6 سنين
دفع تكلفة العلاج.
ابتسم في هدوء، وقال لنفسه
دي وصية أمي... وهتفضل عايشة طول عمرها.
في المساء، جلس مع كريمة في حديقة المنزل.
قال لها
فاكرة أول مرة حكيتِ لي عن اللي حصلك؟
ابتسمت وقالت
أيوه... كنت خايفة تكره أبوك.
هز رأسه وقال
لا... أنا اتعلمت إن الإنسان بيتحاسب على أفعاله، لكن إحنا نختار نعيش إزاي بعد الألم.
وضعت يدها على كتفه وقالت
وده أكبر انتصار.
وفي تلك اللحظة، دخلت حفيدتها الصغيرة تركض في الحديقة وهي تضحك، فنظرت إليها كريمة، ثم رفعت عينيها إلى السماء وهمست
الحمد لله... النهاية الجميلة عمرها ما بتيجي بسهولة، لكنها تستحق كل الصبر.
وهكذا انتهت رحلة كريمة، لكنها تركت وراءها أثرًا لا ينتهي، في كل أم أنقذها العلاج، وفي كل طفل بدأ حياته بفرصة جديدة بعد سنوات...
وفي مساء شتوي هادئ، كانت كريمة تجلس في مكتبها القديم داخل المستشفى، عندما دخلت السكرتيرة وقالت
يا دكتورة... في شاب مستني برّه، بيقول إنه حفيد عمر رسلان.
اتجمدت كريمة للحظة.
قالت بهدوء
دخليه.
دخل شاب في منتصف العشرينات، ملامحه كانت تشبه عمر بشكل واضح، لكنه كان خجولًا ومنكس الرأس.
قال
أنا اسمي ياسين... وجدي عمر رسلان توفى من أسبوع.
ساد الصمت.
أكمل بصوت مكسور
قبل ما يموت طلب مني أجيلك.
وأخرج ظرفًا مختومًا.
فتحته كريمة، وكان فيه خطاب بخط يد عمر
يا كريمة... عارف إن مفيش كلام هيصلح اللي عملته. عشت باقي عمري ندمان، وكل يوم كنت بدعي إن ربنا يسامحني. لو وصل لك الخطاب ده، يبقى أنا رحلت. آخر طلب عندي... سامحيني لو تقدري، ولو متقدريش فأنا أستحق ده.
أغلقت كريمة الخطاب في هدوء.
ثم نظرت إلى ياسين وسألته
إنت جاي تطلب إيه؟
قال بسرعة
ولا حاجة... أنا جيت أنفذ وصيته بس. ومش عايز أي فلوس ولا ميراث. بالعكس... جدي كتب كل اللي كان فاضل باسمي، وأنا قررت أتبرع بيه للمستشفى.
تفاجأت كريمة.
قال ياسين
يمكن ده ميكفرش عن اللي عمله... لكنه ينفع ناس محتاجة.
ابتسمت كريمة لأول مرة.
وقالت
التبرع هينقذ أرواح كتير... وربنا وحده هو اللي يحاسب كل إنسان على أفعاله.
مد ياسين يده، فصافحته.
وفي الخارج، كان الأطفال
نظرت كريمة إليهم وقالت
في الآخر... الخير هو الشيء الوحيد اللي بيفضل بعد ما كل الناس تمشي.
وبذلك أُغلقت آخر صفحة من قصة بدأت بالخداع، وانتهت بأن أصبح الألم سببًا في حياةٍ جديدة لكثير من الناس بعد شهر من زيارة ياسين...
كان العمال بيجهزوا جناحًا جديدًا في المستشفى، وعلى المدخل اتعلقت لافتة كبيرة
جناح الأمل... تبرع من عائلة رسلان.
وقفت كريمة تبص للافتة شوية، ثم قالت بهدوء
المهم إن الفلوس رجعت تنفع الناس.
في يوم الافتتاح، كان فيه عشرات الأطفال وأهاليهم، وكلهم بيدعوا لأي حد ساهم في بناء الجناح.
وفجأة، جري طفل صغير ناحية كريمة، وحضنها وهو بيقول
شكراً يا تيتة... الدكتور قال إني هخف.
ضحكت وهي شالته، وحست إن اللحظة دي أغلى من أي ثروة عرفتها في حياتها.
بعد الحفل، خرجت تتمشى في حديقة المستشفى.
كان الغروب بيصبغ السماء باللون البرتقالي.
وقف جنبها آدم وقال
ماما... لو رجع بيكي الزمن، ووقفتي قدام عمر أول يوم شوفتيه في دهب... كنتِ هتوافقي تتجوزيه؟
ابتسمت كريمة وهي تبص للسماء.
سكتت شوية، ثم قالت
لا... ما كنتش هوافق.
ضحك آدم وقال
يبقى بتندمي؟
هزت رأسها بالنفي.
أبدًا... لأني لو ما عشتش التجربة دي، ما كنتش هبقى كريمة اللي واقفة النهارده، ولا كنت إنت هتبقى ابني، ولا كان المستشفى ده اتبنى، ولا الأطفال دول كانوا لقوا فرصة للعلاج.
سكت آدم، ثم حضنها وقال
ربنا اختارك لرسالة أكبر من الألم اللي شفتيه.
نزلت دمعة من عين كريمة، لكنها كانت دمعة رضا.
وبينما كانت الشمس تغيب ببطء، ارتفع أذان المغرب من المسجد القريب.
رفعت كريمة يديها إلى السماء وهمست
الحمد لله... على كل ابتلاء كان بدايته وجع، ونهايته رحمة.
النهاية بعد سنوات طويلة...
أصبحت قصة كريمة تُدرَّس في ندوات عن العمل الخيري والصبر، لكن قليلين كانوا يعرفون الحقيقة كاملة.
وفي يوم، كانت حفيدتها الصغيرة ليان ترتب مكتبة البيت، فعثرت على صندوق خشبي قديم.
فتحته، فوجدت بداخله
صورة كريمة وعمر يوم زفافهما.
تقرير الأشعة الأول الذي أخبرها بخطورة حملها.
خطاب جد عمر.
ورسالة
جرت ليان إلى جدتها وقالت
تيتة... هو إيه الحاجات دي؟
ابتسمت كريمة، وربتت على رأسها.
دي ذكريات من زمن بعيد.
سألتها ليان ببراءة
ليه احتفظتي بيها لو كانت بتوجعك؟
ابتسمت كريمة وقالت
عشان لما أكبر في السن، أفضل فاكرة إن الإنسان ممكن يقع، وممكن الدنيا تكسره... لكن يقدر يقوم تاني.
ثم أمسكت تقرير الأشعة القديم وقالت
الورقة دي كانت يومها معناها إن حياتي انتهت... لكن النهارده هي مجرد ذكرى بتفكرني إن رحمة ربنا أكبر من أي خوف.
احتضنتها ليان وقالت
نفسي أبقى زيك يا تيتة.
ضحكت كريمة وقالت
لا يا حبيبتي... ابقي أحسن مني. اتعلمي من أخطائي، ومتثقيش في حد ثقة عمياء، وفي نفس الوقت متخليش قلبك يقسى.
وفي المساء، جلست الأسرة كلها حول مائدة واحدة.
نظر آدم إلى أمه وقال
كل اللي عندنا النهارده بدأ بدعوة منك وإنتِ قاعدة على رصيف المستشفى، خايفة على ابنك.
ابتسمت كريمة وقالت
لا... بدأ برحمة ربنا.
وساد المكان صمت جميل، لا يقطعه إلا ضحكات الأحفاد.
كانت تلك الضحكات هي التعويض الحقيقي عن كل دمعة ذرفتها كريمة في شبابها، لتبقى قصتها شاهدة على أن الصبر، مع السعي والعدل، قد يفتح أبوابًا لم يكن الإنسان يتخيلها يومًا بعد مرور أعوام، وفي عيد ميلاد كريمة الثمانين، اجتمعت الأسرة كلها في حديقة المستشفى التي بدأت منها رحلتها الجديدة.
وقف آدم يحمل الميكروفون وقال
النهارده مش بنحتفل بعيد ميلاد أمي بس... إحنا بنحتفل بإنسانة غيّرت حياة آلاف الأسر.
صفق الجميع، بينما كانت كريمة تبتسم في هدوء.
ثم تقدمت ليان، التي أصبحت طبيبة مثل والدها، وقدمت لجدتها صندوقًا صغيرًا.
قالت
افتحيه يا تيتة.
فتحت الصندوق، فوجدت مفتاحًا فضيًا.
سألتها وهي تضحك
مفتاح إيه ده؟
قالت ليان
ده مفتاح أول مستشفى جديد بنيناه في الصعيد، وهيتسمى مركز كريمة كامل للأم والطفل.
امتلأت عينا كريمة بالدموع.
قالت بصوت متأثر
أنا كنت فاكرة إن حياتي هتنتهي في شقة إيجار صغيرة وأنا بعدّ الجنيهات... وربنا كتبلي أشوف ده كله.
اقترب آدم منها وقبّل رأسها وقال
لأنك لما ربنا فتح عليك، مفتكرتيش نفسك... افتكرتي الناس.
وفي
استغرب الحاضرون.
ثم قالت
الدقيقة دي لكل إنسان اتظلم... ولكل أم خافت على ابنها... ولكل واحد فاكر إن مفيش أمل. افتكروا دايمًا إن ربنا قادر يغيّر الحال في لحظة.
رفع الجميع أيديهم بالدعاء.
وبينما كانت الشمس تميل إلى الغروب، نظرت كريمة إلى المستشفى، ثم إلى أبنائها وأحفادها، وقالت بابتسامة مطمئنة
دلوقتي أقدر أقول إن رسالتي في الدنيا اكتملت.
وبعد سنوات، حين رحلت كريمة عن الدنيا، لم يترك الناس سيرتها تُنسى.
ظل اسمها منقوشًا على أبواب المستشفيات التي ساعدت في بنائها، وعلى قلوب الأطفال الذين كبروا لأنهم وجدوا علاجًا في الوقت المناسب.
وهكذا انتهت الحكاية، لكن بقي أثرها حيًا، لأن الخير الصادق لا ينتهي برحيل صاحبه. النهاية
بعد سنوات طويلة من كل ما حدث، كانت كريمة قد تجاوزت الثمانين من عمرها، وأصبحت مستشفياتها ومؤسساتها الخيرية تعالج
آلاف الأمهات والأطفال مجانًا كل عام.
وفي صباح يوم هادئ، طلبت أن يجتمع أبناؤها وأحفادها حولها.
ابتسمت وهي تنظر إلى آدم، ثم إلى أحفادها، وقالت
أوعوا تخلوا الفلوس أكبر من الرحمة... ولا الانتقام أكبر من العدل... ولا الوجع يمنعكم تعملوا خير.
ثم أخرجت من درج صغير تقرير الحمل القديم، والرسالة التي غيرت حياتها، وقالت وهي تبتسم
الورق ده كان سبب أكبر وجع في حياتي... لكنه كان كمان بداية أكبر نعمة.
أمسك آدم يدها وقال والدموع في عينيه
لولا صبرك، ما كنتش أنا هنا... ولا كان آلاف الأطفال دول عاشوا.
ابتسمت كريمة في رضا، ورددت بهدوء
الحمد لله... ربنا عمره ما بيضيع حق حد.
وبعد أيام، رحلت كريمة إلى رحمة الله وهي مطمئنة، بعدما تركت وراءها أثرًا لا يُنسى.
وفي يوم جنازتها، خرج الآلاف يودعونها؛ أمهات كنَّ يومًا عاجزات عن شراء الدواء، وأطفال أصبحوا شبابًا لأنهم وجدوا العلاج في مستشفياتها، وأطباء تعلموا أن الطب ليس مهنة فقط، بل رسالة.
وعلى مدخل أول مستشفى أسسته، نُقشت عبارة أوصت بها قبل وفاتها
إذا أنعم الله عليك، فاجعل نصيبًا من نعمتك لمن لا يملكها... فالخير وحده هو الذي يبقى.
وهكذا انتهت