6 سنين

لمحة نيوز

انتهاء الحفل، وبينما كانت كريمة تستعد للمغادرة، استوقفها رجل مسن يستند إلى عصاه.
قال بهدوء
إنتِ مدام كريمة كامل؟
ابتسمت وقالت
أيوه... اتفضل.
أخرج من جيبه ظرفًا قديمًا اصفرّ من الزمن.
أنا كنت السكرتير الشخصي لجد عمر رسلان. قبل ما يتوفى بأيام سلمني الظرف ده، وقال لو في يوم كريمة عرفت الحقيقة، ووصلت للي هي فيه، سلّمها الرسالة بنفسك.
ارتجفت يدها وهي تفتح الظرف.
كان فيه خطاب بخط يد الجد
يا كريمة... لو وصلتك رسالتي، فأنا غالبًا مش موجود في الدنيا. أنا كتبت الوصية وأنا فاكر إن حفيدي هيختار يكون راجل محترم، وهيعاملك بما يرضي الله، لكني أخطأت في تقديره. لو ظلمك، فسامحيني بالقدر اللي تقدري عليه، واعرفي إنك لم تكوني يومًا سببًا في أي أذى. أنتِ كنتِ الاختيار الصحيح... لكنه كان الشخص الخطأ.
نزلت دموع كريمة وهي تطوي الخطاب.
ثم سألت الرجل
حضرتك ليه استنيت كل السنين دي؟
ابتسم وقال
لأن وصيته كانت واضحة... الرسالة تتفتح بعد ما تقف كريمة على رجليها، من غير ما تحتاج لحد.
ابتسمت كريمة، ونظرت إلى آدم الذي كان يتحدث مع مجموعة من الأطفال داخل المستشفى.
همست
الحمد لله... ربنا عوضني بابني، وبراحة البال، وبناس بتحبني بصدق.
وفي تلك اللحظة، شعرت أن آخر صفحة من الماضي قد أُغلقت بالفعل، وأن الحياة التي بدأت بالألم انتهت بالسلام بعد أسبوع من استلام الرسالة...
كانت كريمة قاعدة في مكتبها بالمستشفى، تراجع ملفات المرضى، لما السكرتيرة خبطت على الباب.
مدام كريمة... في راجل مُسن برّه، بيقول إنه لازم يشوف حضرتك. بيقول إنه يعرف سرًا عن والد حضرتك.
رفعت كريمة رأسها بسرعة.
والدي؟
دخل الرجل ببطء، وكان في أواخر السبعينيات، يحمل حقيبة جلدية قديمة.
جلس وقال
أنا اسمي محمود.
كنت صديق والدك... والسر اللي هقولهولك أخفيته أكتر من ثلاثين سنة.
اتسعت عينا كريمة.
فتح الحقيبة وأخرج ألبوم صور قديم.
كانت أول صورة لرجل شاب يحمل طفلة رضيعة... وكانت الطفلة هي كريمة.
قال محمود
والدك ووالد عمر كانوا أصحاب فعلًا... لكن مش مجرد أصحاب. والدك أنقذ حياة جد عمر في حادث كبير، ورفض ياخد أي مقابل. ومن يومها، عائلة رسلان فضلت مدينة ليه بالجميل.
ثم أخرج رسالة أخرى.
دي آخر رسالة كتبها والدك قبل وفاته.
فتحتها كريمة وقرأت
لو كبرت بنتي من غيري، أتمنى تتعلم إن الكرامة أغلى من المال، وإن الخير اللي بيتعمل بإخلاص بيرجع لصاحبه ولو بعد سنين.
أغلقت الرسالة وهي تبكي.
قال محمود
والدك كان هيفرح بيكي جدًا لو شاف اللي وصلتي له.
في تلك اللحظة دخل آدم، الذي أصبح طبيبًا شابًا، وقال مبتسمًا
ماما... أول عملية ولادة عملتها النهارده نجحت، والأم والطفل بخير.
نظرت إليه كريمة، ثم إلى رسالة والدها، وشعرت أن الدائرة اكتملت.
ابتسمت وقالت
الحمد لله... يمكن ربنا أخّر فرحتي سنين، لكنه لما عوضني... عوضني فوق ما كنت أتمنى.
وانتهت الحكاية، لكن ظل اسم كريمة كامل رمزًا للمرأة التي خرجت من أصعب المحن، ولم تسمح للألم أن يحولها إلى شخص قاسٍ، بل جعلته سببًا في إنقاذ حياة الآخرين بعد عدة أشهر...
في صباح هادئ، كانت كريمة تتمشى في حديقة المستشفى، عندما رن هاتفها.
المتصل كان رقمًا غير مسجل.
ردت بحذر
ألو؟
جاءها صوت امرأة مسنة
أنا والدة شيرين... ومحتاجة أقابلك لو سمحتي.
سكتت كريمة لحظة، ثم وافقت.
بعد ساعة، دخلت السيدة إلى مكتبها، وكانت تبدو مرهقة وكأن السنين أثقلت كتفيها.
قالت وهي تخرج صندوقًا خشبيًا صغيرًا
بنتي ماتت من شهر بعد مرض طويل... وقبل ما تموت فضلت تبكي، وقالتلي
روحي لكريمة... وسلّميها الصندوق ده.
ترددت كريمة قبل أن تفتحه.
في داخله كانت هناك مذكرات صغيرة، ومعها خطاب.
قرأت أول سطر
يا كريمة... أنا ظلمتك، ومفيش كلمة هتمحي اللي عملته. كنت فاكرة إن الفلوس هتجيب السعادة، لكن خسرت كل حاجة.
أكملت القراءة بصمت.
اعترفت شيرين في الرسالة أنها شاركت في الكذب، لكنها أكدت أن كثيرًا من القرارات كانت من عمر وحده، وأنها عاشت سنواتها الأخيرة نادمة.
أغلقت كريمة الرسالة، ثم نظرت إلى والدة شيرين.
قالت السيدة وهي تبكي
عارفة إنك مش مطالبة تسامحيها... لكن كان نفسي أنفذ آخر وصية ليها.
تنهدت كريمة وقالت بهدوء
ربنا هو أعدل من أي حد. وأنا مش هعيش بقيّة عمري شايلة كراهية في قلبي.
ثم أغلقت الصندوق، وقالت
ربنا يرحمها.
خرجت السيدة وهي تدعو لكريمة من قلبها.
وقف آدم عند الباب، وكان قد سمع آخر الكلمات.
ابتسم وقال
ماما... إنتِ قوية.
هزت رأسها وقالت
لا يا آدم... القوة الحقيقية إن الإنسان يقدر يكمل حياته من غير ما يسمح للماضي يسرق منه السلام.
ثم خرج الاثنان من المكتب متجهين إلى قسم الأطفال، حيث كان ينتظرهما طفل صغير يحتاج إلى عملية عاجلة... وكانت تلك بداية حكاية جديدة مع أسرة أخرى، تحمل أملًا جديدًا بدلًا من الألم القديم دخلت كريمة وآدم غرفة الطفل.
كانت الأم واقفة تبكي، والأب يحاول يطمنها وهو نفسه منهار.
أول ما شافت كريمة الملف، افتكرت نفسها من سنين... وهي قاعدة قدام الدكتور، ومش معاها تمن العلاج.
ابتسمت للأم وقالت
متقلقيش... العملية هتتعمل، ومش هتدفعي جنيه واحد.
الأم بصتلها بعدم تصديق.
بس... إحنا مش معانا فلوس خالص.
مسكت كريمة إيدها وقالت
ولا أنا كان معايا زمان... وربنا سخر لي ناس وقوانين أنصفتني. النهارده جه دوري أكون سبب
في نجاة غيري.
خرجت الأم وهي تدعي لها بحرقة.
بعد نجاح العملية، انتشرت القصة على وسائل الإعلام، وبدأ رجال أعمال كثيرون يتبرعون للمستشفى، فأصبحت تستقبل آلاف الحالات مجانًا كل عام.
وفي مساء أحد الأيام، كانت كريمة تقفل مكتبها، فوجدت ظرفًا أبيض على مكتبها دون اسم.
فتحته بحذر.
كان بداخله شيك بمبلغ كبير جدًا، ورسالة قصيرة
ده جزء من مال ظلم خرج من أصحابه... استخدميه في علاج الناس. ولا تحاولي تعرفي مين أنا.
ابتسمت كريمة، لكنها لم تحاول البحث عن صاحب الرسالة.
قالت في نفسها
المهم إن الخير وصل لمكانه.
وضعت الشيك في حساب المؤسسة الخيرية، وفي العام التالي افتتحت فرعًا جديدًا للمستشفى في محافظة أخرى، حتى يصل العلاج المجاني إلى عدد أكبر من الأسر.
وفي يوم الافتتاح، وقف آدم بجوارها وقال
ماما... كل اللي حصل زمان كان قاسي... لكن لو رجع بي الزمن، يمكن ماكنّاش هنقدر ننقذ كل الناس دي.
ابتسمت كريمة وقالت
ربنا أحيانًا يحوّل الجرح إلى رسالة، والوجع إلى سبب في إنقاذ حياة ناس كتير.
وهكذا استمرت حياة كريمة، لا تبحث عن الانتقام، بل عن الأثر الطيب، حتى صار اسمها يُذكر دائمًا مع الرحمة والعطاء، وأصبحت قصتها مثالًا على أن الإنسان يستطيع أن يحول أقسى المحن إلى بداية مليئة بالأمل بعد خمس سنوات أخرى...
كان آدم قد أنهى تخصصه في طب النساء والتوليد، وأصبح يعمل مديرًا طبيًا في مستشفى الأمل.
وفي أحد الأيام، دخلت فتاة شابة إلى المستشفى وهي تبكي، تحمل ملف حملها، وتقول للاستقبال
لو سمحتوا... الدكتور قال إن لازم أبدأ علاج النهارده، وأنا معاياش غير ٣٠٠ جنيه.
سمع آدم صوتها، فتوقف مكانه.
أخذ الملف منها، ثم ابتسم وقال
العلاج هيبدأ دلوقتي، ومش هتدفعي حاجة.
خرجت الفتاة وهي تدعو له،
بينما وقف آدم ينظر إلى صورة كبيرة معلقة على الحائط لوالدته كريمة، مكتوب تحتها
لا يُرفض مريض بسبب عجزه عن
تم نسخ الرابط