زعيم المافيا

لمحة نيوز

وهي رضيعة، قبل أن تتولى ليلى تربيتها رسميًا.
قالت مريم وهي تبكي
يعني... ليلى مش أمي؟
هز مروان رأسه بسرعة.
لا... ليلى هي أمك اللي ربتك وأحبتك وضحت بكل حاجة عشانك. لكن واضح إن في جزء من الحقيقة لسه ناقص، ولازم نعرفه من غير ما نستنتج حاجة قبل دليل.
في قاع الصندوق كان فيه ظرف صغير مكتوب عليه
إلى مريم... إذا وصلتي لحد هنا، افتحيه وحدك.
نظرت مريم إلى مروان.
ابتسم لها وقال
ده حقك.
فتحت الظرف ببطء.
كان بداخله خطاب قصير
يا بنتي... الأم مش دايمًا هي اللي بتولد، الأم هي اللي بتفضل تحارب عشان تربي وتحمي. لو وصلتي للرسالة دي، فأتمنى عمرك ما تشكي لحظة إني كنت بحبك أكتر من روحي.
انفجرت مريم في البكاء، وضمت الخطاب إلى صدرها.
وفي آخر الرسالة كان مكتوب سطر واحد فقط
الحقيقة الأخيرة... موجودة عند الشخص الوحيد اللي فريد فشل يقتله.
رفع مروان عينه عن الورقة وقال
يبقى لسه فيه شاهد عايش... ولو لقيناه، هنقدر نقفل الملف ده للأبد.
وفي تلك اللحظة، دخل أحد الحراس مسرعًا وهو يلهث
باشا... لقينا مكان الدكتور سامح... وهو لسه على قيد الحياة خرج مروان ومريم من محطة القطار بسرعة، وكل واحد فيهم شايل أسئلة أكتر من الإجابات.
ركبوا العربية، والحارس سلّم مروان ورقة فيها عنوان صغير على أطراف المدينة.
قال
الدكتور سامح عايش باسم مختلف، ومن سنين محدش يعرف مكانه. قدرنا نوصل له بصعوبة.
بعد أقل من ساعة، وقفوا قدام بيت ريفي قديم.
طرق مروان الباب.
بعد لحظات، فتح رجل مسن، شعره أبيض، ووشه مليان تجاعيد.
أول ما وقعت عينه على مريم، اتجمد مكانه.
همس بصوت مخنوق
معقول... مريم؟
شهقت.
حضرتك تعرفني؟
نزلت دموع الرجل.
أعرفك... من يوم ما كنتِ رضيعة.
دخلوا البيت.
جلس الدكتور
سامح على كرسيه، وأخذ نفسًا طويلًا.
قال
كنت مستني اليوم ده من سنين.
سأل مروان مباشرة
مين فريد؟ وليه عمل كل ده؟
أغمض الرجل عينيه وقال
لأن فريد كان عايز يستولى على ثروة عيلة الدمنهوري بأي طريقة. حاول يقتل والدتك، ولما فشل، بدأ يوقع الناس في بعض، ويخفي أي شاهد يقدر يكشفه.
ثم التفت إلى مريم.
وليلى... الله يرحمها... كانت أشجع ست عرفتها. ضحت بكل حاجة عشان تحميك وتحافظ على الحقيقة.
قالت مريم والدموع في عينيها
هي أمي؟
ابتسم الدكتور سامح بحنان.
أيوه... هي أمك بكل معنى الكلمة. ربتك، وحبتك، وضحت بعمرها عشان تعيشي بأمان. الحقيقة دي عمرها ما كانت محتاجة ورقة تثبتها.
تنهد مروان.
يبقى فاضل حاجة واحدة... فريد.
وقبل أن يكمل كلامه، سمعوا صوت محرك سيارة يتوقف أمام البيت.
نظر أحد الحراس من النافذة، ثم صاح
باشا... في عربيات جاية بسرعة!
وقف مروان فورًا، وقال بهدوء
شكله عرف إننا وصلنا للدكتور سامح.
أجاب الدكتور سامح بصوت ثابت
لا... المرة دي هو اللي جه لحد عندكم.
وانتهى المشهد على صوت خطوات تقترب من باب المنزل، بينما الجميع يستعد للمواجهة الحاسمة مع الرجل الذي ظل يختبئ خلف الأحداث طوال هذه السنوات توقفت السيارات أمام المنزل، ونزل منها عدد من الرجال بملابس سوداء.
شد الحراس أسلحتهم، لكن مروان رفع يده وقال
محدش يضرب إلا لو اضطرينا.
اتفتح باب أول عربية.
ونزل منها رجل في أواخر الستينات، شعره رمادي، وماسك عصاية.
ابتسم بهدوء وقال
بقالك سنين بتدور عليّ يا مروان.
اتسعت عينا مروان.
فريد...
هز الرجل رأسه.
أيوه... أنا فريد السيوفي.
تقدمت مريم خطوة للأمام وهي تقول بغضب
بسببك أمي عاشت عمرها كله في خوف!
نظر إليها فريد طويلًا، ثم قال
أمك كانت أشجع مني
ومنكم كلكم... ولو ما كانتش وقفت ضدي، كنت حققت اللي عايزه من زمان.
نظر إليه مروان وقال
خلاص... اللعبة انتهت.
ابتسم فريد ابتسامة حزينة.
لا... اللعبة انتهت من زمان. أنا جيت النهارده عشان أسلّم نفسي.
ساد الصمت.
حتى الحراس اتبادلوا النظرات في دهشة.
أخرج فريد ملفًا كبيرًا ووضعه على الأرض.
كل حاجة هنا... المستندات، الحسابات، وأسماء الناس اللي اشتغلوا معايا. تعبت من الهروب، والسنين علمتني إن الحقيقة مهما اتدفنت... لازم تطلع.
اقترب الدكتور سامح بحذر، وفتح الملف.
كانت فيه أدلة ووثائق تثبت جرائم امتدت لسنوات طويلة.
نظر مروان إلى فريد وقال
ليه دلوقتي؟
تنهد فريد وقال
لأن كل اللي كنت بحارب علشانه ضاع... والناس اللي استغليتهم خانوني. مابقاش عندي سبب أكمل.
بعد دقائق، وصلت الشرطة، وتسلمت فريد والملف.
قبل أن يركب سيارة الشرطة، التفت إلى مريم وقال
سامحيني... أنا حرمتك من أم عاشت عمرها كله خايفة.
لم ترد مريم.
اكتفت بأنها ضمت خطاب ليلى إلى صدرها.
بعد عدة أشهر...
وقف مروان ومريم أمام شاهد قبر جديد.
كان مكتوبًا عليه
ليلى فؤاد... أمٌ صنعت بالحب ما لا تصنعه الدماء.
وضعت مريم باقة ورد، وقالت بصوت مملوء بالامتنان
أخيرًا يا أمي... بقي ليكي مكان يليق بيكي.
وقف مروان بجانبها، ثم قال
دي كانت وصيتها من غير ما تكتبها.
ابتسمت مريم وسط دموعها، وشعرت لأول مرة منذ سنوات أن الماضي لم يعد يطاردها، بل أصبح ذكرى مؤلمة تعلمت منها معنى الوفاء والشجاعة.
تمت القصة انتهت بالفعل في الجزء السابق، وتم إغلاق كل الخطوط الرئيسية كشف الحقيقة، القبض على فريد، وتكريم ليلى.
ولو حابب يكون لها إبيولوج فصل أخير بعد النهاية، فممكن يكون كده
بعد سنة كاملة...
افتتحت مريم مطعمًا
صغيرًا أطلقت عليه اسم ليلى.
كان أول طبق في قائمة الطعام هو نفس الطبق الذي غيّر حياتها في تلك الليلة.
لكن تحت اسمه كتبت جملة صغيرة
وصفة تُطهى بالمحبة... وتُقدَّم بوفاء.
وفي يوم الافتتاح، دخل مروان بهدوء وجلس على نفس الطاولة التي جلس عليها أول مرة.
ابتسم وهو يتذوق الطبق، ثم قال
الطعم لسه زي ما هو.
ضحكت مريم لأول مرة من قلبها وقالت
لأن الوصفة عمرها ما كانت مجرد مقادير... كانت حكاية.
علق مروان إطارًا صغيرًا على أحد جدران المطعم، بداخله صورة ليلى، وكتب تحتها
المرأة التي أنقذت حياة إنسان بالطعام... وأنقذت قلوبًا بالحقيقة.
ومن يومها، أصبح المطعم معروفًا ليس بسبب فخامته، بل لأن كل من يدخله يخرج وهو يشعر أن وراء كل طبق قصة، ووراء كل رائحة ذكرى، ووراء كل وصفة حب لا يموت.
النهاية بما أن القصة وصلت لنهاية مكتملة بالفعل، فإكمالها سيحوّلها إلى قصة جديدة. يمكن أن يكون هذا فصلًا بعد النهاية
مرّت خمس سنوات.
أصبح مطعم ليلى من أشهر المطاعم في المدينة، وكانت مريم ترفض افتتاح أي فرع جديد، وتقول دائمًا
المكان اللي اتولد فيه الحلم... مايتكررش.
وفي صباح هادئ، دخل شاب في العشرينات، وطلب الطبق السري.
ابتسمت مريم وقالت
الطبق ده مش موجود في المنيو.
ابتسم الشاب وأخرج من جيبه كشكولًا قديمًا.
كان نفس القماش البني... ونفس الخط.
اتسعت عينا مريم.
جبت الكشكول ده منين؟
قال الشاب بهدوء
جدتي كانت صديقة ليلى... وسابتلي وصية أوصل الكشكول ده ليكي.
فتحت مريم الكشكول، فوجدت في آخر صفحة وصفة جديدة، وتحتها عبارة
الوصفات الحقيقية ما بتنتهيش... لأنها بتتنقل من قلب لقلب.
أغلقت مريم الكشكول وهي تبتسم، ثم نظرت إلى صورة ليلى المعلقة على الحائط وهمست
وعد يا أمي..
. هفضل أحافظ على كل اللي علمتيني إياه.
وانشغلت بتحضير الطبق، بينما امتلأ المطعم برائحة الطعام... والدفء... والذكريات.
النهاية الحقيقية.

تم نسخ الرابط