6 سنين

لمحة نيوز

وخالف شروطها أكتر من مرة.
سألته وأنا قلبي بيدق
وإيه المطلوب مني؟
قال بحزم بكرة الساعة 11 تيجي المكتب، ومعاكي كل التقارير الطبية، وأي تحليل أو روشتة من أول جوازكم. لأن لو ثبت إنه كان بيديكي أدوية أو موانع حمل من غير علمك، فدي جريمة، ومش مجرد خلاف بين زوجين.
قفل المكالمة بعد ما أكد عليا محدش يعرف.
خرجت من الأوضة، لقيت عمر واقف عند الباب.
بصلي وقال كنتي بتكلمي مين؟
ابتسمت بهدوء لأول مرة من سنين وقلت المدرسة... بيسألوا عليا.
فضل يبصلي ثواني، لكنه مصدقش.
وفي نفس اللحظة، رن تليفونه.
بص للشاشة، واتغير لون وشه فجأة.
الاسم اللي ظهر قدامه كان
فؤاد السيوفي.
عرف وقتها إن اللعبة اللي فضل متحكم فيها ست سنين... بدأت تخرج من إيده عمر بص للشاشة للحظات، لكن مردش.
الرنة وقفت.
بعدها بثواني وصلتله رسالة، فتحها بسرعة، ووشه شحب.
بصيت من بعيد، ولحقت أقرا أول سطر قبل ما يقفلها
بكرة الساعة 11 آخر فرصة ليك قبل ما الملف يتسلم للنيابة.
رفع عينه ناحيتي، لأول مرة أشوف الخوف في عينيه.
قال وهو بيحاول يتماسك أنا مضطر أسافر الشغل يومين. لو احتجتي أي حاجة كلمي الكارت اللي في الدرج.
ابتسمت بهدوء وقلت حاضر.
خرج من الشقة بسرعة، وأول ما الباب اتقفل، مسكت شنطتي ونزلت.
في اليوم التالي، وصلت مكتب المحامي فؤاد السيوفي.
أول ما دخلت، رحب بيا وقال اتفضلي يا بنتي... كنت مستني اليوم ده من ست سنين.
طلع ملف ضخم من الخزنة، وحطه قدامي.
فتح أول صفحة.
كانت صورة عقد جوازي أنا وعمر.
لكن المرفقات كانت صادمة.
تقارير بتحويلات بملايين الجنيهات باسم شيرين، ورسائل بين عمر ومدير شركة أدوية، وأوامر مكتوبة بخط إيده بصرف حبوب هرمونية من غير أي وصفة باسمي.
ثم وضع أمامي فلاشة وقال عليها تسجيلات وكاميرات
تثبت كل حاجة.
سألته وأنا مصدومة ليه حضرتك مستني كل السنين دي؟
تنهد وقال لأن الوصية كانت بتمنعني أتكلم إلا إذا اكتشفتي الحقيقة بنفسك... أو لو تعرضت حياتك أو حياة طفلك للخطر.
ثم أخرج آخر ورقة.
وقال دي أهم ورقة في الملف.
بصيت فيها، وكانت عبارة عن ملحق للوصية، مكتوب فيه بوضوح
إذا ثبت أن عمر رسلان تعمد إيذاء زوجته أو خداعها أو حرمانها من الإنجاب، يُحرم نهائيًا من جميع حقوقه في مجموعة رسلان، وتنتقل إدارة المجموعة إلى مجلس الأمناء حتى يصدر القضاء حكمه.
وقبل ما أستوعب اللي قريته...
باب المكتب اتفتح بعنف.
ودخل عمر... وخلفه شيرين، ومعاهم أربعة محامين.
بصلي وقال بنبرة واثقة
الملف ده مش هيخرج من هنا... حتى لو اضطر أشتري المبنى كله عمر دخل بخطوات ثابتة، وشيرين واقفة وراه بابتسامة كلها ثقة.
لكن المحامي فؤاد ما اتحركش من مكانه.
قفل الملف بهدوء، وقال اتأخرت يا أستاذ عمر.
ابتسم عمر بسخرية قول رقمك يا أستاذ فؤاد... كام وتنسى كل اللي في الملف ده؟
المحامي ضحك ضحكة قصيرة وقال للأسف... في نسخة هنا، ونسخة عند القاضي، ونسخة عند النيابة. والملف خرج من المكتب من ساعة ما دخلت.
اتغير لون وش عمر.
في اللحظة دي، دخل ظابط شرطة ومعاه أمر من النيابة بالتحفظ على المستندات وسماع أقوال الجميع.
شيرين اتوترت، وقالت بسرعة أنا مالي؟! أنا مجرد موظفة!
لكن الظابط طلع ورقة وقال التحويلات المالية اللي وصلتك بالملايين، ورسائل الاتفاق مع شركة الأدوية، بتقول غير كده.
انهارت شيرين، وقعدت تعيط.
وقالت وهي بتشاور على عمر هو اللي خطط لكل حاجة... أنا كنت بنفذ أوامره بس.
عمر صرخ فيها اسكتي!
لكن بعد فوات الأوان.
بعد شهور من التحقيقات، أثبتت التقارير الطبية إن كريمة تعرضت بالفعل لإعطاء أدوية
من غير علمها، وإن ده كان سببًا في أضرار صحية جسيمة وتعريض حملها للخطر.
وصدر الحكم بمعاقبة كل من ثبتت مسؤوليته وفق ما انتهت إليه المحكمة، بينما استعادت كريمة حقوقها القانونية كاملة.
أما طفلها...
فبعد رحلة علاج طويلة ورعاية دقيقة، استجاب للعلاج، وجاء اليوم الذي سمع فيه الجميع أول صرخة له في غرفة الولادة.
حملته كريمة بين ذراعيها وهي تبكي من الفرح، وقالت
الحمد لله... ربنا عوضني عن كل وجع شفته.
وانتهت الحكاية برسالة بسيطة
قد ينجح الكذب في إخفاء الحقيقة لفترة، لكنه لا يستطيع أن يخفيها إلى الأبد، والظلم مهما طال، يأتي يوم يُحاسَب فيه صاحبه بعد مرور سنة...
كانت كريمة قاعدة في شرفة بيتها الجديد، وابنها الصغير، آدم، بيلعب على سجادة مليانة ألعاب، وضحكته مالية المكان.
دخل عليها المحامي فؤاد بابتسامة وقال
مبروك يا بنتي... النهارده المحكمة أغلقت آخر قضية، وكل حقوقك اتسجلت رسميًا.
ابتسمت كريمة وقالت
أكبر حق رجعلي مش الفلوس... أكبر حق إن ابني اتولد سليم، وإني عرفت أعيش من غير خوف.
في نفس الوقت...
كان عمر قاعد لوحده في زنزانته، ماسك صورة قديمة ليه مع كريمة يوم كتب الكتاب.
افتكر كل مرة كانت تستناه على العشا، وكل مرة كانت توفر من مرتبها علشان تساعده، وكل مرة كانت تدعيله وهو كان بيخدعها.
همس لنفسه
خسرت الإنسانة الوحيدة اللي حبتني بجد.
لكن الندم جه بعد ما كل حاجة انتهت.
بعد أيام، قررت كريمة تبيع كل الذهب اللي اشترته بعد ما استردت حقوقها، وتستخدم جزءًا من أموالها في إنشاء مؤسسة خيرية لعلاج السيدات غير القادرات على تحمل تكاليف الحمل والعلاج.
وقالت في افتتاح المؤسسة
أنا عرفت يعني إيه واحدة تقف قدام دكتور ومعاهاش تمن الدوا... ومش هسمح إن غيري يعيش نفس الوجع.

تحولت المؤسسة خلال سنوات إلى ملجأ لمئات الأسر، وأصبح اسم كريمة مرتبطًا بالخير أكثر من أي ثروة حصلت عليها.
وفي أحد الأيام، سألها آدم وهو عنده خمس سنين
ماما... هو بابا فين؟
سكتت لحظة، وربتت على شعره وقالت بابتسامة هادئة
باباك أخطأ أخطاء كبيرة، وكل إنسان بيتحمل نتيجة أفعاله. لكن أنت ملكش ذنب في أي حاجة، وهتفضل دايمًا ابن يستحق كل الحب.
ابتسم آدم وحضنها، بينما رفعت كريمة عينيها للسماء وقالت
الحمد لله... أحيانًا النهاية اللي بنفتكرها خسارة، بتكون في الحقيقة بداية حياة جديدة بعد عشر سنوات...
كانت قاعة كبيرة مليانة ناس في افتتاح مستشفى خيري جديد يحمل اسم مستشفى الأمل للأم والطفل.
وقفت كريمة على المنصة، وبجوارها ابنها آدم، اللي بقى شابًا مهذبًا ومتفوقًا في دراسته.
قال المذيع
المستشفى دي اتبنت بالكامل من تبرعات مؤسسة كريمة كامل، وهدفها إن محدش يتحرم من العلاج بسبب الفلوس.
صفق الجميع بحرارة.
بعد انتهاء الحفل، اقترب آدم من أمه وقال
ماما... أنا قررت أدخل كلية الطب.
ابتسمت والدموع في عينيها.
ليه يا حبيبي؟
قال وهو ينظر إلى المستشفى
عشان كل طفل يكون عنده فرصة يعيش... ومفيش أم تقف عاجزة لأنها مش معاها تمن العلاج.
حضنته بقوة، وشعرت أن كل سنوات الألم لم تذهب هباءً.
وفي طريق العودة، مرّت السيارة بجوار الحي القديم الذي كانت تسكن فيه مع عمر.
طلبت من السائق أن يتوقف قليلًا.
نزلت، ونظرت إلى العمارة القديمة، وتذكرت الليالي التي كانت تحسب فيها كل جنيه، وتظن أن الفقر هو أصعب ما يمكن أن يواجه الإنسان.
ثم ابتسمت وقالت لنفسها
لا... أصعب حاجة كانت الخداع، لكن الحمد لله ربنا نجاني منه.
أمسك آدم بيدها وقال
يلا يا ماما... عندنا مرضى مستنيينك في المستشفى.
ابتسمت، ومشت
معه بخطوات ثابتة، وهي تشعر أن الماضي لم يعد يقيدها، بل صار درسًا علّمها كيف تبدأ من جديد.
تمت بعد
تم نسخ الرابط