بعد عمليات بقلم زهرة الربيع

لمحة نيوز

كل العقود، وحطيتها في الصندوق اللي محدش يعرف مكانه غيري.
جوزي بص للملفات وقال يعني... الأرض لسه بتاعتنا؟
الراجل هز راسه وقال أيوه... لكن المشكلة إن القضية هتتفتح من جديد بعد أيام، ولو مقدمتوش المستندات الأصلية هتضيع كل حاجة.
جوزي حس كأن الأرض بتهتز تحت رجليه.
بعدها كمل يقرا.
أما سبب كلامي عن البنت، فهو إن ربنا رزقها بموهبة نادرة. من وهي صغيرة كنت باخد بالي إنها بتفتكر أي حاجة تشوفها مرة واحدة، وبتلاحظ تفاصيل محدش يشوفها.
استغربت جدًا.
قلت بس أمل كانت صغيرة جدًا وقتها.
ابتسم الراجل العجوز وقال أبوكي كان بيشوف فيها حاجة مختلفة. كل ما كان ييجي يزوركم وهي رضيعة، كان يقول البنت دي ربنا هيكرمها بعقل غير عادي.
وفي اللحظة دي، أمل قالت بهدوء
ماما... هو الملف الأخضر اللي في الصندوق ناقص منه ورقة.
كلنا بصينا لها.
جوزي قال باستغراب إنتي عرفتي منين؟
قالت لأني شوفته لما وقع من الصندوق من شوية... كان فيه خمس ورقات، دلوقتي أربعة بس.
جرى جوزي فتح الملف.
وفعلًا...
كان فيه مكان واضح لورقة مفقودة.
الراجل العجوز وشه اتغير وقال
لا... كده يبقى حد سبقنا للصندوق.
وفي نفس اللحظة، سمعنا صوت باب البيت الخارجي بيتفتح... رغم إننا كنا قفلناه بالمفتاح.
وجالنا صوت خطوات بتمشي جوه البيت ببطء... وكأن صاحبها عارف هو جاي يدور على إيه بالضبط البيت كله سكت.
حتى صوت الأنفاس بقى مسموع.
جوزي مسك عصاية كانت جنب الباب، وقال بصوت واطي خليكوا مكانك.
لكن قبل ما يتحرك، ظهر شاب عند مدخل الصالة، رافع إيده لفوق وقال بسرعة
استنى... أنا مش جاي أؤذي حد.
جوزي صرخ فيه إنت مين؟ وإزاي دخلت بيتي؟
الشاب طلع بطاقة تعريف من جيبه وقال أنا محامي... وجيت لأن في حد سبقني هنا بدقائق.
الراجل العجوز أول ما شافه قال أيوه... أنا أعرفه. ده ابن المحامي اللي كان شغال مع والد محمود.
الشاب دخل وقفل الباب وراه وقال الوقت ضيق. من أسبوعين في ناس بدأت تدور على الملفات دي، وعرفنا إنهم هيحاولوا يسرقوا الورقة الناقصة لأنها أهم ورقة في القضية.
جوزي قال بقلق يعني الورقة اتسرقت؟
رد المحامي مش متأكد... لكن غالبًا حد دخل المخزن قبلنا.
في اللحظة دي أمل كانت ساكتة، وباصّة للصندوق.
وفجأة
قالت
لا... الورقة متسرقتش.
كلنا بصينا لها.
قالت وهي بتقلب الملفات بهدوء جدو كان ذكي.
جوزي استغرب يعني إيه؟
أمل طلعت الملف الأخضر، ولمست الغلاف من الداخل، وقالت
حاسّة إن الغلاف سميك زيادة.
الراجل العجوز أخده منها، وقلبه بين إيده، وبعد ثواني اكتشف إن فيه بطانة مزدوجة متلزقة بعناية.
قطعها بحذر...
وفعلًا خرجت منها ورقة مطوية ومختومة بالشمع الأحمر.
المحامي ابتسم لأول مرة وقال الله يرحمك يا حاج... كنت عامل حساب كل حاجة.
جوزي قعد على الأرض من شدة الصدمة.
بص ناحية أمل... نفس البنت اللي عاش 13 سنة يحملها ذنب أخوها، هي اللي لفتت نظرهم للمكان اللي محدش أخد باله منه.
لكن الصدمة الحقيقية كانت لسه جاية...
لما فتح المحامي الورقة، تغير لون وشه فجأة، وقال بصوت منخفض
يا نهار أبيض...
جوزي اتوتر وقال فيها إيه؟
المحامي بلع ريقه وقال
الورقة دي مش بس بتثبت ملكية الأرض... دي فيها اعتراف قديم مكتوب بخط إيد شخص من العيلة، بيعترف إنه حاول يزوّر الأوراق من 15 سنة، والاسم المكتوب... محدش فيكم هيتخيل مين.
وساد صمت ثقيل في البيت، بينما المحامي كان لسه متمسك بالورقة، ومتردد ينطق بالاسم المحامي فضل باصص في الورقة كام ثانية، وكأنه مش مصدق اللي بيقراه.
جوزي صرخ فيه
انطق! اسم مين؟
المحامي أخد نفس طويل وقال
الاسم... هو عمك حسن.
البيت كله سكت.
جوزي قال بعدم تصديق
عمي حسن؟! مستحيل... ده اللي رباني بعد وفاة أبويا.
الراجل العجوز هز رأسه بأسى.
وده بالظبط اللي خلا والدك يشك فيه. كان عارف إن أخوه بيطمع في الأرض، لكنه مكانش معاه دليل كامل.
المحامي فرد الورقة على الترابيزة.
كان فيها اعتراف مكتوب بخط اليد، بيقول إن حسن حاول يزوّر بعض المستندات عشان ينقل جزء من أملاك العيلة باسمه، وبعد ما حس إن أخوه اكتشفه، كتب الاعتراف وتعهد إنه يتراجع، لكن والد محمود احتفظ بالورقة احتياطًا لو رجع يحاول تاني.
جوزي قعد على الكرسي وهو حاطط إيده على راسه.
يعني طول السنين دي... كنت عايش مع واحد كان ممكن يضيع حق ولادنا؟
الراجل العجوز قال
للأسف... والطمع بيغير النفوس.
وفي اللحظة دي، أمل قالت بهدوء
بابا... هو عمو حسن جه هنا من يومين.
كلنا بصينا لها في نفس اللحظة.
جوزي
قال بسرعة
إيه؟! إمتى؟
قالت
وأنت كنت في الشغل. سألني إذا كان المخزن لسه مقفول، وقاللي محدش يدخل الأوضة القديمة.
أنا افتكرت فعلًا إن حسن جه زيارة سريعة، لكن مكنتش أعرف إنه سأل الأسئلة دي.
المحامي قال بقلق
يبقى كان بيدور على الصندوق.
جوزي قام واقف، والغضب باين في عينيه.
لكن أمل طلعت حاجة صغيرة من درج مكتبها وقالت
مش بس كده.
مدت إيدها بورقة مطوية.
هو وقع منه دي وهو ماشي، وأنا احتفظت بيها عشان أديهاله لما ييجي تاني.
المحامي فتح الورقة...
ولأول مرة ابتسم.
قال
دي مش ورقة عادية... دي إيصال من مكتب الشهر العقاري، وعليه رقم طلب جديد.
جوزي سأله
يعني إيه؟
رد المحامي
يعني عم حسن لسه بيحاول ينقل الملكية، ولسه الإجراءات ما خلصتش.
جوزي قبض على إيده وقال
يبقى هنلحق نوقفه.
وفي اللحظة دي، نظر إلى أمل.
البنت اللي عاش 13 سنة يعاملها وكأنها سبب شقائه... كانت هي في كل مرة بتنقذ حقه من غير ما تعرف.
عينه لمعت بالدموع، لكنه لسه ما قدرش يقرب منها أو يعتذر... كأن في حاجة جواه مانعاه.
أما أمل، فابتسمت ابتسامة صغيرة لأول مرة من سنين، من غير ما تعرف إن الساعات الجاية هتكشف سرًا أخطر بكتير من حكاية الأرض... سرًا مرتبط بيوم ميلادها هي وأخوها الراحل مر اليوم كله في توتر.
المحامي أخد كل المستندات الأصلية وقال إنه هيقدمها أول الصبح قبل ما أي حد يقدر يتصرف في الأرض.
ولأول مرة من سنين، جوزي قعد في البيت ساكت... لا بيتكلم ولا بيتخانق. كل شوية يبص ناحية أمل وهي قاعدة بتذاكر، وبعدين يلف وشه بسرعة، كأنه مش قادر يواجه نفسه.
بالليل...
وأنا برتب الدولاب، وقع من بين هدوم قديمة ظرف صغير كنت نسيته تمامًا.
أول ما شوفته، قلبي دق بعنف.
كان مكتوب عليه بخط الدكتور اللي ولدني
لا يُفتح إلا إذا بلغ التوأم سن الثالثة عشرة.
إيدي بدأت تترعش.
أنا افتكرت إن الدكتور اداهولي يوم الولادة، وقاللي احتفظي بيه... ولو ربنا كتب للبنت عمر، افتحيه بعد 13 سنة.
لكن وقتها، بعد وفاة ابني، كنت في حالة انهيار، وحطيت الظرف وسط الورق ونسيته تمامًا.
ناديت على جوزي.
أول ما شاف الخط، قال باستغراب
إيه ده؟
حكيتله اللي حصل يوم الولادة.
فتح الظرف بسرعة.
كان جواه تقرير طبي قديم، ورسالة
قصيرة من الدكتور.
بدأ يقرا
الأستاذ محمود وزوجته... أثناء الولادة لاحظنا حالة نادرة جدًا في الحمل، لكن أوضحنا لكم وقتها إن وفاة الطفل الذكر لم تكن بسبب أخته كما اعتقد البعض.
جوزي وقف عن القراءة.
إيده ارتعشت.
كمل بصعوبة
الجنين الذكر كان يعاني من تشوه شديد في المشيمة والحبل السري منذ شهور الحمل الأخيرة، وهو ما أدى إلى ضعف وصول الغذاء والأكسجين إليه. أما الجنينة الأنثى فكانت تنمو بصورة طبيعية، ولم تكن سببًا في وفاة شقيقها كما يعتقد البعض.
وقعت الورقة من إيد جوزي.
فضل يبص لأمل، وهي قاعدة في الصالة مش عارفة إيه اللي بيحصل.
همس بصوت مكسور
يعني... طول 13 سنة...
بصيتله والدموع في عيني.
قلت
أيوه... طول 13 سنة ظلمت بنتك.
جوزي حط إيده على وشه، وفضل يبكي لأول مرة من يوم ما دفن ابنه.
لكن في نفس اللحظة...
رن تليفون المحامي.
رد بسرعة، وفجأة وشه اتغير.
بصلنا وقال
في خبر خطير... عم حسن اختفى من البيت، لكن قبل ما يختفي ساب رسالة.
جوزي قال بقلق
مكتوب فيها إيه؟
المحامي أخذ نفسًا عميقًا وقال
مكتوب فيها الحقيقة اللي مخبيينها عنكم أكبر من الأرض... ولو عرفتوا سر يوم الولادة، حياتكم كلها هتتغير.
ثم ساد صمت ثقيل... وكل واحد فينا أدرك أن سر يوم ميلاد أمل لم يُكشف بالكامل بعد جوزي خطف التليفون من إيد المحامي وقال بعصبية
هات الرسالة كاملة.
المحامي قرا بصوت واضح
أنا غلطت في حق أخويا، ومستعد أتحاسب على كل حاجة. لكن في حاجة لو فضلت مستخبية هتظلم ناس أكتر. دوروا في مستشفى الولادة... هتلاقوا الحقيقة هناك.
أول ما سمع اسم المستشفى، قلبي اتقبض.
دي كانت نفس المستشفى اللي اتولدت فيها أمل وأخوها.
تاني يوم الصبح، رحنا أنا وجوزي والمحامي.
المستشفى كانت اتغيرت، لكن الأرشيف القديم لسه موجود.
بعد ساعات من البحث، الموظفة رجعت بملف أصفر عليه اسمي.
وقالت
الملف ده كان محفوظ بأمر من مدير المستشفى القديم.
فتحنا الملف.
كان فيه تقرير الولادة اللي شفناه قبل كده... لكن كان فيه كمان مظروف صغير متدبس فيه.
المحامي فتحه بحذر.
طلع منه خطاب بخط مدير قسم الحضانات.
قرأ أول سطر، وبعدين سكت.
جوزي قال بعصبية
في إيه؟
قال المحامي
مكتوب إن الطفل الذكر اتولد حالته
حرجة جدًا، وتمت كل محاولات إنقاذه، لكنه توفي بعد ساعات... وإن سبب الوفاة مثبت طبيًا، ومفيش أي علاقة لأخته باللي حصل.
جوزي قعد على أقرب كرسي.
حط إيده
تم نسخ الرابط