بابا
بابا... ضهري واجعني أوي..... ولما رجع البيت اكتشف الحقيقة اللي بنته كانت مخبياها بقالها أسابيع
الجزء الأول
بابا... ضهري واجعني أوي. مبقتش قادرة أشيل أخويا.
صوت البنت الصغيرة، عندها سبع سنين، كان متقطع وهي بتكلمه في التليفون. بعدها سمع صوت حاجة وقعت على الأرض، وعيط طفل رضيع، وصوت مية أو لبن مسكوب على سيراميك المطبخ.
مامتك فين؟ ردي عليا يا حبيبتي.
المكالمة اتقطعت.
كان الأب وقتها في دورة تدريبية تبع الشغل، على بعد حوالي أربعين دقيقة من البيت. اشتغل سنين طويلة في الجيش، وبعدها بقى مسؤول عن فرق إنقاذ الحوادث. كان حافظ كويس صوت الخوف، لكنه عمره ما حس بالرعب بالشكل ده.
طلع يجري من غير ما يفكر. وكلبه العجوز كان معاه في العربية لأنه كان ناوي يوديه للدكتور البيطري بعد ما يخلص. أول ما العربية اتحركت، الكلب فضل يبص للطريق وهو بيأن، كأنه حاسس إن في مصيبة مستنياهم.
فضل يتصل بمراته مرة ورا التانية... ولا مكالمة اترد عليها.
لما وصل البيت، كان شكله من بره طبيعي جدًا... النور منور، والجنينة مترتبة، وعجلة بنته الصغيرة مركونة قدام الباب.
لكن باب البيت كان مفتوح.
الكلب جري على المطبخ.
لقى بنته راكعة على الأرض وهي بتمسح السائل اللي اتكب، وبإيدها التانية شايلة أخوها الرضيع. شفايفها ناشفة، وإيديها حمرا، وفي كدمة بنفسجية واضحة جنب كتفها.
قالت وهي بتحاول تقوم
آسفة يا بابا... ملحقتش أخلص. ماما قالت لو الأرض فضلت لازقة لما ترجع، مش هتدينا ناكل.
الأب أخد الطفل بسرعة بنته. جسمها كان مولع من السخونية، وكانت واقفة بالعافية، حتى نفسها كان باين إنه بيوجعها.
من إمتى وإنتِ لوحدك مع أخوكي؟
من الصبح. ماما قالت إنها نازلة تشتري حاجات. وبعتتلي رسايل قالتلي أغسل المواعين، وأمسح الأرض، وأغيرله الحفاض..
بص حواليه في المطبخ...
لبن أطفال متكوب، أطباق مكسورة، جردل تقيل جنب البوتاجاز، وحفاضات متكومة.
المشهد كله كان بيقول إن ده مش موقف حصل مرة... ده كان بيتكرر كل يوم.
لحد ما الإسعاف وصلت، البنت كانت لسه بتعتذر.
أخويا زحلق مني شوية... ضهري وجعني ومقدرتش أشيله كويس.
رد عليها أبوها وهو ماسكها
إنتِ مش محتاجة تعتذري... إنتِ محتاجة حد يحميكي.
في المستشفى، الدكتورة قالت إن البنت عندها جفاف، وإجهاد شديد، وإصابات بسبب حمل أوزان أكبر من سنها بشكل متكرر. أما الرضيع فكان هو كمان عنده جفاف، وبقاله ساعات طويلة من غير رضاعة كفاية.
قالت الدكتورة بحزم
اللي حصل ده مش تربية... ده إهمال شديد.
الأب فضل قاعد جنب سرير بنته، والكلب نام قدام باب الأوضة كأنه حارس.
الساعة كانت اتنين و دقيقة بعد نص الليل، وفجأة موبايله رن بإشعار من البنك.
عملية سحب بمبلغ 28 ألف و جنيه من مركز تجميل فاخر.
وبعدها بثواني ظهرتله ستوري على السوشيال ميديا.
مراته واقفة لابسة روب أبيض، وماسكة كوباية، وبتضحك.
وكاتبة
أخيرًا بعيد عن البيت والعيال... أنا أستحق دلع شوية.
بص على إيدين بنته الملفوفين بالشاش.
ما صرخش...
وما كسرش الموبايل.
فتح تطبيق كاميرات المراقبة، ورجع بالتسجيلات لحد قبل واحد وعشرين يوم.
أول فيديو ظهر قدامه كانت مراته وهي بتزق جردل المية ناحية البنت، وبتقولها ببرود
لو قلتي لأبوكي أي كلمة... هخليهم ياخدوا أخوكي منك للأبد.
تابعوا الباقي في أول تعليق ومتنسوش الصلاة على النبي صلي الله عليه وسلمأنهى المكالمة من غير ما يقول كلمة واحدة.
بعد أقل من عشر دقائق، دخلت مراته المستشفى وهي متوترة، ولسه لابسة هدومها الأنيقة، وفي إيديها أكياس من مركز التجميل.
أول ما شافته قالت بسرعة
حصل إيه؟ هو الولد
الأب بص لها في هدوء مخيف.
الولد بخير... لكن في حد تاني حياته كانت بتضيع كل يوم.
بصت حواليها باستغراب.
قصدك مين؟
فتح الموبايل، وشغّل أول تسجيل.
ظهر صوتها وهي بتقول للبنت
شايلة أخوكي لحد ما أرجع... ولو نزلتيه وهيعيط، هتشوفي.
اتغير لون وشها.
ده... ده قديم... وإنت فاهم غلط.
شغل تسجيل تاني.
البنت بتحاول ترفع جردل المية، ولما وقع منها، دخلت الأم وضربتها على ضهرها وهي بتزعق.
البنت فضلت تقول
والله تقيل يا ماما...
لكن الأم خرجت وقفلت باب الأوضة عليها.
الدكتورة كانت واقفة عند الباب، وشافت جزء من الفيديو.
قالت بلهجة حاسمة
دي نفس الكدمات اللي لقيناها على جسم الطفلة.
مرات الأب بدأت ترتبك.
هي اللي كانت مصممة تساعدني... أنا معملتش حاجة.
في اللحظة دي، خرجت البنت من الأوضة وهي ماسكة المحلول بإيدها الصغيرة.
أول ما شافت أمها...
استخبت بسرعة ورا ضهر أبوها، وإيديها كانت بترتعش.
الأب حس بقلبه بيتكسر.
ركع على ركبته وقال لبنته
محدش هيزعقلك تاني... أوعدك.
البنت بصتله بخوف وقالت بصوت واطي
يعني... مش هشيل أخويا تاني؟
ابتسم وهو بيمسح دموعه.
لأ يا حبيبتي... إنتِ من النهارده هتبقي طفلة وبس.
لكن قبل ما يكمل كلامه...
دخلت ممرضة وهي ماسكة ظرف أبيض.
وقالت
أستاذ... ده كان مع الطفلة في شنطتها الصغيرة. قالت محدش يفتحه غير بابا.
الأب أخد الظرف بإيده، ولاحظ إنه متقفل بشريط لاصق، ومكتوب عليه بخط بنته المرتعش
لبابا... لما ترجع.
تردد لحظة...
ثم بدأ يفتح الظرف ببطء، بينما الجميع كان ينظر إليه في صمت...فتح الأب الظرف ببطء، وإيده كانت بتترعش.
طلع منه ورق صغير متني كذا مرة.
أول سطر كان مكتوب بخط بنته
بابا... أنا آسفة إني بكتبلك من غير ما أقول لماما.
كمل يقرا وهو حاسس إن كل كلمة بتوجعه.
أنا كنت كل
كان فيه رسومات صغيرة بقلم ألوان.
رسمة ليه وهو ماسك إيدها.
ورسمة تانية ليها وهي شايلة أخوها، وضهرها عليه علامة حمرا.
وفي آخر الورقة كتبت
أنا بحب أخويا، بس ضهري بيوجعني. ولما بعيط ماما تقول إني كدابة. متزعلش منها أوي... يمكن هي تعبانة.
الأب مقدرش يكمل.
ضم الورقة على صدره، ودموعه نزلت لأول مرة.
حتى الدكتورة اضطرت تبص الناحية التانية من شدة تأثرها.
أما الأم...
فكانت واقفة ساكتة، وشها شاحب، ومش لاقية كلمة تقولها.
في اللحظة دي، ضابط من قسم الشرطة دخل بعد ما المستشفى بلغت عن حالة الاشتباه في إهمال طفلين.
سأل الأب بهدوء
حضرتك مستعد تدينا أقوالك؟
الأب بص لبنته، وبعدين للورقة اللي في إيده.
قال
أيوه... ومستعد أقدم كل التسجيلات كمان.
الضابط هز رأسه وقال
هنحتاج نشوف كاميرات البيت بالكامل، وكمان هنسمع أقوال الطفلة لما حالتها تسمح.
وفجأة...
الأم صرخت
لا! البنت صغيرة... ومش فاهمة هي بتقول إيه!
لكن في نفس اللحظة...
البنت رفعت رأسها من على السرير، وبصت للضابط وقالت بصوت ضعيف
أنا فاهمة...
وسكتت ثواني، ثم أكملت
أنا كنت بخاف أقول الحقيقة... عشان ماما قالتلي لو اتكلمت، بابا هيكرهني وهيسيبنا.
ساد الصمت في الغرفة...
ونظرات الجميع اتجهت نحو الأم، التي بدأت تتراجع للخلف، بعدما أدركت أن كل ما أخفته طوال الأسابيع الماضية بدأ ينكشف، لكن ما قالته الطفلة بعد ذلك غيّر مجرى القضية بالكامل...الغرفة كلها سكتت.
الطفلة أخدت نفسًا صغيرًا وقالت وهي بتبص لأبوها
أنا كنت عايزة أكلمك كل يوم... لكن ماما كانت بتاخد مني التابلت بعد ما تكلمك، وتقوللي لو اشتكيتي، بابا مش هييجي تاني.
الأب
أنا هنا يا حبيبتي... ومش هسيبك أبدًا.
الضابط سجّل كل كلمة.
ثم سألها برفق
حد كان بيأذيكي غير مامتك؟
هزت