جوزي بقلم زهرة الربيع
المحتويات
موجودة على معصمه.
قلت وأنا بحاول أهون عليه
يمكن دي مجرد وحمة ظهرت بسبب الضغط... إحنا لازم نبطل نربط كل حاجة بالحلم.
حازم هز راسه، لكنه كان سرحان.
بعد ساعة تقريبًا، جه دكتور الأطفال عشان يكشف على أحمد قبل ما ينقلوه للحضانة العادية.
كشف عليه بدقة، وبعدها ابتسم وقال
الولد بصحة ممتازة... بس.
قلبي وقع.
بس إيه يا دكتور؟
بص للملف اللي في إيده وقال
نبضه غريب شوية.
حازم انتفض.
غريب إزاي؟
الدكتور قال
مش خطر... لكن كل شوية النبض يزيد مرة واحدة، وبعدها يرجع طبيعي، كأنه بيتفاعل مع حاجة حوالينه.
وفي اللحظة دي...
جهاز قياس النبض اللي متوصل بأحمد بدأ يطلع صوت سريع.
نظرنا للشاشة...
النبض ارتفع بشكل مفاجئ.
وفي نفس الثانية، جهاز قياس نبض حازم اللي كانوا سايبينه متوصل بيه بعد الأزمة... ارتفع هو كمان بنفس الرقم بالضبط.
الدكتور قرب من الجهازين وهو مش مصدق.
بدّل الأسلاك، وكرر القياس.
لكن النتيجة كانت نفسها.
كل ما نبض أحمد يعلى...
نبض حازم يعلى معاه.
وكل ما يهدى...
التاني يهدى.
الدكتور قال وهو بيحاول يلاقي تفسير
غريبة... ده مستحيل يحصل بالشكل ده.
وبينما الجميع منشغل بالأجهزة...
أنا لاحظت حاجة خلت جسمي يقشعر.
العلامة اللي على معصم حازم...
بدأ لونها يفتح تدريجيًا.
وفي نفس الوقت...
علامة وش القط رجعت تظهر تاني على كف أحمد، لكنها المرة دي كانت أكبر من الأول، وكأنها بتتغير يومًا بعد يوم.
وقبل ما أنطق بأي كلمة...
الباب اتفتح ببطء شديد...
ودخل راجل كبير في السن، لابس جلابية بيضا، وشعره أبيض بالكامل.
وقف عند باب الأوضة، وبص مباشرة على أحمد.
ولأول كلمة نطقها، اتغير لون وشه وقال بصوت منخفض
للأسف... لقيته قبل ما ألاقيه أنا.
ثم رفع عينه ناحية حازم وقال
لو عايز ابنك يعيش... متخليش العلامة تكمل اتجمدنا مكاننا.
أنا ضميت أحمد لحضني أكتر، وقلبي كان بيدق بعنف.
الخبط وقف... وبعدها اتحول لصوت خطوات بطيئة جدًا فوق السقف الخشبي.
تك... تك... تك...
حازم مسك عصاية كانت جنب باب الأوضة، وقال بصوت واطي
خليكي هنا.
صرخت فيه
لوحدك لأ!
لكن قبل ما يتحرك، سمعنا صوت ارتطام جامد من فوق، كأن حاجة وقعت على الأرض.
طلعنا السلم بحذر.
كل أوضة كنا بنفتحها كانت فاضية، والتراب مالي المكان، لدرجة إن أي حد يمشي لازم يسيب أثر رجليه.
ولما وصلنا لآخر أوضة...
الباب كان موارب.
حازم زقه بالعصاية.
الأوضة كانت فاضية فعلًا...
لكن اللي شد انتباهنا إن التراب على الأرض كان عليه آثار أقدام.
الغريب إن الآثار كانت تبدأ من نص الأوضة...
وتنتهي عند الحيطة.
مفيش أي أثر داخل للأوضة، ولا أي أثر خارج منها.
كأن حد ظهر في نص المكان... واختفى.
أنا حسيت بقشعريرة، وقلت
نمشي من هنا يا حازم.
لكن عينه وقعت على صندوق خشب صغير تحت السرير.
نزله وفتحه.
كان جواه رزمة خطابات قديمة مربوطة بخيط أحمر.
أول جواب كان مكتوب عليه
إلى
فتحها بسرعة.
وكان أول سطر فيها
سامحني... أنا أخفيت عنك الحقيقة طول عمري. إحنا عمرنا ما كنا أول ناس تظهر فيهم العلامة، لكن إحنا آخر ناس فضلوا عايشين بسببها.
قبل ما نكمل القراءة...
أحمد، اللي عمره أيام قليلة، بدأ يعيط بطريقة مختلفة.
مش عياط طفل جعان أو تعبان...
كان بيبص ناحية الدولاب القديم في الأوضة، وكأنه شايف حاجة.
كلنا بصينا ناحية الدولاب.
في الأول ملقيناش حاجة.
لكن بعد ثواني...
باب الدولاب اتحرك لوحده ببطء...
وبعدين اتفتح فتحة صغيرة.
ومن جوه...
وقعت صورة قديمة على الأرض.
حازم انحنى جابها.
ولما قلبها...
لقينا الصورة فيها نفس الراجل اللي شفناه على الموبايل.
لكن المرة دي كان واقف وسط مجموعة من الناس.
كلهم كانوا مبتسمين...
ما عدا طفل صغير واقف في آخر الصورة.
الطفل كان رافع كف إيده للكاميرا...
وعليه نفس علامة وش القط.
والأغرب...
إن حد كان شاخط بقلم أحمر على كل الوجوه في الصورة، كأنه بيعدهم واحد واحد.
ما عدا الطفل...
كان داير حواليه دائرة كبيرة، وتحتها كلمة واحدة بخط مهزوز
البداية.
وفي اللحظة دي، سمعنا صوت باب البيت الرئيسي وهو بيتقفل بعنف...
رغم إننا كنا متأكدين إننا سِبناه مفتوح لما دخلنا حازم فضل باصص في الصورة وكأنه اتسمر مكانه.
قال بصوت مبحوح
لا... ده مستحيل... ده أنا!
أنا خطفت الموبايل من إيده وبصيت كويس.
الراجل فعلًا شبه حازم بشكل يخض، نفس الملامح، نفس العينين، حتى الشامة الصغيرة اللي تحت ودنه كانت موجودة.
لكن التاريخ المكتوب على الصورة كان أقدم من تاريخ ميلاد حازم بأكتر من تلاتين سنة.
قلت وأنا بحاول أتمالك نفسي
أكيد دي صورة حد من قرايبك... يمكن جدك أو عمك.
هز راسه بالنفي وقال
مفيش حد في عيلتنا شبهّي بالشكل ده.
فضلت الصورة شاغلة بالنا لحد ما خرجنا من المستشفى بعد يومين.
أول حاجة عملها حازم، إنه خدني أنا وأحمد وطلعنا على بيت والده القديم، البيت اللي كان مقفول من سنين بعد وفاة جده.
كان بيت قديم في آخر الشارع، محدش بيدخله غير في المناسبات.
فتح الباب بالمفتاح القديم، وريحة التراب والخشب العتيق ملّت المكان.
افتكرنا كلام الراجل الغريب
افتحوا الدولاب القديم.
دخلنا أوضة كانت مقفولة بقفل صدئ.
وفي الركن...
كان فيه دولاب خشب ضخم، لونه باهت من الزمن.
فتحه حازم بصعوبة.
في الأول ملقيناش غير هدوم قديمة وأوراق صفراء.
لكن في آخر درج...
كان فيه صندوق حديد صغير عليه قفل.
وبجانبه مفتاح ملفوف في قطعة قماش.
فتحنا الصندوق.
جواه كان فيه دفتر جلد قديم، وصفحاته مهترئة.
على أول صفحة مكتوب بخط واضح
ممنوع حد من أحفادي يقرأ الدفتر ده... إلا إذا ظهرت علامة القط من جديد.
حازم بصلي، وإيده بدأت ترتعش.
قلب الصفحة الأولى.
كان مكتوب
أنا عبد الرحيم... بكتب الكلام ده سنة ١٩٧٤، وأنا عارف إن محدش هيصدقني. لكن لو العلامة
سكتنا كلنا.
وقلب الصفحة اللي بعدها.
لقينا رسم لنفس العلامة الموجودة على كف أحمد.
وتحتها جملة قصيرة
العلامة لا تختار طفلًا... بل تختار عائلة.
وفي اللحظة دي...
سمعنا صوت خبط خفيف جاي من الدور العلوي.
مع إن البيت كان فاضي، ومحدش دخل معانا.
حازم رفع راسه ناحية السلم وقال
إنتي سمعتي؟
قبل ما أرد...
الخبط اتكرر.
لكن المرة دي...
كان أقرب.
وكأنه حد بيمشي ببطء فوقنا... رغم إننا كنا متأكدين إن مفيش أي إنسان في البيت حازم بصلي بنظرة كلها حيرة.
قال بسرعة
ندى... مقدرش أسيب الفرصة دي تضيع.
أنا ضميت أحمد لحضني وقلت
وأنا مش هسيبك تروح لوحدك.
ركبنا العربية، والولد الصغير كان ماشي قدامنا في الشارع الضيق، كل شوية يلف يبصلنا ويتأكد إننا وراه.
بعد حوالي ربع ساعة، خرجنا من البلد كلها، ووقف الولد قدام بيت قديم جدًا، محاط بأشجار ضخمة.
قال وهو بيشاور
جدي فوق... مستنيكم.
دخلنا.
ريحة الأدوية كانت مالية المكان.
وفي أوضة صغيرة، كان راجل عجوز جدًا نايم على سرير، وأنبوبة أكسجين جنب راسه.
أول ما شاف حازم، حاول يقوم، لكنه معرفش.
ابتسم ابتسامة خفيفة وقال
كنت عارف إنك هتيجي... لأن العلامة رجعت.
حازم قرب منه بسرعة.
حضرتك تعرف إيه؟
العجوز أشار على الكرسي.
اقعد... واسمع للنهاية.
قعدنا.
العجوز فتح درج الكومودينو، وطلع ملف قديم مليان صور ومستندات.
أول صورة حطها قدامنا كانت صورة الراجل اللي شبه حازم.
وقال
ده اسمه يوسف... جد جدك.
اتصدم حازم.
لكن... مستحيل، دي صورته وهو شاب!
العجوز هز رأسه.
لأن الصورة دي كانت آخر مرة اتصورت له... وبعدها اختفى.
قلب الصفحة اللي بعدها.
لقينا شهادة ميلاد قديمة.
والاسم فعلًا
يوسف عبد الرحيم.
ثم قال العجوز
كل أربعين سنة... بتظهر العلامة في طفل من العيلة. وكل مرة الناس تفتكر إنها لعنة... لكن الحقيقة مختلفة.
أنا سألته
إيه الحقيقة؟
العجوز سكت ثواني، وكأنه بيجمع أنفاسه.
وقال
العلامة بتظهر علشان تحذر العيلة... إن فيه خطر كبير هيحصل خلال أيام.
حازم اتنفس براحة لأول مرة.
يعني ابني مش مؤذي؟
العجوز ابتسم.
لا... أحمد بريء.
أنا حسيت إن حملًا اتشال من على قلبي.
لكن العجوز كمل كلامه، وصوته بقى أضعف
المشكلة... إنكم فهمتوا نص الحلم بس.
حازم اتجمد.
يعني إيه؟
قال
الحلم مكانش بيقول إن أحمد هيموتك... الحلم كان بيقول إنك هتموت وأنت شايل أحمد.
الصمت ملأ الأوضة.
العجوز أشار بإيده المرتعشة ناحية الشباك.
لأن الخطر اللي جاي... مش من الطفل.
وقبل ما يكمل...
سمعنا صوت انفجار قوي جدًا هز البيت كله.
الإزاز اتكسر، والنور قطع، والولد الصغير جري من برة وهو بيصرخ
الحقونا... العربية... العربية ولعت!اتخضينا كلنا.
حازم جري ناحية السلم وهو بينادي
مين هناك؟!
محدش رد.
نزل بسرعة، وأنا وراه شايلة أحمد، وقلبي هيطلع من مكانه.
وصلنا لباب البيت.
كان مقفول فعلًا... لكن الغريب إن المفتاح لسه راكب من جوه، ومحدش كان واقف قدامه.
حازم فتح الباب بسرعة وخرج يبص في الشارع.
الشارع كان هادي بشكل غريب، مفيش غير راجل كبير بيكنس قدام بيته.
سأله حازم
يا حاج... شفت حد دخل البيت أو خرج منه؟
الراجل بصله باستغراب وقال
لا يا ابني... أنا واقف هنا من نص ساعة، محدش قرب ناحية البيت أصلًا.
رجعنا لجوه وإحنا مش فاهمين حاجة.
قعد حازم على الترابيزة، وبدأ يكمل قراءة الرسالة القديمة.
كان مكتوب فيها
لو العلامة رجعت، أوعى تفتكر إنها لعنة. الحقيقة أصعب من كده بكتير. العلامة كانت وسيلة... علشان حد يقدر يوصلك.
قطب حازم حاجبيه.
يوصلني أنا؟
كمل يقرا
هتظهر ناس كتير يقولولك إنهم فاهمين الحقيقة، لكن متصدقش غير الشخص اللي معاه نصف الخاتم.
أنا بصيت حواليَّ.
نصف خاتم؟ يعني إيه؟
وفي نفس اللحظة...
افتكر حازم حاجة.
قام بسرعة وفتح درج قديم في الصالة.
طلع منه خاتم فضة مكسور من النص.
قال
ده كان بتاع جدي... وأبويا كان دايمًا يقول لي احتفظ بيه ومترميهوش.
مسكه في إيده...
وفجأة، لقى إن الكسر اللي فيه مش عشوائي.
كان عامل شكل نفس علامة وش القط.
وقبل ما نتكلم...
سمعنا خبط هادي على باب البيت.
مرة...
واتنين...
وتلاتة.
حازم فتح الباب بحذر.
كان فيه ولد صغير، عمره حوالي عشر سنين.
لابس هدوم بسيطة، وماسك في إيده سلسلة فضة.
أول ما شاف الخاتم في إيد حازم، ابتسم ابتسامة غريبة وقال
الحمد لله... لقيت النص التاني.
حازم اتجمد.
وقال
إنت مين؟
الولد رفع السلسلة اللي في إيده.
كان متعلق فيها...
النصف الآخر من نفس الخاتم.
وقبل ما يديهم فرصة يسألوه أي حاجة، قال بهدوء
جدي بعتني... وقال لي أقول لكم تلحقوه قبل نص الليل... لأنه لو مات، الحقيقة كلها هتدفن معاه.
ثم لف وبدأ يمشي بسرعة في آخر الشارع...
وحازم وقف محتار بين إنه يسيبني أنا وأحمد، أو يجري ورا الولد ويعرف أخيرًا السر اللي قلب حياتنا من يوم ما أحمد اتولد فضلنا واقفين ثواني مش قادرين نستوعب اللي بيحصل.
العجوز اتنقل للمستشفى، لكن قبل ما يخرج من البيت، مسك إيد حازم للحظة قصيرة وفتح عينيه بصعوبة وقال
احذروا الراجل اللي من غير ظل...
وبعدين أغمي عليه تاني.
الجملة دي فضلت ترن في دماغنا طول الطريق.
رجعنا البيت متأخر جدًا، وكل واحد فينا غارق في أفكاره.
حازم حط المفتاح النحاسي فوق الترابيزة، وقعد يبصله.
أما أحمد...
فمن أول ما دخل البيت، كان هادي بشكل غريب.
لحد الساعة تلاتة الفجر.
فجأة صحينا على صوت حاجة بتقع.
جريت أنا وحازم ناحية أوضة الطفل.
لقينا الألعاب كلها مرمية على الأرض.
والغريب إن أحمد كان صاحي، ومثبت عينه ناحية ركن معين في الأوضة.
ركن فاضي تمامًا.
مفيش فيه غير مراية صغيرة معلقة على الحيطة.
اقترب حازم من المراية.
وفي اللحظة دي...
شاف انعكاسه فيها.
لكن انعكاسه كان متأخر عنه بثانية كاملة.
اتجمد
رفع إيده.
الانعكاس رفع إيده بعده بلحظة.
نزلها.
الانعكاس فضل واقف.
حازم رجع خطوة للخلف بعنف.
والمراية...
اتشققت بخط رفيع من النص.
صرخت وأنا شايلة أحمد.
لكن الصدمة الحقيقية كانت لما ظهر على سطح المراية من الداخل كلام كأنه مكتوب ببخار
باقي 7 أيام.
اختفت الجملة بعد
متابعة القراءة