رجع من السفر حكايات زيزي

لمحة نيوز

وأنا هسلمهولكم بنفسي.
الضابط رد بحزم
وإيه يضمن كلامك؟
عماد قال آخر جملة قبل ما يقفل
لأن... لو اتأخرتوا أكتر من كده، كل الأدلة هتتحرق الليلة.
انقطع الخط.
ساد صمت في الغرفة.
كريم بص لعمر.
وعمر قال
عندنا اختيارين...
إما نقبض على عماد فورًا ونخاطر بضياع باقي الأدلة...
أو نراقبه سرًا ونشوف هيقودنا لمين.
وهنا بدأت أخطر مرحلة في القضية، لأن أي قرار خاطئ قد يؤدي إلى اختفاء بقية أفراد الشبكة أو ضياع الأدلة بالكامل بعد نقاش سريع، اتخذ الضابط قراره.
قال بحزم
محدش هيقبض على عماد دلوقتي... هنراقبه من بعيد. لو كلامه صح، هيوصلنا للي فوقه.
اتشكل فريق مراقبة، واتوزع الضباط بعربيات مدنية.
أما كريم، فأصر يكون موجود.
بعد ساعات من الانتظار...
رن التليفون العمومي مرة تانية.
المرة دي عماد قال عنوان واحد بس
المخزن القديم في المنطقة الصناعية... الساعة 11 بالليل.
وقفل الخط.
الساعة قربت 11.
المكان كان مهجور، والظلام مالي المنطقة.
استخبت قوات الشرطة حوالين المخزن، وكريم كان مع عمر داخل عربية على بعد أمتار.
بعد عشر دقائق...
وصلت عربية سودا.
نزل منها عماد.
كان بيبص حواليه بخوف، وكأنه متأكد إن حد بيراقبه.
بعدها بدقيقتين...
وصلت عربية تانية.
نزل منها الراجل اللي كان مختفي من أول القضية... الراجل الغريب اللي حاول يهرب واتقبض عليه، لكن اتضح بعد التحقيق إنه كان خرج بكفالة في قضية تانية قبل صدور أمر حبسه في القضية الجديدة.
وقف قدام عماد وقال بعصبية
جبت كل النسخ؟
عماد هز راسه، واداله شنطة سوداء.
فتحها...
كانت مليانة هاردات وفلاشات ومستندات.
الضابط همس في اللاسلكي
محدش يتحرك... لسه.
في اللحظة دي...
وصلت عربية ثالثة.
كل الأنظار اتجهت ناحيتها.
الباب اتفتح...
ونزل رجل في منتصف الخمسينات، ببدلة شيك.
وشه كان مألوف لكريم، لكنه ما افتكرش فين شافه.
أول ما نزل، كل اللي موجودين وقفوا باحترام.
واضح إنه صاحب الكلمة.
قال بهدوء
اتأكدتوا إن مفيش حاجة اتسابت وراكم؟
قبل ما حد يرد...
رن موبايل الرجل.
بص للشاشة، واتغير لون وشه.
قال بصوت منخفض
في حد بلغ عن المكان... لازم
نمشي حالًا.
الضابط فهم إن الفرصة هتضيع.
صرخ
شرطة! محدش يتحرك!
في ثوانٍ، المكان اتحول لفوضى.
بعض المتهمين حاولوا يهربوا.
وبعضهم رمى الشنط على الأرض.
وكريم، وسط الزحمة، لمح الرجل صاحب البدلة وهو بيسقط ملفًا أزرق أثناء هروبه.
جرى كريم والتقط الملف قبل أن يختفي الرجل في الظلام.
ولما فتح أول صفحة فيه...
اتجمد مكانه.
لأن أول اسم مكتوب في قائمة المستفيدين من عمليات التزوير...
كان اسم شخص لم يكن يتوقعه أبدًا كريم قلب الصفحة بسرعة.
الاسم كان...
المستشار عادل فوزي.
سكت للحظة.
الاسم معروف... لكنه لم يكن دليلًا على تورط صاحبه. كان مجرد اسم في قائمة، ولازم التحقيق يحدد سبب وجوده.
عمر شد الملف من إيده وقال
اهدى... مجرد وجود اسمه هنا ما يثبتش إنه متورط. يمكن يكون ضحية، أو اسمه اتستخدم من غير علمه.
كريم هز رأسه.
كان عارف إن أي استنتاج متسرع ممكن يضيع القضية.
بدأوا يقلبوا باقي الملف.
لقوا جدولًا فيه ثلاث خانات
اسم العقار.
اسم المالك الحقيقي.
اسم المستفيد من الصفقة.
وكان واضح إن بعض الصفقات تمت فعلًا، وبعضها كان مجرد محاولات فشلت.
وفجأة صاح أحد الضباط من آخر المخزن
يا فندم... لقينا سرداب!
كل القوة جريت ناحية الصوت.
كان فيه باب حديد تحت مجموعة ألواح خشب.
لما فتحوه، نزلوا سلم ضيق يوصل لبدروم كبير.
لكن المكان كان فاضي تقريبًا.
في آخر البدروم كانت فيه آلة فرم أوراق صناعية، ولسه دافية.
واضح إنها كانت شغالة من دقائق.
وعلى الأرض بقايا عقود ممزقة.
خبير الأدلة جمع القصاصات بسرعة، وقال
ممكن نقدر نعيد تركيب جزء منها.
وبينما الضباط بيفتشوا المكان، لقى كريم صندوقًا صغيرًا مقفولًا.
فتحوه.
كان فيه ساعة يد قديمة... وصورة فوتوغرافية.
الصورة كانت لأبوه الحاج محمود، والراجل الغريب، وعماد...
ومعاهم شخص رابع واقف في النص.
ولما قلب الصورة من الخلف، لقى مكتوب
بداية الشراكة سنة 2008.
كريم اتنهد ببطء.
يعني اللي حصل معاه ما بدأش بسبب سفره.
الشبكة كانت موجودة من سنين طويلة، وهو وعيلته وقعوا فيها في وقت لاحق.
في نفس اللحظة، دخل ضابط يحمل جهاز لابتوب تم العثور
عليه مخبأ داخل السرداب.
قال
الجهاز مشفّر... لكن لو فتحناه، غالبًا هنعرف كل الأسماء والحسابات والتحويلات.
ابتسم عمر لأول مرة منذ بداية القضية، وقال
لو البيانات دي سليمة... يبقى القضية خلاص اتغيرت من نزاع على بيت، إلى قضية تزوير واحتيال منظمة.
أما كريم، فكان كل ما يشغله شيء واحد...
أن يثبت براءة سارة، ويسترد بيته، ويعرف كيف تحولت عائلته إلى جزء من هذه الشبكة الإجرامية بعد ساعات، نجح خبير الأدلة الرقمية في فتح اللابتوب.
الغرفة كلها سكتت.
أول ملف ظهر كان بعنوان
الحسابات.
كان فيه كشف بكل الأموال اللي دخلت وخرجت خلال آخر 8 سنين.
تحويلات بالملايين.
وأسماء شركات.
وحسابات بنكية.
لكن اللي شد انتباه الضابط أكتر، ملف اسمه
المتعاونون.
فتحه...
ظهر جدول فيه عشرات الأسماء.
قدام كل اسم دوره في الشبكة
سماسرة.
مزورو توقيعات.
شهود زور.
وسطاء.
أما اسم الحاج محمود، فكان مكتوب قدامه
استدراج أصحاب العقارات وإقناعهم.
وشه كريم اصفر.
كان نفسه يكون في أي تفسير تاني...
لكن الأدلة كانت بتتكلم.
وفجأة، صاح خبير الأدلة
استنوا... فيه رسالة صوتية محفوظة.
شغّلها.
ظهر صوت الرجل صاحب البدلة، وهو بيقول
أي حد يتقبض عليه، ميتكلمش. ولو اضطرينا نضحي بحد، يبقى عماد أول واحد.
بعدها بدقائق، دخل أحد الضباط وهو بيجري.
قال
عماد سلّم نفسه.
كلهم بصوا له في دهشة.
اتجاب عماد للتحقيق.
كان شكله مرهق جدًا.
أول ما شاف كريم، وطّى راسه وقال
أنا مستعد أقول كل حاجة.
بدأ يحكي.
قال إن الشبكة كانت بتستغل أصحاب البيوت اللي بيسافروا لفترات طويلة أو كبار السن.
كانوا يجمعوا بياناتهم، ويحاولوا يزوروا التوكيلات والعقود، وإذا فشلوا، يدوروا على ضحية تانية.
أما بيت كريم...
فكان الهدف منه لأنه في منطقة ارتفع سعرها جدًا خلال الشهور الأخيرة.
سأله الضابط
مين كان رئيس الشبكة؟
عماد سكت شوية.
وبعدين قال
الراجل اللي شفتوه في المخزن... ده مجرد مدير.
أما اللي أسس كل حاجة... عمره ما كان بيظهر بنفسه.
الضابط سأله
اسمه؟
عماد رفع عينه وقال
معرفش اسمه الحقيقي... كل اللي نعرفه إنه كان بيتلقب ب...
الريس.

وقبل ما يكمل كلامه...
دخل عسكري مسرعًا وقال
يا فندم... في خبر عاجل.
الضابط التفت إليه.
قال العسكري
الحسابات البنكية للشبكة بدأ يخرج منها تحويلات ضخمة من ساعة واحدة... حد بيحاول يهرب الفلوس قبل ما تتحفظ عليها.
نظر الضابط إلى فريقه وقال
يبقى الريس عرف إن الشبكة اتكشفت... ولسه حر بعد ساعات من صدور أوامر التحفظ على الحسابات، بدأت أجهزة التحقيق تتبع التحويلات المالية.
نجحوا في تجميد معظم الأموال، لكن جزءًا منها كان قد خرج بالفعل إلى حسابات أخرى.
في اليوم التالي، وافق عماد على التعاون الكامل مقابل أن تُؤخذ أقواله في الاعتبار وفق القانون.
دلّ الشرطة على فيلا خارج القاهرة كان الريس يستخدمها للاجتماعات.
تمت مداهمة الفيلا قبل الفجر.
حاول الريس الهرب من باب خلفي، لكن القوة كانت محاصرة المكان بالكامل.
لأول مرة، كشفوا هويته الحقيقية.
لم يكن رجل أعمال كبيرًا كما كان الجميع يتوقع...
بل موظفًا سابقًا في شركة استثمارات عقارية، استغل خبرته في الأوراق والعقود، وجمع حوله شبكة من السماسرة والمزورين والشهود الزور.
وبالقبض عليه، بدأت خيوط القضية تكتمل.
أثبتت تقارير الطب الشرعي أن توقيع كريم على عقد الرهن مزور، وأن سارة لم توقّع أي توكيل أو عقد.
كما أثبتت تسجيلات كاميرات المنزل أن سارة تعرضت لضغوط وإكراه طوال فترة غياب زوجها.
أصدرت المحكمة حكمها بعد عدة جلسات
إلغاء عقد الرهن وعقد البيع لثبوت التزوير.
إعادة ملكية المنزل بالكامل إلى كريم.
إدانة أفراد الشبكة المتورطين
في التزوير والاحتيال وفق ما ثبت بالأدلة.
ومحاسبة كل من ثبت اشتراكه في الوقائع، ومن بينهم والد كريم ووالدته وعماد والراجل الغريب، كلٌ بحسب دوره الذي أثبته التحقيق.
خرج كريم من المحكمة وهو ماسك إيد سارة.
وقف قدام البيت اللي كاد يضيع منه، وقال لها
سامحيني... كنت فاكر إني سايبك وسط أهلي في أمان.
ابتسمت سارة، والدموع في عينيها، وقالت
إحنا خسرنا راحة كتير... بس الحمد لله إن الحقيقة ظهرت.
قرر كريم يبيع البيت بعد ما استرده، واشترى بيتًا جديدًا بعيدًا عن أي ذكريات مؤلمة، وبدأ هو وسارة
وأولادهما حياة جديدة.
أما كاميرات المراقبة...
فاحتفظ بها كما هي.
وكلما سأله أحد لماذا لا يزيلها، كان يبتسم ويقول
الكاميرات حمت بيتي بعد ما الناس اللي كنت فاكرهم هيحموني خانوني.
النهاية.

تم نسخ الرابط