6 سنين بقلم مني السيد

لمحة نيوز

لباب حديد قديم.
حاول يفتحه.
ما اتحركش.
شد مرة... واتنين...
لحد ما الباب اتفتح بصوت صرير عالي.
خرجنا على أرض زراعية واسعة.
كان لسه الفجر مكملش، والندى مالي الزرع.
جرينا من غير ما نبص ورانا.
وفجأة سمعنا أصوات الناس اللي دخلت الاستراحة.
واحد منهم صرخ
فتشوا المكان كله... المفكرة لازم ترجع!
وقف عمر فجأة، وبص حواليه.
قدامنا كانت فيه عشة صغيرة مهجورة.
دخلناها بسرعة.
قفل الباب الخشب من جوه، وقعدنا نلتقط أنفاسنا.
قلت وأنا بصعوبة
دول مين؟
تنهد وقال
معرفش بالضبط... لكن واضح إنهم بيدوروا على نفس الحقيقة اللي في المفكرة.
بصيت للمفكرة تاني.
قلت
لازم نكمل.
فتحت الصفحة اللي بعدها.
كان جدي كاتب
عبد الرحمن رسلان كان شريك عمره ما ظلمني، لكن بعد وفاته ظهرت مستندات مزورة، وحاولت تسرق حق عيلته وحقنا مع بعض. عشان كده خبينا الدليل في مكان محدش يتوقعه.
قلبت الصفحة بسرعة.
ولو حد وصل للمفكرة، يبقى يعرف إن الدليل الحقيقي مش هنا...
وقفت.
الصفحة اللي بعدها...
كانت ممزقة بالكامل.
أنا وعمر بصينا لبعض في صدمة.
كل أهم جزء في المفكرة... مختفي.
وفي آخر الصفحة الممزقة، كانت باقية كلمة واحدة بس
...المحطة.
قلت باستغراب
محطة إيه؟
محطة قطر؟
محطة بنزين؟
ولا محطة قديمة؟
في اللحظة دي، وقعت الميدالية الفضية من على الترابيزة.
ولما ارتطمت بالأرض...
اتفتح الغطا الصغير اللي فيها لوحده.
قربت أشوفها.
كان جواها صورة صغيرة جدًا.
مش ليا...
ولا لعمر...
لكن لجدي وهو واقف قدام لافتة مكتوب عليها
محطة سكك حديد طنطا الرصيف الثالث.
أنا لسه هتكلم...
لكن ظهر على ضهر الصورة رقم مكتوب بالقلم الأزرق
الخزانة... 27.
رفعت عيني لعمر.
هو كمان كان مصدوم.
وقال بهدوء
واضح إن رحلتنا لسه بدأت...
يتبع...رجعنا القاهرة بأقصى سرعة.
طول الطريق، عمر كان ساكت، ماسك الدركسيون بإيده بقوة، وكأنه بيحاول يسبق الوقت.
أنا مقدرتش أستحمل.
قلت
مين اللي اتصل؟
رد من غير ما يبصلي
مدير الأمن في الشركة. قالي إن إنذار المخزن رقم ٤ اشتغل الفجر، ولما راحوا لقوا الباب الخارجي مفتوح.
خدوا حاجة؟
لسه محدش عارف... لأن المخزن متشمع من سنين، ومحدش كان معاه تصريح يدخل.
سكتنا تاني.
لكن المرة دي، كان عندي إحساس إن كل خطوة بنقرب بيها من الحقيقة... بتبقى أخطر من اللي قبلها.
بعد ساعات، وقفنا قدام مجمع مخازن قديم تابع لمجموعة رسلان.
المكان كان هادي بشكل غريب.
فيه كام عربية أمن، وواقف قدام البوابة راجل في الخمسينات.
أول ما شاف عمر، جري عليه.
الحمد لله إنك جيت يا باشمهندس.
عمر سأله بسرعة
حد دخل جوه؟
الراجل هز راسه.
لقينا القفل مكسور، لكن مقدرناش نفتح أكتر. استنيتك.

بص عمر ناحيتي وقال
هتيجي معايا؟
قلت من غير تردد
أكيد.
دخلنا المخزن.
ريحة التراب والخشب القديم كانت مالية المكان.
فيه صناديق ضخمة، وأرفف عالية، وكل حاجة عليها طبقة تراب كأن الزمن وقف هنا.
فضلنا نمشي لحد آخر المخزن.
وفجأة...
وقف عمر.
كان قدامنا حائط من الطوب مختلف عن باقي الحيطان.
قال بهدوء
جدي هو اللي بناه بإيده مع العمال.
استغربت.
عرفت منين؟
ابتسم ابتسامة خفيفة.
كان بيحكيلي دايمًا... ويقول فيه حيطان بتحفظ أسرار أكتر من البشر.
قربنا.
بصيت في الأرض.
لقيت آثار غبار متزاح، وكأن حد كان واقف هنا قريب.
يعني اللي دخل المخزن...
وصل لنفس المكان.
مد عمر إيده ولمس طوبة في النص.
ضغط عليها.
في اللحظة دي...
سمعنا صوت خفيف.
وجزء من الحائط بدأ يتحرك ببطء.
وراه ظهر ممر ضيق جدًا، نازل لتحت.
أنا بصيت لعمر.
قال
واضح إن ده اللي كانوا بيدوروا عليه.
شغل كشاف الموبايل، ونزلنا أول درجة.
كان السلم طويل، والجو أبرد كل ما ننزل.
لحد ما وصلنا لأوضة صغيرة تحت الأرض.
في نصها...
ترابيزة خشب.
وعليها صندوق حديد.
لكن الغريب...
إن الصندوق كان مفتوح.
وفاضي.
حسيت بإحباط شديد.
يعني سبقونا!
لكن عمر قرب من الترابيزة، ولاحظ ورقة صغيرة متنية تحت رجلها.
رفعها.
كانت مكتوبة بخط حديث، مش خط جدي.
قرأها بصوت مسموع
دورتوا في المكان الصح... لكن الحاجة اللي بتدوروا عليها خرجت من هنا من ساعة واحدة بس.
وتحت الجملة...
كان فيه توقيع غريب على شكل حرف واحد فقط
ن
أنا لسه هسأل عمر مين ن...
لكن سمعنا صوت باب الممر بيتقفل من فوق بقوة.
ثم...
صوت مزلاج حديد وهو بيتقفل علينا.
اتحبسنا تحت الأرض.
يتبع...إيدي كانت بترتعش وأنا بقلب الورقة.
عمر قرب مني وقال بصوت متوتر
مكتوب إيه؟
بلعت ريقي، وبصيت آخر السطر مرة تانية.
الاسم كان
حسن عبدالغفار.
عمر سحب نفس طويل، وقعد على أقرب كرسي.
همس
معقول... لسه عايش؟
استغربت.
إنت تعرفه؟
هز راسه ببطء.
وأنا صغير، جدي كان دايمًا يقول إن عم حسن كان أكتر واحد بيثق فيه. فجأة اختفى، ومحدش عرف راح فين. وكل الناس افتكرت إنه سافر بره مصر.
كملت قراية.
يا كريمة... لو بتقري الكلام ده، روحي لحسن عبدالغفار. هو الوحيد اللي يعرف مكان الأمانة الأخيرة، وهو الوحيد اللي هيشرحلك كل اللي حصل من غير زيادة ولا نقصان.
تحت الكلام كان فيه عنوان قديم في طنطا.
بصيت لعمر.
هنروح دلوقتي.
خرجنا من المحطة على طول.
العنوان كان في حي قديم، الشوارع فيه ضيقة والبيوت كلها مبنية بالطوب الأحمر.
بعد حوالي نص ساعة، وقفنا قدام بيت صغير، بابه الخشب باين عليه أثر السنين.
خبط عمر على الباب.
محدش رد.
خبط تاني.
برضه مفيش.
لكن قبل ما نمشي،
اتفتح شباك الدور الأول.
طلعت منه ست كبيرة في السن.
بصتلنا باستغراب وقالت
بتدوروا على مين؟
قلت
على الحاج حسن عبدالغفار.
سكتت لحظة، وبعدين قالت
أنتم متأخرين... الراجل باع البيت من أسبوع.
قلبي وقع.
راح فين؟
قالت
معرفش... بس قبل ما يمشي، ساب ظرف وقال لو جت بنت اسمها كريمة، ادوهولها.
جريت ناحيتها.
نزلت بعد دقايق وهي ماسكة ظرف بني قديم.
كان مقفول بشريط أزرق.
شكرناها وركبنا العربية.
أول ما فتحت الظرف...
لقيت مفتاح صغير، وصورة فوتوغرافية.
الصورة كانت لجدي... ومعاه حسن عبدالغفار... وقدامهم مبنى ضخم تحت الإنشاء.
وعلى ضهر الصورة مكتوب
مش كل اللي يبان قديم يبقى انتهى... دوروا تحت الأساسات.
وفجأة، وقع من الظرف كارت صغير.
التقطه عمر بسرعة.
قرأه، واتغير لون وشه.
قلت بقلق
فيه إيه؟
ناولني الكارت.
كان مكتوب عليه عنوان واحد فقط...
المخزن رقم 4... مجموعة رسلان المعمارية.
رفعت عيني ناحية عمر.
أول مرة أشوفه محتار بالشكل ده.
قال بصوت منخفض
المخزن ده مقفول بقرار من جدي من أكتر من عشرين سنة... ومحدش دخله من يومها.
في اللحظة دي...
رن تليفون عمر.
رقم غير مسجل.
رد بحذر.
وبمجرد ما سمع أول جملة...
اتسعت عينه، وقال
إزاي؟! إمتى حصل ده؟
قفل المكالمة، وبصلي.
وقال
لازم نرجع القاهرة حالًا... لأن حد دخل المخزن قبلنا بساعات.
يتبع...أول ما سمعنا صوت المزلاج، جريت ناحية السلم.
شدّيت الباب بكل قوتي.
متحركش.
خبطت عليه بإيديا وأنا بصوت عالي
في حد بره؟ افتحوا!
مفيش رد.
المكان رجع هادي بشكل مخيف.
عمر رفع كشاف الموبايل وبدأ يبص حواليه.
قال
اهدي... أكيد فيه مخرج تاني.
قلت بعصبية
وإحنا هنعرف منين؟
قرب من الحيطة المقابلة، وبدأ يتحسسها.
بعد دقيقة وقف فجأة.
استني...
فيه حاجة هنا.
رفع التراب عن جزء صغير من الحائط.
ظهر مقبض حديد مدفون نصه.
شده بكل قوته.
اتحركت بلاطة كبيرة في الأرض، وكشفت عن نفق ضيق.
نزلنا فيه بحذر.
النفق كان قصير، لكنه كان بيؤدي لمخزن قديم تاني.
أول ما خرجنا منه، لقينا نفسنا في مبنى مهجور ملاصق للمخازن.
ومن الشباك المكسور شفنا عربية سوداء بتخرج بسرعة من البوابة الخلفية.
قلت بسرعة
دي أكيد العربية اللي أخدت الصندوق!
عمر حاول يحفظ رقمها.
لكن كانت ماشية بسرعة، والغبار غطى اللوحات.
فضل واقف يبص للعربية وهي بتختفي.
وفجأة قال
استني...
كان فيه حاجة وقعت منها.
جرينا ناحية المكان.
لقيت ظرف أبيض واقع على الأرض.
فتحناه بسرعة.
كان جواه ورقة واحدة.
مكتوب فيها
لو عايزين تعرفوا الحقيقة... قابلوني بكرة الساعة ١١ صباحًا في مكتبة طنطا العامة. تعالوا لوحدكم. ولو بلغتوا أي حد، المقابلة هتتلغي.
مافيش اسم.

ولا توقيع.
ولا
أي دليل مين اللي بعت الرسالة.
بصيت لعمر.
قلت
نروح؟
قال بعد تفكير
لازم... لأن واضح إن الشخص ده مش عايز يؤذينا. لو كان عايز، كان أخد الورقة دي ومسابهاش.
طوينا الرسالة، وركبنا العربية.
وأنا بفتح باب العربية، وقع نظري على المراية الجانبية.
كان فيه راجل واقف بعيد، لابس جاكيت رمادي وكاب أسود.
أول ما لمح إننا بصينا ناحيته...
لف بسرعة واختفى بين العربيات.
أنا قلت لعمر
شوف... الراجل ده!
لكن لما بص...
ملقيناش حد.
كل اللي فضل في مكانه...
كان عكاز خشبي قديم، متسند على سور المخزن، وكأن صاحبه سابه ومشي مستعجل.
عمر قرب من العكاز، ولما شاله، لقى محفور عليه من الداخل جملة قصيرة
السر مش في اللي اتسرق... السر في اللي محدش خد باله إنه لسه موجود.
نظر إليّ عمر، ثم إلى المخزن مرة أخرى...
وكأن الجملة دي غيرت كل اللي كان فاهمه.
يتبع...عمر فضل واقف ماسك العكاز، وفجأة رجع يجري ناحية المخزن.
استغربت وجريت وراه.
دخل الأوضة السرية مرة تانية، ووقف قدام الترابيزة الخشب الفاضية.
قال وهو بيبتسم لأول مرة
هما أخدوا الصندوق... لكن محدش بص للترابيزة نفسها.
قلب الترابيزة على جنب.
كان فيه لوح خشب مثبت بمسامير قديمة.
فكه بصعوبة.
وتحته ظهر ظرف جلدي رفيع.
فتحه بحذر.
كان جواه مجموعة أوراق قديمة، ورسالة من جد عمر إلى جدي.
بدأت أقرأ بصوت مرتعش
لو كريمة وصلت للرسالة دي، يبقى ربنا أراد إن الحقيقة تظهر من غير ظلم لحد. يا بنتي، أبوكي وجد عمر كانوا شركاء بجد، وبنوا الشركة سوا. ولما حصل خلاف بين بعض الناس، خافوا إن المستندات تضيع، فخبينا النسخ الأصلية هنا. حق عيلتك محفوظ، وحق عيلة رسلان محفوظ. اللي بنيناه كان قائم على الأمانة، ومينفعش حد يفرقه.
وبعد الرسالة كان فيه العقد الأصلي للشراكة، وأوراق تثبت إن الأرض والمباني ملك مشترك بين العيلتين، وإن أي محاولة للاستيلاء عليها باطلة.
في اللحظة دي دخل رجال الأمن ومعاهم الشرطة.
كانوا قبضوا على المجموعة اللي اقتحمت المخزن، واتضح إنهم كانوا بيدوروا على العقود الأصلية عشان يخفوا الحقيقة ويستفيدوا من نزاع قديم بين العيلتين.
لما شاف الضابط الأوراق، قال
دي أهم دليل كنا بندور عليه من سنين.
بعد أسابيع، انتهت التحقيقات، واتثبتت الحقوق رسميًا.
ورثت عيلة جدي نصيبها القانوني، لكن أول قرار أخدته كان إني أخصص جزءًا كبيرًا من الأموال لإنشاء مركز طبي خيري في طنطا يحمل اسم جدي وجد عمر، يعالج الأطفال والأمهات غير القادرين.
أما أنا وعمر...
بصيت له وقلت بهدوء
الفلوس رجعت الحقوق... لكن الثقة لازم ترجع بالأفعال.
هز رأسه وقال
وأنا مستعد أبدأ من الأول، من غير أسرار.
مرت
الشهور، واهتميت بعلاجي وبحملي، وربنا أكرمنا، وبعد انتظار طويل سمعت أول صرخة لابني.
حملته بين إيديا، وافتكرت كل لحظة خوف وعدت بيها.
ابتسم عمر وهو بيبص لابنه وقال
يمكن أصعب طريق هو اللي وصلنا للحقيقة.
ابتسمت وأنا أبص لطفلي النائم، وقلت
والحقيقة عمرها ما بتستخبى للأبد... مهما طال الزمن.
تمت.

تم نسخ الرابط