6 سنين بقلم مني السيد

لمحة نيوز

عيني.
مكانش فيها فلوس ولا دهب.
كان فيها ملفات قديمة، وصندوق خشب صغير، وظرف أبيض مكتوب عليه بخط واضح
يفتح بمعرفة كريمة فقط.
اتجمدت.
إزاي اسمي مكتوب عليه؟
فتحت الظرف بإيد بترتعش.
كان جواه جواب قديم، وفي أول سطر مكتوب
إلى حفيدة صديقي كامل...
كامل...
ده اسم جدي.
كملت قراءة وأنا حاسة إن قلبي هيقف.
الجواب كان من رجل اسمه عبد الرحمن رسلان... جد عمر.
وكان بيعتذر فيه لجدي عن خطأ قديم حصل بين العيلتين، وبيكتب بالحرف
لو الظروف فرقتنا، فأنا أوصي إن حق حفيدة كامل يفضل محفوظ مهما حصل، لأنها أمانة في رقبتي.
وقبل ما أكمل باقي الورقة...
سمعت صوت باب الأوضة بيتفتح ببطء.
واتجمد الدم في عروقي.
رفعت عيني ناحية الباب...
ولقيت عمر واقف، وشه هادي جدًا...
لكن أول كلمة قالها خلت قلبي يقع
كنت عارف إن اليوم ده هييجي... لكن مكنتش متخيل إنه هيكون الليلة دي.
يتبع...بصيت جوه الكيس الشفاف.
كان فيه علبة معدنية صغيرة، عليها آثار صدأ، ومقفولة بقفل قديم.
وفوق الغطا، محفور حرفين بس
ك . ع
مديت إيدي أخدها، لكن الضابط وقفني.
قال بهدوء
قبل ما تستلميها، لازم تتفضلي تمضي على محضر الاستلام... لأنها اتوجدت في منزل باسم عيلتكم.
مضيت وأنا مش قادرة أبعد عيني عن العلبة.
أول ما استلمتها، حسيت إنها تقيلة بشكل غريب.
كأن اللي جواها مش مجرد ورق.
خرجنا من البيت، وقعدنا في العربية.
عمر كان ساكت.
قلت له
افتحها.
رد وهو بيبص حواليه
مش هنا.
ليه؟
لأن اللي فتش البيت غالبًا لسه بيراقب المكان.
أول مرة أشوف القلق الحقيقي في عينيه.
لف بالعربية وخرجنا من الشارع.
بعد حوالي ربع ساعة، وقف قدام استراحة قديمة على الطريق الزراعي.
دخلنا قاعة فاضية تقريبًا.
قفل الباب، وحط العلبة على الترابيزة.
طلع المفتاح النحاس اللي كان مع الرسالة.
جربه.
دار المفتاح بسهولة.
سمعنا صوت تك.
فتحنا الغطا ببطء.
جواها
كان فيه ظرف جلدي بني، ومفكرة صغيرة، وسلسلة فضة عليها ميدالية دائرية.
أخدت المفكرة.
أول صفحة كانت بخط جدي.
لو كريمة هي اللي بتقرأ الكلام ده، يبقى ربنا كتب لها تعرف الحقيقة بنفسها.
دموعي نزلت من غير ما أحس.
قلبت الصفحة.
يا بنتي... لو وصلتي للمفكرة دي، اعرفي إن في ناس هتحاول تقنعك إن اللي حصل زمان كان سببه الطمع. لكن الحقيقة غير كده تمامًا...
وقبل ما أكمل...
سمعنا صوت فرامل عربية وقفت بعنف قدام الاستراحة.
أنا وعمر بصينا لبعض.
وبعدين...
صوت باب العربية اتقفل.
بعده خطوات تقرب بسرعة.
ثم خبطات قوية على باب الاستراحة.
واحد بيزعق من بره
افتحوا... إحنا عارفين إن العلبة عندكم!
شد عمر المفكرة من على الترابيزة بسرعة، وبص حواليه يدور على مخرج تاني.
لكن صاحب الاستراحة قال وهو بيجري ناحيتنا ووشه كله خوف
مفيش غير الباب ده... والناس اللي بره عددهم كبير!
الخبط زاد قوة...
وفجأة سمعنا صوت القفل الخارجي وهو بيتكسر...
يتبع...فضلت أبص للمظروف، وأنا حاسة إن أنفاسي بتتسحب واحدة واحدة.
عمر انحنى بسرعة وخده قبل ما ألمسه.
قلت بحدة لأول مرة من سنين
لأ... المرة دي أنا اللي هفتحه.
بصلي شوية، وبعدين سلمهولي من غير كلمة.
كسرت ختم الشمع الأحمر.
كان جواه ورقة واحدة... ومفتاح نحاس قديم.
الورقة مكتوب فيها بخط واضح
لو الرسالة وصلت ليكم، يبقى حد سبقكم بخطوة. الدليل الأخير موجود في بيت كامل القديم بطنطا... تحت البلاطة اللي قدام شجرة الليمون. الحقوه قبل ما يختفي.
اتسعت عيني.
بيت جدي!
البيت ده مقفول من سنين.
آخر مرة دخلته كانت بعد وفاة جدتي، وبعدها اتقفل واتسابت مفاتيحه عند جارنا عم حسين.
بصيت لعمر.
إيه اللي موجود هناك؟
هز راسه وقال بهدوء
معرفش... جدي مات قبل ما يقولي. كل اللي أعرفه إن فيه أمانة سابها لكامل، ومحدش قدر يوصلها.
قعدت على الكنبة وأنا بحاول أستوعب.
كل
اللي كنت أعرفه عن حياتي، طلع وراه أسرار أقدم مني.
وفجأة...
رن تليفون عمر.
بص للشاشة، وقف مكالمته من غير ما يرد.
بعد ثواني رن تاني.
ثم تالت مرة.
قلت
مش هترد؟
قال وهو بيطفي الموبايل
دلوقتي أهم حاجة نسافر طنطا قبل ما النهار يطلع.
استغربت.
للدرجة دي؟
رد وهو بيجمع الملفات ويحطها في شنطة جلد سوداء
لأن الرسالة دي معناها إن في حد عرف إن الملف اتحرك... ولو وصل قبلنا، ممكن الحقيقة تضيع للأبد.
مع أول ضوء للفجر، كنا على الطريق الزراعي.
العربية ماشية، وأنا ببص من الشباك.
قلبي متعلق ببيتي القديم.
كل ذكرياتي هناك...
ريحة جدتي وهي بتخبز العيش.
وصوت جدي وهو بيناديني من الجنينة.
بعد ساعتين، دخلنا طنطا.
لكن أول ما لفينا في الشارع اللي فيه البيت...
اتجمدنا.
شارع كامل مليان عربيات شرطة.
وشريط أصفر قافل مدخل البيت.
نزلت من العربية أجري.
لقيت عم حسين، جارنا، واقف ووشه مصفر.
أول ما شافني، قال وهو بيرتعش
الحمد لله إنك جيتي... كنت لسه هتصل بيكي.
مسكت دراعه بسرعة.
إيه اللي حصل؟
بص ناحية البيت، وقال
حد دخل البيت بالليل... وقلبه كله فوق تحت... وكأنه كان بيدور على حاجة معينة.
بصيت لعمر.
كان واقف ساكت...
لكن أول ما عينه وقعت على شجرة الليمون في آخر الجنينة، ملامحه اتغيرت.
همس
يا رب... ما يكونوش وصلوا قبلنا.
وفي اللحظة دي...
خرج ضابط من البيت، وما إن شافني حتى قال
حضرتك كريمة كامل؟
هزيت راسي.
مدلي كيسًا شفافًا للأدلة، وقال
لقينا الحاجة دي باسمك... وكانت مدفونة تحت شجرة الليمون.
نظرت داخل الكيس...
ولما شفت محتواه، حسيت إن السر اللي بدأ من عشرات السنين... أخيرًا قرب ينكشف.
يتبع...خرجنا من العشة بعد ما اتأكدنا إن المكان هدي.
الشمس بدأت تطلع، لكن التوتر كان أكبر من أي نور.
ركبنا العربية، وطول الطريق إلى محطة طنطا ولا أنا ولا عمر نطقنا بكلمة.
كل واحد فينا كان
بيفكر في نفس السؤال
إيه اللي في الخزانة رقم ٢٧؟
أول ما وصلنا، كانت المحطة زحمة كعادتها.
باعة شاي، مسافرين شايلين شنط، وصفارات القطارات بتقطع الهدوء.
حاولنا نتصرف بطبيعية.
مشينا لحد آخر الرصيف التالت، زي ما الصورة كانت موضحة.
بصيت حواليّا، لكن مفيش أي خزائن واضحة.
قرب عمر من موظف كبير في السن وسأله
لو سمحت... كان فيه زمان خزائن أمانات هنا؟
الراجل بصله شوية، وقال
من سنين طويلة... اتشالت كلها. لكن فيه أوضة قديمة تحت إدارة المحطة، محدش بيفتحها إلا في حالات خاصة.
قلبي دق بسرعة.
نزل الموظف مفتاح كبير من حلقة مفاتيحه، وقال
استنوني هنا.
بعد عشر دقايق رجع.
فتح باب حديد قديم في آخر ممر ضيق.
الأوضة كانت مليانة خزائن معدنية مرقمة.
فضلنا نبص في الأرقام...
٢٣...
٢٤...
٢٥...
٢٦...
ثم وقفنا قدام الخزانة رقم ٢٧.
كانت مقفولة بقفل نحاسي قديم.
طلعت المفتاح اللي لقيناه مع الرسالة.
بصيت لعمر.
هز راسه وقال
جربي.
دخل المفتاح...
ولف من أول مرة.
اتفتح الباب ببطء.
لكن...
الخزانة كانت فاضية.
شهقت.
مستحيل!
مد عمر إيده يتحسس جوانبها.
وفجأة حس بحاجة.
كان فيه زر صغير جدًا مستخبي في السقف الداخلي.
ضغط عليه.
سمعنا صوت خفيف.
وتحرك اللوح الخلفي للخزانة ببطء.
ظهر تجويف سري.
وفي داخله...
أنبوبة معدنية محكمة الغلق.
طلعتها بإيدي.
كانت ملفوفة بقماش قديم، ومربوطة بخيط أحمر.
ولما فكيت الخيط...
لقيت أول ورقة مكتوب فيها بخط جدي
لو وصلتوا لحد هنا... يبقى نجحتوا في أول اختبار. لكن الحقيقة الكاملة مش في الأوراق... الحقيقة عند الشخص اللي احتفظ بالمفتاح التاني طوال عشرين سنة.
أنا وعمر بصينا لبعض.
قلت بسرعة
مين الشخص ده؟
قلبت الورقة...
وكان الاسم مكتوب في آخر السطر.
أول ما قريته...
اتغيرت ملامح عمر تمامًا، وكأنه شاف شبح قدامه.
يتبع...اتسمرت مكاني، وإيدي ماسكة المفكرة بقوة.

صوت تكسير الباب كان بيعلى ثانية بعد ثانية.
صاحب الاستراحة جري ناحية المطبخ وهو بيقول
فيه باب خدمة صغير من ورا... بس من سنين محدش استخدمه!
عمر مسك إيدي بسرعة.
يلا.
جرينا وراه وسط طرقة ضيقة، لحد ما وصلنا
تم نسخ الرابط