بعد عمليات بقلم زهرة الربيع
واقفة تستقبل الضيوف.
ومحمود كان واقف في آخر الصف، لابس جلابيته الجديدة، وعينيه كلها فخر.
لما المحافظ خلص كلمته، قال
قبل ما أمشي، عايز أكرم الشخص اللي كان سبب في نجاح المهندسة أمل.
الناس كلها بصت على محمود.
هو استغرب وقال
أنا؟!
المحافظ ابتسم وقال
أيوه... والدها.
محمود نزل رأسه في الأرض.
حس إن الكلمة دي أكبر تكريم في عمره.
طلع على المسرح وسط تصفيق الناس.
لكن بدل ما ياخد الدرع، مسك الميكروفون وقال
اسمحولي أقول كلمتين.
القاعة سكتت.
قال وهو صوته بيرتعش
أنا مش بطل... أنا راجل غلط أكبر غلطة في حياته.
الناس استغربت.
كمل
لما بنتي اتولدت، فقدت أخوها التوأم. وبدل ما أحتسبه عند ربنا، ظلمت بنتي، وفضلت سنين أحملها ذنب عمرها ما عملته.
أمل كانت واقفة تحت المسرح، والدموع مالية عينيها.
قال
البنت دي عمرها ما ردتلي الإساءة بإساءة، ولا رفعت صوتها عليّ، ولا قالت لي ليه عملت فيا كده. كانت كل يوم تثبت إنها أكرم مني وأحن مني.
ثم بص لها وقال
لو في أب سامعني دلوقتي، أوعى تفرق بين ولد وبنت... لأن الرزق مش بيتقاس بالنوع، بيتقاس بالبركة.
الناس كلها وقفت تصفق.
وفي اللحظة دي، أمل طلعت على المسرح،
وكان المشهد مؤثر لدرجة إن كتير من الموجودين كانوا بيمسحوا دموعهم.
وبعد الحفل، وهم راجعين البيت، محمود قال لأمل
فاكرة أول مرة ناديتيني فيها يا بابا؟
ضحكت وقالت
فاكرة.
قال
نفسي تفضلي تناديهالي لحد آخر يوم في عمري.
ابتسمت، ومسكت إيده، وقالت
ربنا يطول في عمرك يا بابا.
وكان دي المرة الأولى اللي محمود يحس إنه سامح نفسه فعلًا، بعد سنوات طويلة من الندم، وعرف أن أعظم عزوة ممكن يرزق بها الإنسان ليست ولدًا أو بنتًا... وإنما قلبٌ صالح يجمع الأسرة من جديد مرت عشر سنين...
وأمل بقت من أشهر المهندسين في مجالها، واتجوزت شاب محترم عرف قيمتها، وكان أول شرط ليها قبل الجواز
أنا مش هسيب أمي وأبويا لو احتاجوني.
العريس ابتسم وقال
وده اللي خلاني أتمسك بيكي.
محمود كان واقف في كتب الكتاب، وكل شوية يمسح دموعه.
أحد قرايبنا قرب منه وقال
واضح إن فراق البنت صعب.
ابتسم محمود وقال
زمان كنت فاكر إن البنت حمل... دلوقتي عرفت إنها ضهر.
عدت الأيام، وكبرنا كلنا.
وفي ليلة شتوية، محمود تعب فجأة.
الدكتور قال لازم يفضل في المستشفى كام يوم.
أول ما أمل عرفت، سابت شغلها، وسافرت في نص الليل.
وصلت المستشفى قبل الفجر.
دخلت الأوضة، لقت أبوها صاحي.
ابتسم أول ما شافها.
وقال
إيه اللي جابك؟
قالت وهي ماسكة إيده
حضرت عشان أقعد جنبك.
قال
سيبتي شغلك؟
ضحكت وقالت
الشغل يتعوض... لكن إنت لأ.
محمود غمض عينه، وافتكر يوم ميلادها.
افتكر إنه حتى رفض يشيلها.
وهي النهارده أول واحدة سابت الدنيا كلها عشان تقعد عند رأسه.
بعد أسبوع خرج من المستشفى.
وفي أول يوم
الأحفاد، والقرايب، والجيران المقربين.
كلهم استغربوا.
وقف محمود قدامهم، وقال
أنا كتبت وصيتي.
الكل سكت.
قال
وفيها كتبت إن كل اللي أملكه يتقسم بالعدل، من غير تفرقة بين ولد وبنت.
واحد من القرايب قال باستغراب
بس الناس هنا متعودة...
قاطعه محمود وقال بحزم
الناس ليها عادات... وربنا ليه أوامر. وأنا مش هكرر الغلط اللي عشت نادم عليه عمري كله.
ثم بص لأمل، وقال قدام الجميع
إنتِ مش بس بنتي... إنتِ الكرامة اللي ربنا رجعها لقلبي.
أمل قامت ، وهي بتعيط.
وقالت
أنا عمري ما احتجت منك فلوس ولا أرض... أنا كنت محتاجة الحضن ده.
ساد صمت طويل...
ثم تعالى التصفيق والدعاء من كل الموجودين.
ومحمود رفع إيده للسما وقال
الحمد لله... ربنا اداني فرصة أصلح غلطتي قبل ما أقابله.
وكانت تلك الليلة بداية صفحة جديدة للعائلة، صفحة مبنية على العدل، والرحمة، والرضا بقضاء الله، بعد سنوات طويلة من الألم النهاية
بعد شهور قليلة، كان محمود قاعد في جنينة البيت وقت الغروب، نفس المكان اللي حضن فيه أمل لأول مرة بعد 13 سنة من القسوة.
أمل دخلت عليه وهي شايلة حفيده الصغير، وقعدت جنبه.
ابتسم الطفل ومد إيده ناحية جده، فشاله محمود وهو بيضحك.
بص لأمل وقال
عارفة؟ كل ما أشيله أفتكر أول مرة رفضت أشيلك فيها... وبقول لنفسي إزاي القلب ممكن يعمى بالشكل ده.
ابتسمت
يا بابا... لو فضلت تعاقب نفسك، يبقى عمرك ما هترتاح.
قال وهو باصص للسما
ربنا كان رحيم بيا... إداني فرصة أصلح غلطتي قبل ما يفوت الأوان.
وفي يوم الجمعة، بعد ما صلى العصر، طلب من أمل تقعد معاه لوحدها.
طلع من جيبه علبة صغيرة من الخشب.
فتحها...
كان فيها سلسلة فضة صغيرة، ومعلقة عليها أول إسورة مستشفى كانت لابساها يوم ما اتولدت.
قال وهو بيسلمها لها
أنا احتفظت بيها من يوم ولادتك... بس كنت كل ما أشوفها أفتكر وجعي، فخبيتها. النهارده عايزك تاخديها، عشان تفتكري إن ربنا دايمًا بيعوض.
أمل وهي بتبكي.
وقالت
أنا مش فاكرة منك غير السنين الحلوة اللي عشناها بعد ما رجعتلي يا بابا.
ابتسم محمود لأول مرة وهو حاسس إن قلبه ارتاح.
وبعد أيام، توفاه الله وهو نايم في هدوء، بعد صلاة الفجر.
ولما فتحوا وصيته، لقوا في آخر صفحة سطر مكتوب بخط إيده
لو حد قرأ وصيتي بعد موتي، أوعوا في يوم تظلموا بنت عشان نفسها بنت، ولا ولد عشان نفسه ولد. الرزق من عند ربنا، والقلوب اللي بترضى بقضائه هي اللي بتكسب الدنيا والآخرة. سامحوني... وسامحيني يا أمل.
يوم الجنازة، البلد كلها خرجت تودعه.
وأمل وقفت عند قبره، حطت إيدها على التراب، وقالت وهي بتبتسم وسط دموعها
اطمن يا بابا... أنا سامحتك من زمان.
ثم قرأت له الفاتحة، ومشت وهي ماسكة إيد ابنها الصغير.
ولما سألها ابنها
ماما.
ابتسمت، ونظرت إلى السماء، وقالت
أيوه يا حبيبي... اتأخر شوية، لكنه حبني بكل قلبه.
تمت.