6 سنين بقلم مني السيد

لمحة نيوز

كان نفسي أجيب طفل يملّي عليّ البيت، لكن كل مرة كنت أخرج من عند الدكتور وأنا شايلة خيبة جديدة. ست سنين جواز، وست سنين وأنا وجوزي بنحلم بنفس الحلم، ونأجل احتياجاتنا عشان اليوم اللي نسمع فيه كلمة مبروك.
اسمي كريمة كامل. يتيمة من وأنا صغيرة، رباني جدي وجدتي في بيت قديم في طنطا. علموني إن الرضا كنز، وإن الإنسان قيمته في أخلاقه، مش في فلوسه. ولما اتجوزت عمر، كنت فاكرة إن ربنا عوضني براجل محترم، موظف بسيط في شركة مقاولات، بيقبض على قد حاله، لكنه عمره ما قصر معايا في كلمة حلوة أو سند.
عشنا في شقة إيجار صغيرة في المعادي. هو مرتبه سبعة آلاف جنيه، وأنا مدرسة بقبض خمسة آلاف. نحسب كل جنيه قبل ما نصرفه، ونستنى آخر الشهر بالعافية، لكن عمرنا ما نمنا وإحنا زعلانين من بعض.
لو نفسي في فستان جديد، أقول مش وقته. ولو هو نفسه يغير موبايله، يضحك ويقول الموبايل ده لسه بيشتغل... أولى بالفلوس حاجة أهم.
لحد ما ربنا استجاب لدعائنا، واكتشفت إني حامل.
كانت فرحتنا أكبر من أي كلام. عمر بقى بيرجع من الشغل شايل فاكهة وعصاير، ويقعد يحط إيده على بطني ويكلم البيبي وكأنه سامعه.
لكن الفرحة ما طولتش.
في الشهر الخامس، حسيت بوجع شديد، والدكتور طلب أشعة وتحاليل بسرعة.
بعد ساعات انتظار طويلة، دخلت مكتبه، فبص في الأشعة وسكت شوية قبل ما يقول بهدوء الجنين محتاج متابعة دقيقة جدًا. فيه علاج مستورد، ولو بدأناه بسرعة بإذن الله فرصته هتبقى أحسن... لكن تكلفته كبيرة.
سألته بصوت مرتعش قد إيه؟
قال رقم خلاني أحس إن الكرسي بيتسحب من تحتي.
خرجت من العيادة وأنا مش شايفة قدامي. قعدت على كرسي في طرقة المستشفى، وفتحت تطبيق البنك.
كل تحويشة ست سنين... ما تكفيش حتى نص العلاج.
فضلت أبص في الشاشة، وأنا حاطة إيدي على بطني.
همست استحمل يا حبيبي... ربنا كبير.
في

اللحظة دي، شفت عمر داخل المستشفى بسرعة. أول ما لمحني، ابتسم وقعد جنبي.
قال وهو ماسك إيدي مهما حصل... إحنا سوا.
ابتسمت بالعافية، لكن قلبي كان مليان خوف.
بعدها بدقائق، رن تليفونه.
بص للشاشة، واتغيرت ملامحه للحظة، وقام وهو بيقول ثواني يا كريمة... لازم أرد على المكالمة دي.
مشي ناحية آخر الطرقة، واختفى ورا باب جانبي.
عدى خمس دقايق... عشرة...
قلقت عليه، فقمت أمشي أدور عليه.
ولما قربت من الباب... سمعت صوت الدكتور بيقول من جوه
أنا قلتلك القرار ده لازم تعرفها بيه... لأنها من حقها تعرف الحقيقة.
وقفت مكاني.
الحقيقة؟
يا ترى... إيه السر اللي عمر مخبيه عني من سنين؟
يتبع...وقفت مكاني، وإيدي بتترعش فوق مقبض الباب.
مكانش قصدي أتصنت... لكن كلمة الحقيقة علقت في ودني.
سمعت عمر يرد بصوت هادي
لسه بدري... مش دلوقتي.
الدكتور قال بجدية
بدري إيه؟ مراتك حامل، وحالتها النفسية أهم من أي وقت. لو فضلت مخبي عليها، الموضوع هيكبر أكتر.
حسيت إن قلبي بيدق بعنف.
إيه اللي هيكبر؟
رجعت خطوة لورا قبل ما حد يفتح الباب، وقعدت على أول كرسي قابلني كأني كنت مستنية دوري.
بعد ثواني خرج عمر.
أول ما شافني ابتسم ابتسامة هادية، وقعد جنبي.
مالك؟ وشك أصفر ليه؟
ابتسمت بالعافية.
مفيش... شكلي اتوترت من كلام الدكتور.
ربت على إيدي وقال
متقلقيش... أنا هحل كل حاجة.
الجملة دي فضلت ترن في ودني طول الطريق.
أنا هحل كل حاجة.
هو هيحلها إزاي؟
إحنا أصلًا معندناش الفلوس.
رجعنا البيت، ولأول مرة من سنين، بقيت أبص لكل حاجة حواليّا بعين مختلفة.
عمر دخل أوضة المكتب الصغيرة وقفّل الباب.
دي الأوضة الوحيدة في الشقة اللي كان بيحب يقعد فيها لوحده.
كنت دايمًا أحترم خصوصيته، ومفكرتش مرة أفتح الباب من غير استئذان.
لكن النهارده...
الفضول كان أقوى.
قربت بهدوء، وسمعته بيتكلم في
التليفون.
لا... محدش يعرف أي حاجة.
سكت شوية، وبعدين قال
أهم حاجة الملف يفضل بعيد عنها.
الملف؟
فضلت واقفة مكاني.
بعدها بثواني، الباب اتفتح فجأة.
اتخضيت.
عمر بصلي باستغراب وقال
كنتِ واقفة هنا؟
ارتبكت بسرعة.
لا... كنت جاية أناديك على العشا.
فضل يبصلي ثواني طويلة، كأنه بيحاول يعرف إذا كنت سمعت حاجة ولا لأ.
بعدها ابتسم وقال
خلاص... جاي.
لكن وهو داخل الصالة، نسي حاجة عمره ما كان بينساها...
المفتاح الصغير الفضي اللي دايمًا بيعلقه في سلسلة مفاتيحه... كان واقع على أرض الأوضة.
بصيت للمفتاح...
وبصيت للباب المقفول.
وفي اللحظة دي، جالي إحساس غريب إن المفتاح ده... ممكن يفتح سر هيغيّر حياتي كلها.
يتبع...اتجمدت مكاني، والجواب لسه بين صوابعي.
بصيت لعمر، واستنيت أشوف غضب... أو صريخ... أو حتى إنه ياخد الورقة من إيدي.
لكنه عمل حاجة غريبة.
قفل الباب بهدوء، وسحب كرسي وقعد قدامي.
قال بصوت منخفض
كملي قراية... متوقفيش.
استغربت.
بصيت للجواب تاني، وكملت.
يا كامل... لو حفيدتي أو حفيدك قابلوا بعض في يوم من الأيام، أتمنى يعرفوا إن اللي حصل بينا عمره ما كان سببه الطمع. إحنا الاتنين دفعنا تمن قرار غيرنا، وأمانتي ليك إن حق عيلتك محفوظ في مجموعة رسلان، مهما عدت السنين.
آخر الجواب كان عليه توقيع
عبد الرحمن رسلان.
رفعت عيني لعمر.
يعني إيه الكلام ده؟
سكت شوية، وبعدها فتح درج المكتب، وطلع ملف أزرق سميك.
حطه قدامي.
افتحيه.
فتحت الملف.
أول ورقة كانت صورة قديمة بالأبيض والأسود.
جدي... وهو واقف جنب راجل لابس بدلة قديمة.
عرفته من الصورة اللي في الجواب.
عبد الرحمن رسلان.
وفي الصورة كانوا واقفين قدام مبنى مكتوب عليه
شركة رسلان للمقاولات 1978.
قلّبت الورقة اللي بعدها.
عقد شراكة.
وبعدين جواب تاني.
وبعدين كشف حسابات قديم.
كل ورقة كانت بتأكد
إن جدي كان ليه علاقة قوية بعيلة رسلان زمان.
لكن فجأة...
وقفت عند ورقة مختلفة.
كانت عبارة عن خريطة مرسومة بالقلم.
وفيها علامة حمراء على قطعة أرض كبيرة.
تحتها مكتوب
لا تُفتح إلا بعد تنفيذ الشرط.
بصيت لعمر بسرعة.
شرط إيه؟
تنهد وقال
الشرط اللي جدي فضل متمسك بيه لآخر يوم في عمره... واللي بسببه لحد النهارده في ناس بتحاول تدور على الملف ده.
قبل ما أسأله أي سؤال...
رن جرس الشقة.
الساعة كانت تلاتة إلا ربع الفجر.
أنا وعمر بصينا لبعض في نفس اللحظة.
مين ممكن ييجي في الوقت ده؟
عمر قام بسرعة، ووشه اتغير لأول مرة.
راح ناحية شاشة كاميرا الباب.
بص فيها...
وفجأة شحب لونه.
همس بصوت خافت
مستحيل...
قربت منه وأنا قلبي بيدق.
مين؟
فضل ساكت ثواني... ثم قال
الشخص ده... اختفى من أكتر من عشرين سنة.
وفي اللحظة نفسها...
اتفتح صندوق البريد أسفل الباب، وانزلقت منه مظروف أسود مختوم بالشمع الأحمر.
على المظروف كانت مكتوبة جملة واحدة
الوقت انتهى... وساعة تنفيذ الوعد بدأت.
يتبع...فضلت واقفة أبص للمفتاح كأنه بيناديني.
ثواني... يمكن أقل.
مديت إيدي وخدته بسرعة قبل ما عمر يخرج من المطبخ، وحطيته في جيب الكارديجان من غير ما يحس.
طول العشا كان بيتكلم معايا بشكل طبيعي.
يسألني أكلت ولا لأ.
يفكرني بالدواء.
ويقول بابتسامته الهادية
بكرة هسيب الشغل بدري ونروح نعمل الأشعة الجديدة.
هزيت راسي وأنا برد عليه، لكن عقلي كان في حتة تانية خالص.
المفتاح.
بعد ما نام، فضلت مفتحة عيني في الضلمة.
الساعة كانت اتنين بعد نص الليل.
اتأكدت إن نفسه بقى منتظم، فقمت بالراحة، ومشيت على أطراف صوابعي ناحية أوضة المكتب.
حطيت المفتاح في الكالون.
دخل...
من أول محاولة.
فتحت الباب سنة صغيرة، ودخلت وقفلت ورايا.
الأوضة كانت مرتبة بشكل مبالغ فيه.
مكتب خشب كبير.
مكتبة مليانة ملفات.

وخزنة حديد صغيرة في الركن.
لفت نظري إن المفتاح اللي معايا مش هو مفتاح الأوضة بس...
كان فيه سن تاني أصغر.
قربت من الخزنة.
جربته.
سمعت صوت تك.
والباب اتفتح.
اتسعت
تم نسخ الرابط