بعد عمليات بقلم زهرة الربيع

لمحة نيوز

على وشه، وفضل يردد
يعني... كنت بكرهها ظلم.
أنا دموعي نزلت من غير ما أحس.
لكن المحامي قلب آخر صفحة، وفجأة قال
استنوا...
كان فيه ملحوظة مكتوبة بخط صغير
بناءً على طلب الأسرة، لم يتم تسليم نسخة كاملة من التقرير في ذلك الوقت، حفاظًا على الحالة النفسية للأب.
سألنا الموظفة
مين اللي طلب كده؟
راحت فتحت سجل قديم، وبصت فيه دقيقة، وقالت
الطلب كان موقع من... والد محمود.
جوزي رفع راسه بذهول.
أبويا؟!
قالت الموظفة
واضح إنه خاف إنك في لحظة الصدمة متتقبلش الحقيقة.
خرجنا من المستشفى وكل حاجة اتغيرت.
وأول ما رجعنا البيت...
لقينا أمل قاعدة في الجنينة بتسقي زرعة صغيرة كانت زرعاها بنفسها.
جوزي وقف بعيد يبصلها.
دي أول مرة يشوفها بعين الأب... مش بعين الراجل اللي فقد ابنه.
رفع رجله ومشى ناحيتها ببطء...
وأمل أول ما شافته، وقفت باحترام زي كل مرة.
لكن المرة دي... كان في كلام كتير محبوس في قلبه، ولسه مش عارف يبدأه إزاي جوزي وقف قدام أمل، وفضل ساكت.
ثواني عدت كأنها ساعات.
أمل بصتله باستغراب، وقالت في هدوء
حضرتك محتاج حاجة؟
الكلمة نزلت على قلبه زي السكينة.
حضرتك.
بنته اللي عندها 13 سنة، عمرها ما نادته بابا.
اتعودت إنه غريب عنها.
جوزي حاول يتكلم، لكن صوته خرج مكسور
أمل...
البنت اتفاجئت.
دي كانت أول مرة في عمرها تسمعه ينطق اسمها.
بصتلي وكأنها بتسألني هو بينادي عليا أنا؟
ابتسمت لها وسط دموعي، وقلت
أيوة يا حبيبتي... بابا بيناديكي.
قرب منها خطوة، وقال
أنا... أنا ظلمتك.
أمل نزلت عينها في الأرض.
وقالت بهدوء أكبر من سنها
أنا متعودة.
الجملة دي كسرت قلبه.
قعد على ركبته قدامها، وقال
سامحيني.
أمل فضلت باصة له كام ثانية، وبعدين قالت
أنا عمري ما زعلت منك... كنت بس كل ليلة بدعي ربنا يخليك تحبني زي باقي البنات.
جوزي انفجر في البكاء.
وأمل في الأول فضلت واقفة متيبسة... لأنها عمرها ما اتحضنت من أبوها.
وبعد لحظات، رفعت إيديها الصغيرة هي كمان.
أنا مقدرتش أمسك نفسي، وفضلت أعيط وأنا بحمد ربنا.
وفي الوقت ده، المحامي خرج من الأوضة وهو ماسك ظرف تاني.
قال
وأنا برتب الملفات لقيت ده وسط ورق والدك.
جوزي مسحه دموعه وأخده.
كان مكتوب عليه
يفتح بعد ما تعرف الحقيقة.
فتح الظرف.
كان جواه
خطاب قصير جدًا.
يا محمود... لو وصلت للمرحلة دي، يبقى ربنا هداك للحق. افتكر دايمًا إن الولد نعمة، والبنت نعمة. واللي يفرق بينهم، يبقى اعترض على قسمة ربنا. يمكن البنت اللي زعلت منها يومًا... تكون هي السند الحقيقي ليك لما تكبر.
جوزي بكى وهو بيقرأ.
وبص لأمل وقال
والله من النهارده، هعوضك عن كل يوم فات.
أمل ابتسمت لأول مرة ابتسامة من قلبها.
لكن في نفس اللحظة...
سمعنا صوت عربية إسعاف بتقف قدام بيت عم حسن.
وأهل البلد بدأوا يجروا ناحية بيته وهم بيقولوا
إلحقوا... عم حسن وقع فجأة وهو كان ماسك ورقة وبيطلب يشوف محمود قبل ما يحصل له حاجة!
وانتهى اليوم على مشهد خلّى جوزي يجري ناحية بيت عمه، وهو مش عارف إيه الاعتراف الأخير اللي مستنيه هناك جوزي جري بأقصى سرعة، وأنا وأمل والمحامي جرينا وراه.
لقينا أهل البلد متجمعين قدام بيت عم حسن، والإسعاف واقفة.
دخلنا الأوضة، لقيناه على السرير، وشه شاحب، وأنفاسه طالعة بالعافية.
أول ما شاف محمود، أشارله يقرب.
جوزي مسك إيده وقال
إيه اللي حصل؟
عم حسن قال بصوت متقطع
أنا غلطت... وطمعي عماني سنين.
طلع من تحت المخدة ملف صغير، وسلمه لمحمود.
وقال
كل الأوراق اللي كنت مخبيها... رجعتها. الأرض حقك.
جوزي رد عليه
أنا مش فارق معايا الأرض دلوقتي... قوللي ليه عملت كده؟
نزلت دموع عم حسن.
وقال
بعد ما أخوك مات... حسيت إنك صغير ومش هتعرف تدير حاجة. الشيطان ضحك عليا، وقلت أخد كل حاجة لنفسي. وكل سنة كنت أقول هرجع عن اللي عملته... لكن الطمع كان بيغلبني.
فتح محمود الملف.
لقى فيه كل المستندات الناقصة، ومفاتيح خزنة قديمة، وإقرار مكتوب بخط عم حسن يعترف فيه بكل اللي عمله.
المحامي ابتسم وقال
كده القضية انتهت، وحقكم هيرجع كامل.
عم حسن بص ناحية أمل.
وقال وهو بيبتسم لأول مرة
البنت دي... ربنا بعتها رحمة ليكم. لو مكنتش لاحظت الورقة، ولا الصندوق، ولا الغلاف... كان كل الحق ضاع.
جوزي بص لبنته، ودموعه نازلة.
قال
أيوه... وأنا للأسف فضلت 13 سنة مش شايف الرحمة دي.
أمل قربت من عم حسن، وقالت بأدب
ربنا يقومك بالسلامة يا عمو.
ابتسم وهو بيقول
قلبي ارتاح... لأني شوفتكم متصالحين.
وبعدها طلب من محمود يسامحه.
محمود فضل ساكت شوية، وبعدين قال
اللي فات عمره
ما هيرجع... لكن أنا مسامحك لوجه الله.
عم حسن أغمض عينيه وهو مطمن، والإسعاف نقلته للمستشفى لاستكمال علاجه.
خرجنا من بيته، وكان لأول مرة من سنين محمود ماشي وأمل ماسكة إيده.
أهل البلد كانوا بيبصولهم بابتسامة، لأنهم عارفين قد إيه البنت دي عاشت محرومة من حنان أبوها.
ومن يومها، محمود بقى يوصل أمل المدرسة بنفسه، ويحضر كل حفلاتها، ويقعد يذاكر معاها، وكل ما حد يقوله
يا خسارة الولد.
كان يرد بكل فخر
ربنا رزقني بأغلى نعمة... بنتي أمل. وهي السند الحقيقي اللي ربنا كتبهولي.
وظل يحاول يعوضها عن كل لحظة حرمت فيها من كلمة يا بنتي، مؤمنًا أن رحمة الله قد تأتي أحيانًا في الصورة التي لا نتوقعها مرت سنتين...
وأمل بقت في أولى ثانوي، وكل اللي يعرفها كان بيشهد إنها ذكية بشكل ملفت، ومؤدبة، وعمرها ما رفعت صوتها على حد.
أما محمود، فاتغير تمامًا.
بقى كل يوم يوصلها المدرسة، ولما ترجع يستناها على الباب، وأول مرتب أخده بعد ما رجعتله أرضه اشترى لها مكتبة كبيرة وقال لها
أنا نفسي أشوفك الدكتورة اللي البلد كلها تفتخر بيها.
أمل ابتسمت وقالت
أنا كل اللي نفسي فيه إنك تفضل راضي عني يا بابا.
الكلمة دي...
يا بابا.
كانت أول مرة تناديه بيها.
محمود وهو بيبكي، وقال
الكلمة دي كنت مستنيها من 15 سنة.
وبعد شهور، المدرسة أعلنت عن مسابقة علمية على مستوى المحافظة.
أمل اشتركت فيها، وقدمت مشروع بسيط عن تحسين جودة مياه الري في القرى باستخدام خامات رخيصة.
ولا هي ولا إحنا توقعنا إن المشروع هيكسب.
لكن بعد أسبوع، مدير المدرسة بنفسه جه البيت.
وقال لمحمود
حضرتك لازم تيجي معانا بكرة.
محمود استغرب.
خير؟
المدير ابتسم وقال
بنتك أخدت المركز الأول على مستوى المحافظة، واترشحت تمثل المحافظة في مسابقة على مستوى الجمهورية.
محمود حس إن قلبه هيقف من الفرحة.
بص لأمل وقال
فاكرة زمان لما كنت بقول إن الولد هو اللي هيشيل اسمي؟
أمل ابتسمت.
قال
طلع اللي رفع راسي كلها بنت.
بعد أيام، سافرنا معاها للمسابقة.
كانت القاعة مليانة طلبة من كل المحافظات.
ولما أعلنوا النتيجة...
المذيع قال بصوت عالي
الفائزة بالمركز الأول على مستوى الجمهورية... الطالبة أمل محمود.
القاعة كلها صفقت.
ومحمود قام من مكانه وهو بيبكي من
الفرحة.
الصحفيين اتجمعوا حواليه وسألوه
إيه شعورك وبنتك بقت من أوائل الجمهورية؟
ابتسم وهو ماسك إيد أمل وقال
زمان كنت فاكر إن ربنا حرمني لما فقدت ابني... لكن النهارده عرفت إن ربنا كان بيدخرلي نعمة عظيمة. بنتي هي أغلى هدية في حياتي.
وأمل بصت له بابتسامة كلها حب، لأن الجرح اللي عاش في قلبها سنين... بدأ أخيرًا يلتئم عدت خمس سنين كمان...
وأمل دخلت كلية الهندسة، وكانت من أوائل دفعتها كل سنة.
محمود مبقاش يفوت محاضرة تكريم ولا ندوة إلا ويكون أول واحد قاعد في الصفوف الأولى.
كل ما حد يسأله
إيه أخبار الولد اللي كنت بتحلم بيه؟
كان يبتسم ويقول
ربنا اختارله الرحمة، واختارلي أمل عشان تعلمني الرضا.
في آخر سنة في الكلية، أعلنت الدولة عن مسابقة لتطوير أنظمة ري تخدم القرى وتوفر استهلاك المياه.
أمل اشتغلت ليل ونهار على المشروع.
ولما خلصته، قالت لأبوها
أنا خايفة أخسر.
ابتسم محمود وقال
إنتِ كسبتيني أنا من سنين... أي نتيجة بعد كده مكسب.
بعد شهر، جالها اتصال.
اترشحت هي وفريقها لعرض المشروع قدام لجنة كبيرة.
وفي يوم العرض، كانت القاعة مليانة مسؤولين وأساتذة جامعات.
أمل وقفت بثبات، وشرحت فكرتها ببساطة وثقة.
ولما خلصت...
القاعة كلها صفقت.
وبعد ساعات من الانتظار، أعلنوا النتيجة.
المشروع فاز بالمركز الأول، وقرروا تطبيقه في أكتر من قرية.
محمود كان واقف وسط الناس، والدموع في عينه.
افتكر يوم ما رفض حتى يشيلها وهي رضيعة.
وافتكر كل كلمة جارحة قالها لها.
قرب منها بعد التكريم، ، وقال
أنا كنت فاكر إنك أخدتي مني أخوكي... لكن الحقيقة إنك أنقذتيني من نفسي.
أمل مسكت إيده وقالت
يا بابا... اللي فات خلاص.
في طريق الرجوع، وقف محمود قدام قبر ابنه لأول مرة من سنين.
قرأ الفاتحة، وبعدين بص للسما وقال
يا ابني... سامحني. أنا حزنت عليك، لكن ظلمت أختك بسببه. النهارده عرفت إن كل واحد منكم كان له نصيبه اللي ربنا كتبه.
خرج من المقابر وهو حاسس إن الحمل اللي فوق قلبه من 18 سنة بدأ يختفي.
أما أمل، فكانت ماشية جنبه، ماسكة إيده، بنفس الدفء اللي كانت بتحلم بيه وهي طفلة.
ولأول مرة، حس محمود إن العيلة اكتملت... مش لأن فيها ولد أو بنت، لكن لأن فيها حب ورحمة، بعد سنين طويلة من الندم بعد
سنة...
وأمل كانت بتشتغل مهندسة في مشروع كبير لخدمة القرى، وبقت مثال لكل بنت في البلد.
في يوم، المحافظ أعلن إنه هيزور قريتنا عشان يفتتح أول مشروع اتنفذ بتصميمها.
البلد كلها اتزينت، والناس
تم نسخ الرابط