جوزي بقلم زهرة الربيع

لمحة نيوز

ثواني.
لكننا كلنا شفناها.
في الصباح، حازم أخد المفتاح والدفتر والصور، وقرر يراجع كل حاجة من أول وجديد.
وأثناء تقليب الأوراق القديمة...
وقعت ورقة صغيرة كانت مخبية بين الصفحات.
مكانتش موجودة قبل كده أو على الأقل إحنا ما شوفناهاش.
فيها خريطة مرسومة بالقلم.
وفي آخر الخريطة علامة X حمراء.
وتحتها مكتوب
الغرفة الحجرية.
وتحت الجملة مباشرة
لا تدخل وحدك.
وفي أسفل الورقة اسم واحد فقط
سليم.
حازم عقد حاجبيه.
سليم؟
أنا افتكرت فورًا.
استنى... مش ده الاسم اللي كان مكتوب على إحدى الرسائل القديمة؟
فتحنا الرسائل بسرعة.
وفعلًا...
كان فيه خطاب قديم جدًا موجه لشخص اسمه سليم.
لكن الغريب إن الخطاب كان غير مكتمل، وآخر سطر فيه كان
لو أنا اختفيت، اعرف إن الراجل اللي من غير ظل وصل قبلي.
ساعتها سمعنا جرس الباب.
بصينا لبعض.
محدش كان متوقع أي حد.
فتح حازم الباب بحذر.
وكانت الصدمة...
واقف قدام الباب راجل في منتصف الخمسينات، لابس بدلة قديمة، وملامحه شبه الراجل الموجود في الصور القديمة بشكل مرعب.
ابتسم بهدوء وقال
أنا سليم...
ثم نظر مباشرة إلى أحمد، وأكمل
وواضح إن الوقت بدأ يخلص قفز حازم من مكانه وهو بيجري ناحية الباب.
أنا جريت وراه وأنا ضامة أحمد، وقلبي بيدق بجنون.
خرجنا لقينا النار فعلًا طالعة من مقدمة العربية، والدخان مالي المكان.
الولد الصغير كان بيحاول يبعد الناس اللي بدأت تتجمع.
حازم جري ناحيتها وهو بيقول
فيه حاجة مهمة جوه!
العجوز خرج بصعوبة، وأسند نفسه على الباب، وصاح بأعلى صوته
إياك تقرب منها!
لكن حازم كان خلاص وصل للعربية.
في اللحظة دي...
سمعنا صوت فرقعة جامدة، والنار زادت بشكل مخيف.
وقبل ما حازم يفتح الباب، شدّه راجل من كتفه بقوة ووقعه على الأرض.
وفي نفس الثانية...
وقع جزء مشتعل من شجرة كانت جنب العربية فوق المكان اللي كان واقف فيه حازم قبل ثوانٍ.
لو كان اتأخر خطوة واحدة...
كان اتصاب إصابة قاتلة.
فضل حازم قاعد على الأرض وهو بيحاول يستوعب اللي حصل.
العجوز قرب منه وقال بهدوء
شفت؟
الحلم بدأ يتحقق... لكن مش بالطريقة اللي كنت فاكرها.
حازم بص لأحمد، اللي كان نايم بهدوء في حضني، وقال بصوت مكسور
يعني... ابني كان سبب نجاتي... مش سبب موتي.
العجوز هز رأسه.
بالضبط.
ثم أخرج من جيبه ظرفًا قديمًا مختومًا بالشمع.
ناول الظرف لحازم وقال
الظرف ده كان أمانة عندي من أكتر من ثلاثين سنة.
ومتكتبش عليه غير جملة واحدة...
حازم فتحه بيد مرتعشة.
كان جواه ورقة صفراء مكتوب فيها بخط قديم
إذا ظهر الطفل صاحب العلامة، فأخبروه بالحقيقة عندما يبلغ الثامنة عشرة... ولا قبل ذلك.
أنا بصيت لحازم باستغراب.
الحقيقة إيه؟
العجوز ابتسم ابتسامة خفيفة، لكنه ما ردش.
بدل الرد، أخرج من جيبه مفتاحًا نحاسيًا صغيرًا، عليه نفس نقش علامة وش القط.
وقال
ده بيفتح مكان محدش من العيلة دخله من خمسين سنة.
حازم سأل بسرعة
فين المكان ده؟
العجوز رفع إيده
بصعوبة، وأشار ناحية الجبل البعيد اللي كان ظاهر من آخر الطريق.
وقال
تحت المقام القديم... فيه غرفة حجرية مقفولة.
ثم أخذ نفسًا عميقًا، وأكمل
كل الإجابات هناك... لكن أوعوا تروحوا دلوقتي.
ليه؟
لأنكم لو فتحتوا الباب قبل اكتمال العلامة...
وسكت فجأة.
بدأ نفسه يضعف، وأغمض عينيه لثوانٍ.
حاولنا نصحيه، لكنه فتح عينيه بصعوبة وهمس بكلماته الأخيرة
فيه حد سبقكم... وبيستناكم هناك.
ثم فقد الوعي.
أما حازم، فكان ماسك المفتاح بإيده، ولاحظ لأول مرة إن النقش اللي عليه بدأ يلمع بضوء خافت...
وفي نفس اللحظة، أحمد فتح كفه الصغير...
ولقينا علامة وش القط اختفى منها جزء صغير، وكأنها بدأت تكتمل في مكان آخر... لكننا ما كناش نعرف فين بعد حازم حس ببرودة سرت في جسمه.
بص حواليه بسرعة، وفتح باب الشقة وطلع يجري على السلم، يمكن يكون حد مستخبي.
فتش العمارة كلها... السطح... المدخل... وحتى الشارع.
مفيش أي حد.
رجع وهو بيحاول يلتقط أنفاسه.
سليم كان لسه قاعد مكانه، لكن وشه بقى شاحب.
قال بهدوء
بدأ يراقبكم بنفسه.
أنا سألت بخوف
مين هو؟
رد
مش مهم تعرفوا اسمه دلوقتي... المهم تعرفوا إنه بيدور على المفتاح.
حازم مسك المفتاح النحاسي من على الترابيزة لا إراديًا.
في نفس اللحظة...
سمعنا صوت طَق.
المفتاح اتشق بخط رفيع جدًا، وطلع منه ضوء خافت، ثم رجع طبيعي.
سليم انتفض من مكانه.
لا... كده يبقى هو عرف مكانه.
قبل ما نفهم قصده...
جرس الباب رن مرة تانية.
لكن المرة دي...
كان رنة واحدة طويلة.
كلنا سكتنا.
حازم قرب من العين السحرية.
بص...
وملقاش حد.
لف ناحيتنا وقال
مفيش حد.
أول ما قالها...
الجرس رن تالت.
فتح الباب بسرعة.
الممر كان فاضي.
لكن على الأرض...
كان فيه ظرف أسود.
أخده وقفله بسرعة.
فتحناه.
لقينا ورقة واحدة.
مكتوب فيها بخط واضح
لو عايزين أحمد يعيش... متروحوش الغرفة الحجرية.
وسطر تاني تحتها
ولو رحتوا... متفتحوش الباب الأخير.
سليم أول ما قرأ الورقة، اتنهد وقال
هو عرف إنكم هتوصلوا.
حازم سأله
إزاي؟
رد
لأن فيه حد بيسرب له كل خطوة بتعملوها.
أنا وحازم بصينا لبعض في صدمة.
يعني فيه شخص قريب مننا... بيعرف كل اللي بيحصل.
وفجأة...
تليفون سليم رن.
رد بسرعة، لكنه ما قالش غير
إيه؟!... إمتى؟
اتغير لون وشه.
قفل المكالمة، وبص لحازم.
العجوز... فاق من الغيبوبة قبل دقائق.
الحمد لله.
سليم هز رأسه.
وقال جملة واحدة بس... قبل ما يفقد الوعي تاني.
حازم اقترب منه.
قال إيه؟
سليم ابتلع ريقه وقال
قال... الخائن دخل البيت من أول يوم.
ساد صمت ثقيل.
كل واحد فينا بدأ يبص للتاني.
مين الخائن؟
هل هو شخص عرفناه؟
ولا حد كان معانا من البداية من غير ما نشك فيه؟
وفي اللحظة دي...
أحمد، اللي كان نايم في حضني، فتح عينيه فجأة.
وبدون أي سبب...
مد إيده الصغيرة ناحية سليم.
ثم بدأ يبكي بعنف لأول مرة...
وكأنه خايف منه هو بالذات حازم وقف قدام الباب يمنع الراجل من الدخول.
وقال بحذر
لو
إنت فعلًا سليم... يبقى إزاي لسه عايش؟ الخطابات دي مكتوبة من عشرات السنين.
الراجل ابتسم ابتسامة هادئة، ومد إيده ببطء.
أنا عارف إنك مش هتصدقني.
طلع من جيبه صورة قديمة.
كانت نفس الصورة اللي لقيناها في البيت، لكن من غير الشخبطات الحمراء.
وفي ضهرها مكتوب بخط باهت
يوسف... سليم... ١٩٧٤.
حازم خد الصورة، وبصله باستغراب.
إنت قريب جدي؟
سليم هز رأسه.
كنت أقرب صاحب ليه.
دخل وقعد في الصالة، وبص لأحمد اللي كان نايم في حضني.
الغريب إن أول ما قرب منه...
الطفل ابتسم لأول مرة من ساعة ما اتولد.
سليم ابتسم هو كمان وقال
كويس... يبقى لسه فيه وقت.
أنا سألته بسرعة
وقت لإيه؟
رد بهدوء
عشان نمنع المصيبة الحقيقية.
حازم اتعصب وقال
كل واحد بييجي يقول نص كلام ويمشي! حد يفهمنا الحقيقة كاملة!
سليم تنهد وقال
الحقيقة إن جدك يوسف ما اختفاش.
اتجمدنا.
أمال راح فين؟
استخبى.
من مين؟
سليم سكت ثواني، ثم قال
من الراجل اللي من غير ظل.
وقبل ما نسأله تاني...
قام وراح ناحية الشباك.
كانت الشمس في عز الضهر.
أشار بإيده ناحية الأرض وقال
بصوا بره.
بصينا.
كل الناس اللي ماشية في الشارع كان ليها ظل طبيعي.
ما عدا شخص واحد...
واقف تحت عمود النور، لابس جلابية سودة، وبيبص مباشرة ناحية بيتنا.
والأغرب...
إن الأرض حواليه منورة بالشمس، لكن مكنش ليه أي ظل.
أنا شهقت، وحازم فتح الشباك بسرعة.
لكن أول ما الراجل حس بينا...
لف وابتدى يمشي.
حازم نزل يجري وراه.
فضل يجري آخر الشارع، لكن الراجل دخل زقاق ضيق.
ولما حازم دخل وراه...
الزقاق كان فاضي.
مفيش أي باب مفتوح، ولا أي مخرج.
كأن الراجل اختفى في الهواء.
رجع حازم وهو نفسه مقطوع.
سليم كان واقف مكانه، وكأنه كان متوقع ده.
قال بهدوء
قلتلك... مش هتلحقه.
ثم فتح شنطة جلد قديمة كان جايبها معاه.
طلع منها ملف كبير، وقال
الملف ده فيه كل اللي جمعناه طول خمسين سنة.
فتح أول صفحة.
لقينا أسماء كتير جدًا.
وبجوار كل اسم تاريخ.
وبعض الأسماء متشطب عليها بخط أحمر.
أما آخر اسم في القائمة...
فكان مكتوب لتوه بحبر أزرق حديث
أحمد حازم عبدالسلام.
أنا حسيت الدنيا بتلف بيا.
حازم بص لسليم بعصبية
يعني ابني مستهدف؟!
سليم قفل الملف بسرعة وقال
علشان كده لازم نوصل للغرفة الحجرية قبل الليلة السابعة.
وفي نفس اللحظة...
وصلت رسالة على موبايل حازم من رقم مجهول.
فتحها.
كانت عبارة عن صورة مباشرة لبيتنا...
متصورة في نفس اللحظة.
ومن زاوية مستحيل أي حد يلتقطها من الشارع.
وتحت الصورة مكتوب
باقي 6 أيام.
وتحتها مباشرة...
أنا أقرب إليكم مما تظنون حازم فضل ماسك المفتاح الصغير وهو بيقلبه بين صوابعه.
كان مختلف عن الأول.
في طرفه كان فيه تجويف صغير، كأنه معمول علشان يتركب في حاجة تانية.
الظابط بص للمفتاح وقال
إحنا هنحتاج ناخد الحاجات دي معانا.
لكن قبل ما يمد إيده...
أحمد بدأ يعيط بعنف جدًا.
وأول ما الظابط رجع إيده...
الطفل سكت.
الظابط ابتسم
وقال
واضح إنه خايف من الغُرب.
لكن سليم كان اختفى، والباب والشبابيك كلها مقفولة من جوه.
حتى رجال الشرطة احتاروا.
فتشوا الشقة بالكامل، ومحدش لقى أي أثر ليه.
واحد من الأمناء قال وهو مستغرب
يا فندم... الراجل ده لو خرج، كان لازم يعدي من قدامنا.
الظابط هز راسه وقال
يمكن فيه حاجة إحنا مش واخدين بالنا منها.
كتب محضر بالواقعة، وطلب من حازم يتصل بيه لو حصل أي شيء جديد، وبعدها مشي.
أول ما الباب اتقفل...
بصيت لحازم.
هنعمل إيه؟
قال من غير تردد
هنروح الغرفة الحجرية.
قلت بخوف
والرسالة؟ كانت بتقول متروحوش.
رد وهو ماسك المفتاحين
ولو ما روحناش... هنفضل طول عمرنا نهرب من حاجة مش فاهمينها.
في صباح اليوم التالي، انطلقنا ناحية المقام القديم اللي العجوز وصفه.
كان المكان مهجور، ومحدش بيقرب منه.
بعد بحث طويل، لقينا بلاطة حجر كبيرة محفور عليها نفس علامة وش القط.
حازم حط المفتاح الكبير في فتحة كانت مخفية بين الصخور.
لفه ببطء...
وسمعنا صوت احتكاك حجارة.
الأرض بدأت تتحرك.
وسلم حجري قديم ظهر تحتها، نازل لأسفل.
أنا بصيت لحازم.
إحنا فعلًا هننزل؟
هز راسه.
مع بعض.
نزلنا السلم بحذر.
وفي آخره...
كان فيه باب حجري ضخم.
في نصه مكان للمفتاح الصغير.
افتكرنا الرسالة
متفتحوش الباب الأخير.
لكن ده كان أول باب قابلنا.
حازم ركّب المفتاح الصغير.
بمجرد ما لفه...
الباب اتحرك ببطء، وخرج منه هواء بارد جدًا.
دخلنا.
كانت الغرفة مليانة أرفف خشب، وعشرات الصناديق القديمة.
وفي منتصفها...
ترابيزة حجرية، فوقها كتاب ضخم مفتوح.
اقترب حازم منه.
أول صفحة كانت مكتوب فيها أسماء العائلات اللي ظهرت فيها العلامة عبر السنين.
ولما قلب الصفحة...
لقينا صفحة جديدة مكتوب في أعلاها
عائلة عبدالسلام.
وتحتها شجرة عيلة كاملة.
بدأنا نتتبع الأسماء...
لحد ما وصلنا لاسم حازم.
وتحته مباشرة
أحمد حازم عبدالسلام.
لكن كان فيه اسم تالت مكتوب تحت أحمد مباشرة...
مع إنه لسه طفل رضيع، ومفيش حد بعده.
الاسم كان
الخائن.
من غير اسم حقيقي... مجرد الكلمة.
وفي اللحظة دي...
سمعنا صوت الباب الحجري بيتقفل وحده خلفنا بقوة.
والكتاب...
بدأت صفحاته تقلب لوحدها بسرعة، لحد ما وقفت عند صفحة واحدة.
وفي منتصفها، ظهرت كلمات كأنها بتتكتب بالحبر أمام أعيننا
الخائن دخل معكم بكاء أحمد كان مختلف.
مش مجرد عياط طفل صغير...
كان بيشد جسمه لورا وهو باصص على سليم، وكأنه رافض يقرب منه.
أنا ضميت أحمد بسرعة، وقلت لحازم
خده بعيد.
سليم وقف مكانه، ورفع إيديه وقال بهدوء
أنا مش هلمسه... يمكن شاف حاجة إحنا مش شايفينها.
لكن حازم بدأ يشك.
من ساعة ما الراجل دخل حياتنا، والأسرار بتزيد، والإجابات بتقل.
قال له بنبرة حادة
قبل ما نكمل خطوة، هتجاوبني على سؤال واحد... إنت ليه عارف كل التفاصيل دي؟
سليم سكت شوية، وبعدها فتح الملف الكبير مرة تانية.
طلع بطاقة قديمة جدًا.
كانت صورة شاب صغير، وفيها اسم
سليم يوسف
عبدالسلام.
حازم شهق.
عبدالسلام؟! ده اسم عيلتي.
هز سليم رأسه وقال
أيوه... أنا ابن عم أبوك.
حازم حاول يفتكر، لكنه هز رأسه.
أول مرة أسمع عنك.
ابتسم سليم بحزن.
لأن أبوك قطع علاقته بينا من أكتر من تلاتين سنة... بعد اللي حصل.
قبل ما يكمل...
رن جرس الباب مرة تالتة.
لكن المرة دي كان مصحوب بخبط شديد.
حازم فتح الباب بسرعة.
كان فيه ظابط شرطة
تم نسخ الرابط