بابا
المحتويات
رأسها بالنفي.
لأ... بس كانت بتسيبني أنا وأخويا لوحدنا ساعات كتير. وأنا كنت بخاف عليه يعيط، فأشيله لحد ما ضهري يوجعني.
الدكتورة قالت
وده يفسر كل الإصابات اللي لقيناها.
في هذه اللحظة، خفضت الأم رأسها، لكنها ما زالت تحاول تبرير ما حدث.
كنت مضغوطة... ومكنش في حد يساعدني.
رد الأب بصوت هادئ لكنه حاسم
الضغط عمره ما يبرر إن طفلة تبقى مسؤولة عن رضيع وبيت كامل.
ثم أخرج فلاشة صغيرة من جيبه.
دي نسخة احتياطية من تسجيلات الكاميرات. كنت بعملها تلقائيًا من غير ما حد يعرف.
نظر الضابط إليها وقال
دي هتكون مهمة جدًا في التحقيق.
وبينما كانوا بيتكلموا...
رن موبايل الأب.
نظر إلى الشاشة، ثم أغلق الهاتف من غير ما يرد.
كان المتصل شخصًا لم يتوقعه أحد، والشخص ده كان هيكشف معلومة جديدة عن الأيام اللي كانت الأم بتقول فيها إنها نازلة تشتري حاجات...الأب بص للشاشة مرة تانية.
الاسم الظاهر كان
أمينة الحضانة.
استأذن من الضابط وخرج يرد.
أول ما فتح الخط، الست قالت بسرعة
الحمد لله إنك رديت. أنا بحاول أوصلك من أسبوعين.
اتجمد مكانه.
أسبوعين؟ ليه؟
قالت بتردد
بنتك كانت بتيجي الحضانة كل يوم وهي مرهقة جدًا. ساعات كانت تنام على الترابيزة، وساعات تقول إن ضهرها بيوجعها. كنا فاكرين إنها تعبانة.
سكتت لحظة، ثم أكملت
آخر أسبوع... والدتها بطلت تبعتها خالص، وكانت كل ما نتصل تقول إنها مريضة.
الأب حس بغصة في قلبه.
وهي كانت بتقولكم حاجة؟
مرة واحدة بس... قالتلي نفسي أرجع ألعب مع صحابي... بس لازم أقعد مع أخويا.
أنهى المكالمة وهو حاسس إن كل كلمة كانت سكين.
رجع أوضة المستشفى.
البنت كانت نايمة بعد ما المحلول بدأ يجيب نتيجة.
أما الرضيع، فكان أول مرة ينام بهدوء وهو في أبوه.
الضابط قال
بعد أقوال الشهود والتسجيلات، هيتم فتح
الأب هز رأسه بالموافقة.
وفي اللحظة دي...
الكلب العجوز، اللي كان نايم قدام باب الأوضة، وقف فجأة وبدأ يهز ديله.
الجميع بص ناحية الباب.
دخلت سيدة كبيرة في السن، ملامحها متعبة، وأول ما شافت الطفلة جريت عليها وهي بتبكي.
كانت جدة الأطفال...
لكن أول جملة قالتها للأب خلت الجميع ينظر إليها في صدمة
سامحني... أنا كنت عارفة إن بنتي بتسيب العيال لوحدهم... لكن ماكنتش أعرف إنها وصلت بيها للدرجة دي الأب وقف مكانه وهو غير مصدق.
بص لوالدة زوجته وقال بهدوء
يعني حضرتك كنتِ عارفة؟
نزلت دموعها وهي تهز رأسها.
كنت أعرف إنها كانت بتخرج كتير، وكانت تسيب البنت مع أخوها. وكل ما أعاتبها تقوللي دي بتتعلم تعتمد على نفسها.
سكتت وهي تبص لحفيدتها.
لكن لما كنت أطلب أشوفهم، كانت تمنعني، وتقول إنك مش بتحب حد يتدخل في حياتكم.
الأب أغلق عينيه للحظة.
كان يشعر بالذنب لأنه انشغل بالعمل، وصدق أن كل شيء في البيت بخير.
اقتربت الجدة من السرير.
ركعت أمام حفيدتها وقبّلت رأسها وهي تبكي.
سامحيني يا بنتي... يا ريتني كنت جيت أخدك عندي غصب.
الطفلة فتحت عينيها ببطء.
أول ما شافت جدتها، ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت
تيتة... أنا كويسة.
ثم مدت يدها الصغيرة وأمسكت بيد أبيها وبيد جدتها معًا.
وقالت بصوت ضعيف
متتخانقوش... أنا عايزة كل الناس تبقى كويسة.
الكلمات البسيطة دي خلت الموجودين كلهم يتأثروا.
وفي نفس اللحظة، دخل الضابط مرة تانية، ومعاه ورقة.
قال للأب
في تطور جديد... بعد مراجعة تسجيلات الكاميرات، لقينا إن في شخص كان بييجي البيت بشكل متكرر في غيابك، ولسه هنعرف هويته.
الأب رفع رأسه بسرعة.
شخص مين؟
رد الضابط
التسجيلات مش واضحة كفاية... لكن هنحاول نحسن الصورة،
وانتهى اليوم، لكن الحقيقة الكاملة لم تكن قد ظهرت بعد... وكانت المفاجأة التالية أكبر مما توقع الجميع في صباح اليوم التالي، وصل تقرير أولي من فريق فحص الكاميرات.
دخل الضابط الغرفة وقال
قدرنا نحسن جودة الصورة.
الأب وقف بسرعة.
مين الشخص؟
وضع الضابط صورة مطبوعة على الطاولة.
نظر الأب إليها... ثم تنفس الصعداء.
ده عامل توصيل.
قال الضابط
أيوه. راجعنا مواعيد دخوله وخروجه. كان بيوصل طلبات، ومفيش أي دليل إنه عمل حاجة غير شغله.
الأب شعر ببعض الارتياح، لكنه ازداد قلقًا من سؤال آخر.
أمال مراتي كانت بتسيب الأطفال لوحدهم كل الوقت ده ليه؟
في تلك اللحظة، دخلت الأم برفقة محاميها.
كانت ملامحها مختلفة عن اليوم السابق.
بصت إلى ابنتها، لكنها لم تجد الطفلة تنظر إليها.
قالت بصوت منخفض
أنا... غلطت.
ساد الصمت.
ثم أكملت وهي تبكي
افتكرت إن البنت كبرت وتقدر تساعدني، وكل يوم كنت أزود عليها شوية... لحد ما بقى ده الطبيعي بالنسبة لي. مكنتش متخيلة إنها بتتأذى بالشكل ده.
الأب رد بهدوء
الطفل لما يطيعك وهو خايف... ده مش معناه إنه قادر.
الجدة بدأت تبكي هي الأخرى.
أما الطفلة، فرفعت رأسها وقالت
يا ماما... أنا كنت بس عايزة .
انفجرت الأم في البكاء، لكنها عرفت أن الاعتذار وحده لن يمحو ما حدث.
الضابط أغلق الملف وقال
باقي الإجراءات هتكمل في النيابة، وهي اللي هتحدد المسؤوليات القانونية.
حمل الأب ابنه الرضيع، ثم أمسك يد ابنته برفق.
وقال لها مبتسمًا
أول ما تخرجي من المستشفى، هنروح نشتري عجلة جديدة... ونقضي يوم كامل في الملاهي.
ابتسمت الطفلة لأول مرة منذ أيام.
وشدت على يده الصغيرة وهي تقول
بجد يا بابا؟
ابتسم لها وقال
بجد... ومن النهارده، مفيش حد هيشيل
كانت أول مرة تمشي من غير ما تشيل أخوها على دراعها.
الأب حمل الرضيع بنفسه، ومد إيده لبنته.
يلا يا بطلة.
ابتسمت وهي ماسكة إيده بقوة، كأنها خايفة يختفي من جنبها.
بدل ما يرجعوا البيت مباشرة، وقف الأب قدام مدينة ملاهي صغيرة.
فتحت البنت عينيها بدهشة.
إحنا... هنلعب؟
ضحك لأول مرة من قلبه.
أيوه... النهارده مفيش مواعين، ولا جردل، ولا حفاضات... النهارده لعب وبس.
جريت ناحية المرجيحة وهي بتضحك.
لكن بعد دقايق وقفت فجأة.
رجعت لأبوها وقالت بخوف
ينفع ألعب؟... وأخويا؟
ركع قدامها وقال وهو
أخوكي مسؤوليتي أنا... مش مسؤوليتك إنتِ.
هزت رأسها، وراحت تلعب وهي بتضحك بصوت عالي.
كان صوت ضحكتها أول مرة يملأ المكان.
حتى الكلب العجوز كان بيجري وراها ويحرك ديله كأنه هو كمان ارتاح.
وفي المساء...
رجعوا البيت.
الأب وقف قدام باب المطبخ.
بص للجردل، وللحوض، وللمكان اللي لقى فيه بنته أول مرة.
من غير تردد، شال الجردل وحطه في المخزن.
وبعدها دخل أوضة بنته.
شال كل ألعاب أخوها اللي كانت متكومة فيها، ورجعها لأوضته هو.
ثم علّق على باب غرفتها لافتة صغيرة كتب عليها
غرفة طفلة... ممنوع دخول أي مسؤوليات.
البنت قرأت الجملة، وضحكت.
لكن وهي بترتب لعبها، لفت نظرها صندوق صغير تحت السرير.
قالت
بابا... الصندوق ده مش بتاعي.
الأب فتحه ببطء...
ولقى جواه عشرات الأوراق الصغيرة، كلها مكتوب عليها بخط بنته.
وكان أول سطر في أول ورقة
النهارده برضه مقدرتش أقولك الحقيقة...الأب قعد على الأرض وفتح أول ورقة.
كان التاريخ من شهر تقريبًا.
النهارده برضه مقدرتش أقولك الحقيقة... عشان ماما قالت إنك تعبان في الشغل، ولو زعلتك هتمرض.
فتح الورقة
النهارده أخويا فضل يعيط، وأنا معرفتش أعمل له الرضاعة، ففضلت أعيط معاه.
ثم ورقة ثالثة.
النهارده وقعت وأنا شايلاه، بس الحمد لله
متابعة القراءة