بابا

لمحة نيوز

محصلوش حاجة... أنا اللي ضهري وجعني.
الأب كان يقرأ بصعوبة، والدموع بتنزل على الأوراق.
كل يوم كانت بنته تكتب له رسالة... ولا رسالة وصلت.
ضمها إلى صدره وقال
من النهارده، مفيش رسالة هتستخبى عني.
ابتسمت البنت بخجل.
كنت فاكرة لما أكبر هديهملك كلهم.
قال وهو يمسح دموعه
وأنا هحتفظ بيهم طول عمري.
في الأيام التالية، بدأ البيت يتغير.
استعان الأب بمربية مؤقتة تساعده في رعاية الرضيع أثناء وجوده في العمل، ورتب مواعيده بحيث يقضي أكبر وقت ممكن مع طفليه.
أما الطفلة، فعادت إلى الحضانة.
في أول يوم، جريت تلعب مع أصحابها، وكانت المعلمة تراقبها وهي تبتسم.
قالت لوالدها
دي أول مرة أشوفها بتضحك من قلبها بالشكل ده.
ابتسم الأب، لكنه كان يعرف أن شفاءها الحقيقي هيحتاج وقت وصبر.
وفي طريق العودة إلى البيت، كانت الطفلة ماسكة إيده وقالت
بابا... النهارده ضهري مش بيوجعني.
ابتسم وهو ينظر إليها، وشعر أن تلك الجملة كانت أجمل مكافأة حصل عليها في حياته.
تمت بعد سنة...
مرّ عام كامل.
كبر الرضيع، وبقى يجري في البيت وهو ينادي أخته
نونة... استنيني!
أما هي، فبقت في تانية ابتدائي، ورجعت تضحك وتلعب مع أصحابها، ورسمت في
المدرسة لوحة كبيرة لعيلتها.
لما المدرسة عملت معرض، وقف الأب قدام اللوحة.
كانت مرسومة فيها شمس كبيرة، وكلبهم العجوز، وهو ماسك إيد بنته، وشايل أخوها على كتفه.
وفي آخر الرسمة كتبت
دلوقتي بقيت بنت... مش أم.
الأب مقدرش يمنع دموعه.
معلمة الفصل قربت منه وقالت
بنتك شاطرة جدًا، لكنها لحد دلوقتي أول ما تسمع طفل بيعيط، بتقوم تجري عليه تلقائيًا.
تنهد الأب.
كان عارف إن بعض الجروح بتخف... لكن بتسيب أثر.
بدأ ياخدها مع أخصائية نفسية للأطفال، ومع الوقت بقت تتعلم إن مسؤولية الكبار مش مسؤولية الأطفال.
وفي يوم عيد ميلادها الثامن، جمع أصحابها في البيت.
ولما جه وقت تقطيع التورتة، طلبت أمنية.
قال لها أبوها
اتمني يا حبيبتي.
ابتسمت وقالت
أتمنى مفيش طفل في الدنيا يشيل هم أكبر منه.
ساد الصمت لثوانٍ...
ثم بدأ الجميع يصفق لها، بينما احتضنها والدها بقوة، وهو يحمد الله أن أنقذها قبل أن تفقد طفولتها إلى الأبد. بعد خمس سنوات...
كانت الطفلة قد أصبحت في الثانية عشرة من عمرها.
دخلت غرفتها وهي تراجع حقيبتها المدرسية، ثم خرجت وهي تبتسم.
الأب كان واقف في المطبخ بيحضر الفطار، وأخوها الصغير بقى في أولى ابتدائي،
يضحك ويجري في البيت.
قالت وهي تقعد جنبه
فاكر يا بابا أول مرة عملتلي بان كيك؟
ضحك وقال
أول مرة اتحرق مني ثلاث مرات!
ضحكت من قلبها، وقالت
بس كان أحلى بان كيك كلته.
رن جرس الباب.
فتح الأب، فوجد سيدة تحمل طفلًا صغيرًا، وملامحها متوترة.
قالت بخجل
حضرتك ما تعرفنيش... لكن أنا سمعت قصتك من الأخصائية الاجتماعية.
دخلت وهي تمسك يد طفلها.
كنت بضغط على بنتي الكبيرة تشيل أخوها، وافتكرت إن ده عادي... لحد ما سمعت اللي حصل لبنتك. جيت أشكرك، لأن قصتها خلتني أراجع نفسي قبل ما أخسر بنتي.
نظر الأب إلى ابنته.
ابتسمت بهدوء، واقتربت من الطفلة الصغيرة التي جاءت مع السيدة.
جلست بجانبها وقالت
روحي العبي... وسيبي أخوكي مع مامتك.
ابتسمت الطفلة وجريت تضحك في الجنينة.
السيدة مسحت دموعها وقالت
يمكن كلمة منك أنقذت بيت كامل.
نظر الأب إلى ابنته بفخر.
لم تعد تلك الطفلة المنهكة التي كانت تحمل رضيعًا وجردل ماء وهي في السابعة من عمرها.
أصبحت فتاة قوية... تعرف أن الطفولة حق، وليست مسؤولية.
وأغلق باب البيت، وهو يشعر أن أصعب معركة خاضها في حياته... كانت أيضًا أكثر معركة تستحق أن يخوضها. النهاية بما أن القصة انتهت
بالفعل، فلو كتبنا تكملة ستكون قصة جديدة تدور بعد النهاية. إليك بداية فصل جديد
الفصل الجديد بعد خمسة عشر عامًا
وقف الأب في الصفوف الأولى داخل قاعة تخرج ابنته من كلية الطب.
كانت ترتدي بالطو الأبيض، وعلى صدرها بطاقة باسمها.
لما نادوا اسمها، صعدت تستلم شهادتها، ثم بدل ما تنزل مباشرة، طلبت الميكروفون.
ابتسمت وقالت
قبل أي حد... عايزة أشكر أبويا.
القاعة كلها سكتت.
أشارت إليه وسط الحضور.
وأنا عندي سبع سنين، كنت فاكرة إن دوري في الدنيا إني أربي أخويا وأشيل مسؤولية أكبر مني. لكن أبويا علمني إن الطفل من حقه يعيش طفولته، وإن الحب الحقيقي هو الحماية، مش تحميل المسؤولية.
الأب دمعت عيناه.
وأخوها، الذي أصبح شابًا، وقف يصفق وهو ينظر إليها بفخر.
بعد انتهاء الحفل، اقترب منهما رجل في الخمسين من عمره.
قال للطبيبة الشابة
حضرتك فاكراني؟
نظرت إليه قليلًا، ثم هزت رأسها بالنفي.
ابتسم وقال
أنا المسعف اللي شالك يوم دخلتي المستشفى. وقتها قلت لوالدك البنت دي هتخف... لكنها محتاجة حد يحس إنها طفلة.
ابتسمت وهي تصافحه.
ثم قالت
الحمد لله... لقيت الشخص ده في الوقت المناسب.
وأمسكت يد والدها، بينما كانت عدسات
الكاميرات تلتقط صورة جمعت الأسرة كلها، بعد سنوات طويلة من الألم الذي تحول إلى بداية جديدة.

تم نسخ الرابط