كان جوزها
المحتويات
رافض تروحي لوحدك.
لكن عادل ابتسم.
يمكن ده الاختبار اللي كان يقصده والدها.
قالت دنيا وهي تفكر
لأ... مش هروح من غير ما أعرف الأول مين اللي بعت الرسالة.
في هذه اللحظة، تذكرت المظروف الأخير الذي كان داخل الصندوق الزجاجي ولم تفتحه بعد.
أمسكته بحذر.
كان مغلقًا بالشمع الأحمر.
كسرت الختم.
وفي الداخل...
ورقة واحدة فقط.
بخط والدها.
يا دنيا... لو وصلتي للمظروف ده، يبقى اقتربتِ جدًا من الحقيقة. لكن قبل أي خطوة... ارجعي لمكتبي في الشركة. افتحي الدرج الأيسر. هتلاقي شيئًا كنت محتفظًا به لسنوات. هو الوحيد القادر يجاوب على كل أسئلتك.
رفعت دنيا رأسها.
قالت
يبقى لازم نروح الشركة.
رد عم فؤاد
بس الشركة مقفولة من يوم وفاته.
ابتسم طارق لأول مرة.
معايا نسخة من مفاتيحها... لأن والدك سلمنيها قبل آخر اجتماع بينا.
ساد الصمت.
ثم قالت دنيا بثقة
بكرة هنروح الشركة...
ومهما كانت الحقيقة...
مش هرجع خطوة واحدة.
يتبع...الجزء الحادي عشر
في صباح اليوم التالي...
وقفت سيارة طارق أمام المقر القديم لمجموعة الشاذلي.
كان المبنى شامخًا رغم مرور السنوات، لكن أبوابه الزجاجية المغلقة وغبار اللافتة أوحيا بأن الزمن توقف فيه يوم وفاة محمود الشاذلي.
أخرج طارق سلسلة مفاتيح قديمة.
بعد محاولتين...
دارت إحدى المفاتيح.
فتح الباب ببطء، فصدر صوت خافت تردد في أرجاء المكان.
دخلوا جميعًا.
كانت المكاتب كما تركها الموظفون منذ سنوات.
ملفات على الطاولات...
وأكواب قهوة فارغة...
ولوحة كبيرة تحمل صورة مؤسس الشركة.
وقفت دنيا أمام الصورة.
لمست إطارها برفق.
وهمست
يا ترى كنت عايز توصّلني لإيه يا بابا؟
قال عم فؤاد
مكتب والدك في آخر الممر.
وصلوا إلى الباب الخشبي.
كان مقفولًا بقفل منفصل.
فتحوه.
دخلت دنيا أولًا.
كل شيء كان مرتبًا بدقة.
المكتبة...
المكتب...
الكرسي الجلدي...
وكأن محمود الشاذلي خرج لاجتماع وسيعود بعد دقائق.
تقدمت نحو المكتب.
تذكرت الرسالة.
افتحي الدرج الأيسر.
سحبت الدرج.
كان بداخله دفتر ملاحظات، وقلم قديم، وصندوق معدني صغير.
فتحت الصندوق.
وجدت بداخله مفتاحًا إلكترونيًا يشبه تمامًا المفتاح الذي وصلهم في الصندوق عند الفيلا.
قال طارق باستغراب
يبقى المفتاحين مرتبطين ببعض.
لكن قبل أن يقترب أحد...
لاحظت دنيا شيئًا غريبًا.
في قاع الدرج...
كانت هناك ورقة مطوية بعناية.
فتحتها.
لم تكن رسالة.
بل خريطة مصغرة للمبنى.
وعليها دائرة حمراء حول مكان واحد فقط.
غرفة الأرشيف.
وفي أسفل الخريطة عبارة قصيرة
كل الوثائق التي اختفت... لم تخرج من الشركة أبدًا.
نظر الجميع إلى بعضهم.
قال عادل
غرفة الأرشيف كانت مقفولة حتى وأنا بشتغل هنا.
خرجوا من المكتب بسرعة.
واتجهوا نحو نهاية الممر.
وقفوا أمام باب حديدي كبير كُتب عليه
الأرشيف المركزي.
أدخلت دنيا المفتاح الإلكتروني الجديد.
صدر صوت قصير...
ثم أضاء ضوء أخضر.
بدأ الباب يفتح ببطء...
وما إن انفتح بضعة سنتيمترات...
حتى سمعوا صوتًا من داخل الغرفة يقول بهدوء
اتأخرتوا... أنا مستنيكم من زمان.
تجمد الجميع في أماكنهم.
يتبع...الجزء الثاني عشر
تبادل الجميع النظرات في صمت.
كان الصوت هادئًا... لكنه واثق، وكأنه يعرف أنهم سيأتون في هذا التوقيت بالضبط.
فتح طارق الباب بالكامل.
دخلوا بحذر.
غرفة الأرشيف كانت أوسع مما تخيلوا.
أرفف طويلة مليئة بالملفات والصناديق، وفي آخر الغرفة جلس رجل مسن أمام مكتب خشبي صغير، يقرأ في كتاب قديم.
رفع رأسه بهدوء.
ابتسم عندما رأى دنيا.
وقال
أهلًا ببنت محمود الشاذلي.
اقتربت منه وهي متوترة.
حضرتك تعرف بابا؟
أغلق الرجل الكتاب برفق.
اشتغلت معاه أكتر من تلاتين سنة... وآخر تكليف أخدته منه كان إني أحافظ على كل الملفات اللي الناس فاكرة إنها اختفت.
نظر طارق حوله بدهشة.
يعني الأرشيف فضل مقفول كل السنين دي؟
أومأ الرجل.
بأمر من والدها.
سألته دنيا بسرعة
ليه؟
أشار إلى أحد الأرفف.
لأن الورق ساعات بيعيش أكتر من أصحابه... ولو وقع في الإيد الغلط، ممكن يغيّر مصير ناس كتير.
تقدم عم فؤاد خطوة.
إنت عرفت إننا جايين إزاي؟
ابتسم الرجل.
لأن محمود كتب في وصيته إن اليوم اللي بنته تفتح فيه غرفة الأرشيف... يبقى دوري انتهى.
أخرج من درج مكتبه ملفًا سميكًا.
ووضعه أمام دنيا.
على الغلاف مكتوب
مشروع الغد.
فتحت الملف بحماس.
وجدت بداخله مخططات لمستشفى خيري كبير، ومدارس، ومراكز تدريب للشباب، وكلها تحمل شعار مجموعة الشاذلي.
قال الرجل
والدك كان ناوي يحول جزءًا كبيرًا من أرباح الشركة لمؤسسة تنموية تخدم الناس، لكنه كان عارف إن تنفيذ المشروع محتاج ناس مؤمنة بالفكرة.
قلبت دنيا الصفحات.
وفي آخر الملف...
وجدت ورقة بعنوان
مجلس الأمناء المقترح.
كان أول اسم...
محمود الشاذلي.
الثاني...
عادل رفعت.
الثالث...
طارق رياض.
أما الاسم الرابع...
فكان ممزقًا من منتصف الورقة، وكأن أحدًا نزعه عمدًا.
رفعت دنيا رأسها.
مين كان الاسم الرابع؟
نظر الرجل المسن إلى الجميع.
ثم قال بهدوء
ده السؤال اللي لازم تعرفوا إجابته... لأن الشخص ده هو الوحيد اللي يعرف الجزء المفقود من وصية والدك.
وفي تلك اللحظة...
سمعوا صوت خطوات تقترب من باب غرفة الأرشيف.
ثم طرق الباب ثلاث طرقات هادئة.
وقال صوت
ممكن أدخل؟... أعتقد إن الوقت جه علشان أقول الحقيقة.
يتبع...الجزء الثالث عشر
ساد الصمت داخل غرفة الأرشيف.
نظر الجميع نحو الباب.
تقدّم طارق بحذر وفتحه.
وقف رجل في منتصف الخمسينيات، أنيق المظهر، يحمل حقيبة جلدية سوداء.
أول ما رآه الرجل المسن، وقف من مكانه وقال بدهشة
أستاذ نبيل...!
ابتسم الرجل ابتسامة هادئة.
واضح إنك لسه فاكرني.
نظرت إليه دنيا باستغراب.
حضرتك مين؟
خلع نظارته وقال
اسمي نبيل السيوفي... وكنت المستشار المالي لوالدك آخر عشر سنين من حياته.
قالت دنيا
أول مرة أسمع الاسم ده.
ابتسم بحزن.
طبيعي... لأن والدك كان متعمد يبعد أي حد عن حياته الخاصة في آخر فترة.
فتح حقيبته وأخرج مجلدًا أزرق.
ووضعه أمامها.
ده آخر ملف اشتغل عليه والدك قبل وفاته بثلاثة أيام.
فتحت دنيا المجلد.
كان مليئًا بدراسات ومراسلات وعقود تأسيس.
لكن أكثر ما لفت انتباهها ورقة في بدايته مكتوب عليها بخط كبير
لا تُنفذ الخطة إلا بعد موافقة دنيا الشاذلي بنفسها.
قالت بدهشة
باسمي أنا؟
أومأ نبيل.
أيوه.
ثم أضاف
والدك كان مؤمن إن الشركة لازم يكون ليها مستقبل مختلف... مش مجرد تجارة.
سأل طارق
طيب ليه كل السرية دي؟
رد نبيل
لأن محمود الشاذلي كان عارف إن بعد وفاته هيحصل خلاف على طريقة إدارة الشركة، فقرر يسيب القرار النهائي لبنته... لكن بعد ما تتأكد إنها قادرة تميز بين اللي بيدور على مصلحة الشركة... واللي بيدور على مصلحته الشخصية.
تأملت دنيا الأوراق.
كل شيء بدأ يترابط أمامها.
الرسائل...
الخزنة...
غرفة الأرشيف...
كلها كانت مراحل وضعها والدها لتختبر صبرها وحكمها.
وفجأة...
أخرج نبيل ظرفًا صغيرًا من جيبه.
وقال
دي آخر حاجة عندي.
فتحت الظرف.
كان بداخله مفتاح نحاسي قديم.
ومعه بطاقة صغيرة كتب عليها
المكتبة العامة للشركة القاعة الشرقية.
استغربت دنيا.
مكتبة؟
ابتسم الرجل المسن.
أغلب الناس فاكرة إنها مجرد مكتبة... لكن والدك كان يقضي فيها ساعات طويلة.
قال عم فؤاد
يمكن يكون فيها الجزء الأخير من الوصية.
هز نبيل رأسه.
أو يمكن... أول جزء من الحقيقة.
نظرت دنيا إلى الجميع، ثم أمسكت المفتاح بقوة.
وقالت بثقة
يبقى محطتنا الجاية... المكتبة.
يتبع...الجزء الرابع عشر
خرجت دنيا ومن معها من غرفة الأرشيف، واتجهوا إلى نهاية الطابق.
كان هناك ممر طويل لم يدخله أحد منذ سنوات.
في آخره باب خشبي عتيق تعلوه لافتة نحاسية كُتب عليها
المكتبة الخاصة.
أدخلت دنيا المفتاح النحاسي.
سمعوا صوت القفل يدور ببطء.
فتح الباب...
وانبعثت رائحة الكتب القديمة.
كانت المكتبة ضخمة، تمتد
لكن شيئًا واحدًا لفت انتباه دنيا.
في منتصف المكتبة...
مكتب صغير عليه إطار صورة.
اقتربت منه.
كانت الصورة تجمع والدها مع والدتها، وهما يبتسمان، وبينهما طفلة صغيرة... هي.
ابتسمت لأول مرة منذ بدأت رحلتها.
قال الرجل المسن
كان بيقعد هنا كل يوم تقريبًا.
وبينما كانت تتأمل المكان، لاحظت كتابًا موضوعًا وحده على المكتب، وكأنه تُرك بالأمس.
عنوانه
فن اتخاذ القرار.
فتحته.
لم تجد أي كلمات.
كل الصفحات كانت بيضاء.
تعجبت.
ثم وقعت عينها على آخر صفحة.
كانت هناك جملة واحدة بخط والدها
مش كل كتاب بيتقري... بعض الكتب بتتفتح.
قال طارق
يقصد إيه؟
أخذت دنيا الكتاب بين يديها.
قلبته من جميع الجهات.
ثم ضغطت عليه دون قصد.
فصدر صوت تك.
وفجأة...
تحرك أحد أرفف المكتبة ببطء إلى الجانب.
ظهر خلفه ممر ضيق.
نظر الجميع لبعضهم في دهشة.
قال عم فؤاد مبتسمًا
والدك كان بيعشق الأبواب السرية.
دخلوا الممر.
وفي نهايته كانت غرفة صغيرة جدًا.
لا يوجد فيها سوى طاولة خشبية، وكرسي، وصندوق أسود.
وعلى الحائط لوحة مكتوب عليها
إذا وصلت إلى هنا... فأنت لم تعد تبحث عن سر، بل عن مسؤولية.
اقتربت دنيا من الصندوق.
لم يكن عليه أي قفل.
رفعته.
وجدت بداخله دفترًا جلديًا جديدًا، وعلى غلافه اسم واحد
دنيا.
ارتجفت يداها.
فتحته ببطء.
في أول صفحة كتب والدها
يا بنتي... لو قرأتي السطور دي، يبقى قدرتي توصلي بنفسك، من غير ما حد يقودك. وده كان هدفي من البداية.
قلبت الصفحة الثانية.
وجدت قائمة طويلة بأسماء عشرات الموظفين القدامى.
وبجوار كل اسم ملاحظة بخط والدها.
من يثق فيه...
ومن يحتاج فرصة...
ومن يستحق التقدير.
قالت دنيا بدهشة
بابا كان كاتب عن كل واحد!
ابتسم نبيل وقال
كان بيؤمن إن نجاح أي شركة بيبدأ بالناس... مش بالمباني ولا الأموال.
ثم قلبت الصفحة التالية...
فتوقفت فجأة.
لأنها وجدت رسالة جديدة تبدأ بعبارة
أما بخصوص كريم...
تجمدت في مكانها.
وأسرعت تقرأ أول سطر...
يتبع...الجزء الخامس عشر
تسارعت أنفاس دنيا وهي تقلب الصفحة بالكامل.
كان خط والدها واضحًا، كأنه كتب الرسالة بالأمس.
أما بخصوص كريم...
توقفت لحظة، ثم أكملت القراءة.
أنا قابلته أكثر من مرة، ووجدته شابًا مجتهدًا، ويحب عمله، لكنه يحمل على كتفيه مسؤوليات كبيرة. لذلك قررت ألا أحكم عليه بسرعة، وأترك لكِ أنتِ فرصة أن تعرفيه بنفسك.
رفعت دنيا رأسها بدهشة.
يعني... بابا ماكانش رافضه؟
قال نبيل
واضح إنه كان عايز يدي لكل إنسان فرصته.
واصلت القراءة.
لو اخترتِ كريم شريكًا
ساد الصمت.
قال طارق
والدك كان بيفصل بين الأسرة والشغل.
أومأت دنيا برأسها.
ثم قلبت الصفحة التالية.
وجدت عنوانًا كبيرًا
خطة السنوات العشر.
كانت عبارة عن رؤية كاملة لتطوير الشركة، وإنشاء مستشفى خيري،
متابعة القراءة