كان جوزها
كان جوزها داخل يعمل لها العملية بدافع الحب... لحد ما ممرضة كشفت لها السر اللي أبوها أخفاه عنها سنين.
الجزء الأول
لما تفوق من البنج... كل حاجة هتتغير.
فتحت دنيا الشاذلي عينيها ببطء في أوضة رقم 804 بمستشفى خاصة في القاهرة.
ضوء السقف كان قوي، وصوت جهاز مراقبة القلب منتظم، لكن قلبها كان حاسس إن في حاجة غلط.
قبل ساعات، كان جوزها الدكتور كريم المنصوري، أشهر جراح قلب في البلد، ماسك إيدها وهو بيبتسم.
قال لها بهدوء العملية بسيطة يا دنيا... مجرد تغيير في الصمام، وبعدها هترجعي أحسن من الأول.
ابتسمت رغم خوفها.
خمس سنين جواز... وعمرها ما شكت فيه.
من يوم وفاة والدها، رجل الأعمال محمود الشاذلي، وكريم بقى المسؤول عن علاجها، ومواعيدها، وحتى اجتماعات شركات العيلة.
الكل كان بيقول إنتِ محظوظة... جوزك بيحبك أكتر من نفسه.
حتى حماتها، سامية، كانت دايمًا تقول كريم ضحى بحياته علشانك... بلاش تشكي فيه.
لكن في آخر الليل...
دخلت ممرضة صغيرة اسمها ياسمين.
كانت مرتبكة بشكل غريب، وكل شوية تبص ناحية باب الأوضة.
وهي بتعدل الغطا، همست بسرعة
لو بتثقي فيا... أجلي العملية.
دنيا بصتلها بدهشة.
وقبل ما ترد، كانت ياسمين خرجت.
بعد دقيقة، لقت ورقة صغيرة تحت المخدة.
فتحتها.
مكتوب فيها بخط مرتعش
تحاليلك سليمة... ومفيش أي سبب يستدعي العملية. حد مخبي عنك الحقيقة.
اتسعت عينيها.
إزاي؟
هي بقالها شهور بتتنقل بين مستشفيات، وكل التقارير بتقول إن حالتها خطيرة.
في اللحظة دي دخل كريم.
ابتسم وقال جاهزة لبكرة؟
أخفت الورقة بسرعة وابتسمت جاهزة.
لكنه أول ما خرج...
فتحت موبايلها.
بدأت تراجع التحاليل القديمة اللي كانت محتفظة بيها.
اتفاجأت إن تقرير الأشعة الأخير مختلف تمامًا عن نسخة كانت عندها من شهرين.
وفيه توقيع جديد.
مش توقيع الدكتور اللي كانت بتتعالج عنده.
توقيع حد تاني.
وفي أسفل الصفحة...
ملف مكتوب عليه
الملف السري لا يُفتح إلا بحضور السيدة دنيا الشاذلي شخصيًا.
لكن الملف كان محذوف.
بعد دقائق وصلتها رسالة من رقم مجهول.
لو عايزة تعرفي ليه أبوكي كان رافض جوازك من كريم... قابليني الساعة 2 بعد منتصف الليل.
ارتعشت إيديها.
أبوها فعلًا كان رافض الجواز بشدة...
لكن قبل وفاته بأيام غيّر رأيه فجأة.
عمرها ما عرفت السبب.
في الساعة الثانية إلا خمس دقائق...
خرجت من أوضة المستشفى بهدوء.
ولما وصلت لحديقة المستشفى الخلفية...
كان في راجل كبير واقف مستنيها.
أول ما شافها قال
أنا كنت
ثم سلّمها مفتاحًا قديمًا وقال
أبوك ما سابلكيش فلوس وبس... سابلك سرًا لو ظهر، هيغير اسم أكبر شركة في البلد.
يتبع...الجزء الثاني
دنيا أخدت المفتاح وهي بتبص للرجل بعدم تصديق.
سألته بسرعة
إنت مين؟ وأبويا كان مخبي إيه؟
ابتسم بحزن وقال
اسمي عم فؤاد... واشتغلت مع والدك أكتر من خمسة وعشرين سنة. قبل ما يتوفى بأيام استدعاني، وسلمّني المفتاح ده، وقال اليوم اللي تشوف فيه بنتي داخلة عملية مع كريم... ادّيهولها فورًا.
اتجمدت مكانها.
يعني بابا كان عارف؟
هز رأسه وقال
كان شاكك... لكنه مات قبل ما يتأكد.
مد لها ظرفًا أصفر قديم.
كان عليه ختم شركة الشاذلي.
فتحت الظرف بسرعة.
فيه رسالة بخط والدها.
يا دنيا... لو الرسالة دي وصلتلك، يبقى في ناس حواليكي مخبين عنك حقيقة كبيرة. أوعي تمضي على أي ورقة. وأوعي تثقي في أي حد لمجرد إنه قريب منك. السر اللي بدور عليه موجود في خزنة رقم 17 داخل فرع البنك الرئيسي. والمفتاح اللي معاكي هو أول خطوة.
دموعها نزلت من غير ما تحس.
دي أول مرة تشوف خط أبوها من سنين.
لكنها رفعت رأسها فجأة.
إيه السر؟
عم فؤاد بص حواليه قبل ما يرد.
والدك كان بيقول إن الشركة اتبنت على اكتشاف مهم جدًا... اكتشاف يقدر يغيّر سوق الدواء في الشرق الأوسط كله.
اتسعت عيناها.
يعني براءة اختراع؟
أكتر من كده.
وليه محدش يعرف؟
لأن في ناس حاولت تستولى عليه من سنين... ووالدك خبّى كل المستندات.
قبل ما يكمل...
رن موبايل دنيا.
المتصل...
كريم.
فضلت تبص للشاشة ثواني.
ردت.
إنتِ فين يا دنيا؟
كان صوته هادئ جدًا.
العملية اتأجلت... والدكاترة بيدوروا عليكي في كل المستشفى.
حاولت تخفي ارتباكها.
كنت محتاجة أتمشى شوية.
ابتسم كريم على الطرف التاني وقال
كويس... لأن عندي ليكي مفاجأة.
مفاجأة إيه؟
وصية والدك ظهرت.
اتسعت عيناها.
إزاي؟
المحامي كلمني من ساعة... وقال إن في صندوق أمانات باسمك لازم نفتحه بكرة الصبح.
بصت لعم فؤاد.
وشه شحب فجأة.
وهمس لها
ما تقوليلوش إن المفتاح معاكي.
رجعت للمكالمة.
حاضر... هاجي الصبح.
قفل كريم الخط.
بعدها بثوانٍ...
وصلت رسالة من رقم مجهول.
إوعي تفتحي الخزنة لوحدك... لأن اللي جواها مش ورق وبس.
دنيا رفعت رأسها ببطء.
وقالت
هو في إيه بالظبط؟
عم فؤاد أخذ نفسًا عميقًا، ثم قال
اللي هتشوفيه بكرة... هيخليكي تشكي في كل حاجة كنتِ مصدقاها عن والدك... وعن كريم... وحتى عن نفسك.
يتبع.
قضت دنيا الليلة كلها في بيت عم فؤاد، وهي مش قادرة تغمض عينيها.
كل كلمة سمعتها كانت بتلف في دماغها.
هل أبوها كان عارف إن في ناس بتدور على السر؟
وهل كريم اتجوزها علشان بيحبها... ولا علشان يقرب من اللي سابه والدها؟
مع أول ضوء للشمس، وقف عم فؤاد قدامها وقال
النهارده لازم تظهري قدام الناس كأن مفيش حاجة حصلت.
لبست دنيا نظارة شمس كبيرة، وربطت شعرها، وركبت معاه العربية.
وصلوا للبنك الرئيسي.
كان المحامي طارق رياض واقف مستنيهم.
أول ما شافها، تنفس الصعداء.
الحمد لله إنك بخير... كريم بلغني إنك اختفيتي من المستشفى، والكل بيدور عليكي.
ابتسمت ابتسامة خفيفة.
أنا بخير... يلا نفتح الخزنة.
دخلوا غرفة صناديق الأمانات.
الموظف طلب بطاقتها الشخصية والمفتاح.
طلعت المفتاح القديم اللي سابه أبوها.
أول ما الموظف شافه، اتغيرت ملامحه.
وقال باستغراب
المفتاح ده... ما اتستخدمش من أكتر من عشرين سنة.
فتح باب الخزنة رقم 17.
لكن الجميع اتفاجأ...
الخزنة كانت شبه فاضية.
مافيهاش دهب...
ولا فلوس...
كان فيها صندوق خشبي صغير، ومفكرة جلد قديمة، وصورة عائلية.
مسكت دنيا الصورة.
كانت ليها وهي عندها حوالي خمس سنين.
واقف جنبها أبوها...
وفي الخلفية شخص مجهول، أبوها كان حاطط إيده على كتفه.
قلبت الصورة.
مكتوب بخط والدها
الراجل ده لو اختفى من حياتك... اعرفي إن الحقيقة بدأت تختفي معاه.
رفعت رأسها بسرعة.
مين الراجل ده؟
طارق قرب من الصورة، وفجأة اتغير لون وشه.
مستحيل...
بصتله بدهشة.
تعرفه؟
رد بصوت منخفض
أعرفه... لكن المشكلة إنه اختفى من خمسة عشر سنة... وكل الناس فاكرة إنه مات.
قبل ما يكمل كلامه...
رن هاتف المحامي.
بص للشاشة، واتوتر.
كريم بيتصل.
رفض المكالمة.
بعد ثوانٍ وصلت رسالة.
قول لدنيا إن الماضي لازم يفضل مدفون... وإلا الكل هيدفع الثمن.
سادت لحظة صمت.
قطعتها دنيا وهي تفتح المفكرة الجلدية.
في أول صفحة، كتب والدها
إذا كنتِ بتقري السطور دي... يبقى الشخص الوحيد اللي كنت واثق فيه، بدأ يدور على السر.
قلبت الصفحة بسرعة...
لكن باقي الصفحات كانت كلها ممزقة بعناية.
ولم يتبقَّ سوى ورقة واحدة في آخر المفكرة.
وعليها عنوان قديم في حي مصر الجديدة...
وبجانبه جملة قصيرة
هناك تبدأ الحقيقة... وليس هنا.
يتبع...الجزء الرابع
خرجت دنيا من البنك وهي ماسكة المفكرة بإيد، والصورة بالإيد التانية.
كانت حاسة إن كل خطوة بتقربها من سر أكبر مما كانت تتخيل.
ركبوا العربية.
سألت طارق
العنوان ده... تعرفه؟
بص فيه ثواني وقال
ده كان فيلا قديمة باسم شركة والدك... لكن اتقفلت من سنين، ومحدش دخلها من وقت وفاته.
عم فؤاد قال بحذر
يبقى لازم نروح قبل أي حد يوصلها.
بعد أقل من ساعة...
وقفوا قدام الفيلا.
كانت البوابة الحديد مقفولة، لكن واضح إن المكان بيتنضف باستمرار.
استغربت دنيا.
إزاي بيتنضف وهو مقفول؟
وقبل ما حد يرد...
خرج رجل عجوز من باب جانبي.
أول ما شاف دنيا، اتسعت عيناه.
وقال بصوت مرتعش
أخيرًا... رجعتي.
قربت منه.
حضرتك تعرفني؟
ابتسم وقال
شفتك آخر مرة وإنتِ عندك ست سنين... ووالدك وصاني إن أول ما تيجي، أسلمك الأمانة.
طلع من جيبه مفتاحًا صغيرًا جدًا.
وأضاف
ده مفتاح المكتب السري.
دخلوا الفيلا.
الأثاث كان متغطي بالملايات، لكن كل حاجة في مكانها، كأن صاحب البيت لسه خارج من ساعات.
وصلوا لمكتب والدها.
المفتاح فتح درجًا صغيرًا داخل المكتب.
لكن الدرج كان فاضي.
دنيا شهقت.
معقول وصلوا قبلي؟
العجوز ابتسم وقال
لا... لأن الدرج ده مجرد اختبار.
مد إيده تحت سطح المكتب، وضغط زرًا مخفيًا.
بدأت مكتبة الكتب تتحرك ببطء.
وظهر باب حديدي خلفها.
دخلوا الغرفة السرية.
كانت مليانة ملفات، وخرائط، وصور، وأجهزة كمبيوتر قديمة.
وفي منتصف الغرفة...
خزنة إلكترونية كبيرة.
على بابها ورقة مكتوب فيها بخط والدها
دنيا... لو وصلتي لهنا، يبقى نجحتي في أول اختبار. لكن السر الحقيقي لسه ما بدأش.
قبل ما تقترب من الخزنة...
سمعوا صوت عربية بتقف برا الفيلا.
الجميع سكت.
العجوز قرب من الشباك، وبص بحذر.
ثم رجع وهو بيهمس
في ناس وصلت...
لكن الغريب...
إن العربية مش بتاعة كريم.
وفي اللحظة التالية...
دق جرس الفيلا ثلاث مرات متتالية، ثم سمعوا صوت رجل يقول من الخارج
أنا معايا الرسالة الأخيرة اللي كتبها والد دنيا... ولو اتأخرتوا في فتح الباب، هتمشي للأبد.
يتبع...الجزء الخامس
ساد الصمت داخل الغرفة السرية.
دنيا بصّت لطارق وعم فؤاد.
نفتح ولا لأ؟
قال طارق بحزم
محدش يفتح قبل ما نعرف مين اللي برّه.
العجوز شغّل كاميرا قديمة كانت متوصلة بمدخل الفيلا.
ظهر على الشاشة رجل في أواخر الخمسينيات، لابس بدلة رمادية، وماسك ظرفًا بنيًا كبيرًا.
ملامحه كانت هادئة... لكنه باين عليه إنه مستعجل.
قال الرجل وهو باصص ناحية الكاميرا
أنا عارف إنكم بتشوفوني... واسمي عادل رفعت.
أول ما سمع عم فؤاد الاسم، شهق.
عادل؟!
دنيا بصتله بسرعة.
تعرفه؟
ده كان أقرب صديق لوالدك... واختفى
الرجل أكمل كلامه
معايا آخر أمانة سلّمها لي والدك قبل وفاته... ولو مش هتفتحوا، همشي، ومش هرجع تاني.
بعد لحظات من التردد...
وافق طارق.
فتحوا الباب.
دخل الرجل بهدوء، وحط الظرف على الترابيزة.
ثم نظر إلى دنيا