناجين... لكن اسمه ما اتسجلش ضمن أي حد رجع يساعد أو يسأل عنها.
إلينور صرخت فجأة
كفاية! ابني غلط... لكنه كان خايف.
لف السائق ناحيتها وقال بهدوء
كل الليلة دي كان فيها ناس خايفة.
وسكت لحظة قبل أن يكمل
لكن فيه فرق بين اللي بيهرب من النار... واللي بيسيب حد وراه.
الكلمات وقعت على القاعة في صمت.
بريت رفع رأسه لأول مرة من وقت طويل.
وبصلي مباشرة.
وقال بصوت منخفض
ناتالي... أنا مستعد أقول كل الحقيقة.
نظرت إليه دون أن أتكلم.
أخذ نفسًا طويلًا...
ثم قال
لكن لازم أفتح الظرف الأول...
ومد يده نحوه ببطء...
قبل أن تلامس أصابعه الظرف، انطفأت أنوار القاعة فجأة، وغرقت القاعة كلها في ظلام تام، لتتعالى همسات الحضور وصوت خطوات مجهولة تقترب من المسرح تعالت أصوات الناس في القاعة.
بعضهم طلع موبايله وشغّل الكشاف، وبقت أضواء صغيرة متناثرة في كل مكان.
مقدم الحفل قال بصوت عالي
من فضلكم محدش يتحرك.
بعد أقل من دقيقة...
الأنوار رجعت تاني.
أول حاجة عملتها إني بصيت على الطاولة.
الظرف...
كان لسه في مكانه.
تنفست الصعداء.
لكن بريت كان بيبص ناحية باب جانبي في القاعة، وكأنه كان مستني حد.
لاحظ قائد فريق الإنقاذ نظراته، فأشار لاثنين من أفراد الأمن.
راحوا ناحية الباب بسرعة.
فتحوه...
لكن الممر كان فاضي.
رجعوا وهم بيقولوا
مفيش حد.
بريت حاول يستعيد هدوءه وقال
واضح إنه مجرد عطل كهرباء.
لكن فجأة...
طلع صوت من سماعات القاعة.
اختبار... واحد... اتنين.
كل الموجودين رفعوا راسهم ناحية غرفة التحكم.
الصوت كان واضح جدًا.
ثم ظهر رجل على شاشة العرض الكبيرة الموجودة
خلف المسرح.
القاعة كلها اتفاجئت.
الرجل قال
أنا آسف إني قاطعت الحفل... لكن فيه حاجة لازم الناس تعرفها.
بريت صرخ
اقفلوا الشاشة!
لكن محدش اتحرك.
الرجل أكمل
أنا كنت مسؤول عن غرفة العمليات الخاصة بمتابعة الإخلاء ليلة الحريق.
ثم رفع في إيده دفترًا قديمًا.
وده سجل الاتصالات اللي استقبلناها.
أشار إلى صفحة معينة وقال
في الساعة الثامنة وسبع دقائق... وصلتنا مكالمة من سيدة حامل محاصرة داخل الكوخ.
قلبي دق بعنف.
عرفت إنها مكالمتي.
أكمل الرجل
سجلنا اسمها... ناتالي كين.
كل الأنظار اتجهت نحوي.
ثم قال
بعدها بخمس دقائق بس... وصلتنا مكالمة تانية.
بريت بدأ يتنفس بسرعة.
المتصل كان... بريت كين.
شهقة خرجت من الحضور.
قال الرجل على الشاشة
سألنا إذا كانت فرق الإنقاذ وصلت للمنطقة.
وسكت لحظة.
ثم أضاف
لما قلنا له إن الفرق في الطريق... أنهى المكالمة.
رفع أحد الصحفيين صوته
هل قال إن مراته لسه هناك؟
الرجل هز رأسه ببطء.
لا.
ساد صمت ثقيل.
ثم قال
ما طلبش إنقاذها بالاسم... وما قالش إنها حامل.
القاعة كلها بقت ساكتة.
أما بريت...
فكان واقف مكانه، ملامحه شاحبة، ويده بترتعش.
وقبل ما حد ينطق بكلمة...
وصل إشعار على هاتف قائد فريق الإنقاذ.
فتح الرسالة...
وتغيرت ملامحه فورًا.
رفع رأسه ونظر إلى بريت، ثم قال
واضح إن الليلة لسه ما خلصتش... لأن فيه تسجيل صوتي للمكالمة دي اتحفظ في الأرشيف، ولسه وصلنا نسخة منه دلوقتي تجمدت القاعة كلها.
قائد فريق الإنقاذ رفع هاتفه وقال
النسخة وصلت دلوقتي.
كل الأنظار اتجهت نحوه.
بريت اندفع خطوة للأمام وقال بعصبية
مفيش داعي نشغل أي تسجيل.
ابتسم قائد الفريق وقال
لو مفيش حاجة تخاف منها... يبقى اسمع مع الناس.
مدير الحفل أشار لفني الصوت.
بعد ثوانٍ...
اتوصل الهاتف بسماعات القاعة.
خرج صوت تشويش خفيف...
ثم سمعنا صوت موظفة غرفة العمليات
غرفة طوارئ الحرائق... اتفضل.
وجاء صوت بريت واضحًا
أنا خرجت من المنطقة من شوية... وعايز أعرف الطريق هيتقفل إمتى.
ردت الموظفة
فيه فرق إنقاذ داخلة دلوقتي... هل فيه حد من أسرتك لسه جوه؟
ساد صمت في التسجيل لثوانٍ.
الكل كان مستني إجابته.
ثم قال
لأ... خلاص.
شهقة قوية خرجت من الحضور.
أنا أغمضت عيني للحظة.
لأن في نفس الدقيقة تقريبًا...
كنت أنا بكلمهم وبقول
أنا حامل... أرجوكم الحقوني.
عاد التسجيل يكمل.
الموظفة سألت مرة تانية
متأكد إن مفيش حد محتاج مساعدة في العنوان ده؟
ورد بريت للمرة الثانية
أيوه... متأكد.
انتهى التسجيل.
ساد صمت ثقيل جدًا.
ولا صوت اتسمع غير بكاء طفلة صغيرة كانت قاعدة مع أهلها.
بريت حاول يتكلم.
فتح بقه...
لكن الكلمات خانته.
أمه قربت منه وقالت وهي بتبكي
قول أي حاجة.
بص حواليه.
كل الوجوه كانت مختلفة.
الناس اللي كانت بتصفقله من ساعة...
بقت بتبصله بصدمة.

واحد من الصحفيين قال
إذن هو قال لفرق الطوارئ إنه لا يوجد أحد داخل المنزل، بينما زوجته كانت ما تزال محاصرة.
بريت رفع رأسه أخيرًا وقال بصوت مبحوح
أنا... كنت فاكر إنها خرجت.
نظرت إليه بهدوء.
وقلت
وأنت آخر واحد شافني واقفة قدام العربية.
ما ردش.
أخرجت الظرف من فوق الطاولة مرة تانية.
مررت أصابعي على الختم الأحمر.
ثم قلت
واضح إن
تم نسخ الرابط