النادلة الخجولة بقلم ميرا
لسه.
عمر اقترب بسرعة.
إيه اللي جابك هنا لوحدك؟
الحاج كمال رد بهدوء
الرسالة.
مين باعتها؟
واحد بيفكر إن الماضي مات.
سكت لحظة، وبعدين بص لندى.
جدك عمره ما حكالك ليه كان بيصر إنه يعلمك اللهجة؟
هزت رأسها.
لأ.
قال
لأنها ما كانتش مجرد لهجة.
ندى عقدت حاجبيها.
يعني إيه؟
الحاج كمال خبط بعصاه على الأرض مرتين.
كانت مفتاح.
في اللحظة دي...
طلع صوت احتكاك خفيف من جوه الفرن.
كل الحراس رفعوا أسلحتهم.
لكن الحاج كمال رفع إيده.
استنوا.
من الظلام خرج رجل عجوز، لحيته بيضا، وهدومه عليها آثار دقيق قديم.
بمجرد ما شافته ندى...
شهقت.
العم عبد الستار!
كان مساعد جدها في الفرن زمان.
آخر مرة شافته كانت وهي عندها عشر سنين.
وكان الكل بيقول إنه سافر ومحدش عرف عنه حاجة.
ابتسم الرجل وقال
كبرتي يا بنت حسن.
ندى قربت منه ببطء.
إنت... كنت عايش؟
ضحك.
الحمد لله.
عمر تدخل.
حضرتك تعرف إيه عن اللي بيحصل؟
عبد الستار بص حواليه الأول، وكأنه بيتأكد إن محدش غريب سامعهم.
وبعدين قال
اللي بيدور عليكم... مش عايز فلوس.
أمال عايز إيه؟
عايز حاجة مستخبية من أكتر من تلاتين سنة.
الحاج كمال تنهد.
واضح إنه كان فاهم الكلام.
لكن ندى لاحظت حاجة.
من ساعة ما عبد الستار خرج...
كان بيضغط بإيده على جنبه، كأنه مصاب.
قالت بسرعة
إنت متعور؟
ابتسم ابتسامة متعبة.
رصاصة خدتني وأنا بهرب.
قبل ما حد يسأله إمتى...
رفع إيده المرتعشة، ومدها ناحية ندى.
كان ماسك مفتاحًا حديديًا قديمًا، عليه نفس العلامة المطرزة.
وهو بيسلمه لها قال
الأمانة دي... كان لازم توصل لك.
لكن قبل ما المفتاح يلمس كف ندى...
دوّى صوت طلقة واحدة في المكان.
وتطاير المفتاح من بين أصابع عبد الستار، بينما سقط الرجل على ركبتيه، والتفت الجميع ناحية التل المقابل، حيث لمح عمر انعكاس عدسة بندقية يختفي بين الصخور في الظلام...
ما بقاش فيه غير صوت الأنفاس.
أحد الحراس مد إيده بسرعة وطلع كشاف صغير من جيبه.
اشتغل بعد محاولتين.
ظهر نور خافت كشف وجوههم.
عمر رفع رأسه ناحية السلم وصاح
مين فوق؟!
محدش رد.
لكن بعد ثوانٍ...
وصلهم
اتحبسوا.
الحارس قال بقلق
باشا... قفلوا علينا.
عمر رد بهدوء غريب
يبقى اللي عايزنا هنا... عايزنا نشوف حاجة.
ندى كانت لسه ماسكة الدفتر.
قلبت صفحتين كمان.
كل صفحة كانت عبارة عن اسم، وتاريخ، وختم صغير بنفس العلامة اللي كان جدها بيستخدمها.
لكن فجأة...
وقفت عند صفحة مختلفة.
ما كانش فيها اسم واحد.
كان فيها سطر واحد فقط.
إذا فُتح هذا المكان يومًا... فاعرفوا أن الخائن صار قريبًا جدًا.
ندى همست
جدي كتب ده.
الرجل الكبير أخذ الدفتر منها، ودقق في الخط.
أيوه... لكن بصوا تحت.
كان فيه كلام باهت جدًا، كأنه مكتوب بحبر اختفى مع الزمن.
عمر قرب الكشاف.
بدأت الكلمات تظهر بالتدريج.
الخائن لا يحمل سلاحًا... بل يحمل ثقة الجميع.
ساد الصمت.
كل واحد بص للتاني.
لأن الجملة معناها واضح...
الخطر مش من عدو بره.
الخطر من شخص كلهم واثقين فيه.
في اللحظة دي...
ندى لاحظت حاجة على الأرض.
ركعت ومسحت التراب.
كان فيه آثار أقدام.
حديثة.
قالت بسرعة
استنوا.
كلهم قربوا.
الآثار كانت واضحة جدًا.
طبقة التراب في الغرفة كانت سميكة، ومع ذلك فيه آثار حد دخل من ساعات، مش من سنين.
الحارس استغرب.
بس الباب كان مقفول!
ندى هزت رأسها.
يبقى فيه مدخل تاني.
عمر بدأ يوجّه الكشاف على الجدران.
وفجأة...
وقع الضوء على فتحة ضيقة جدًا خلف أحد الأرفف.
الهواء البارد كان داخل منها.
اقتربوا بحذر.
وفجأة سمعوا...
صوت خطوات.
بطيئة.
منتظمة.
جاية من جوه الممر.
عمر رفع سلاحه.
الحراس عملوا نفس الحركة.
الخطوات قربت...
قربت أكتر...
ثم خرج من الظلام رجل يرفع إيديه علامة إنه أعزل.
كان هو نفسه...
الرجل صاحب البدلة الرمادي.
واقف قدامهم بهدوء، من غير أي خوف.
ابتسم ابتسامة خفيفة وقال باللهجة الصعيدية القديمة
الحمد لله... لحقتكم قبل ما يوصل هو.
عمر ثبت سلاحه عليه.
إنت مين؟
الرجل بص لندى قبل ما يرد.
وقال
أنا آخر واحد اشتغل مع جدك...
ثم انخفض صوته وأضاف
ولو كنت اتأخرت خمس دقايق كمان... كان الخائن اللي بينكم خلّص عليكم
غطّوا الحاج!
في أقل من ثانية، انتشر الحراس حوالين الحاج كمال وندى، بينما اتنين منهم جَروا ناحية التل.
لكن اللي ضرب الرصاصة كان اختفى.
ندى ركعت جنب عبد الستار.
إنت سامعني؟
هز رأسه بصعوبة.
أنا... كويس.
لكن الدم اللي كان بينزل من كتفه كان بيقول غير كده.
التقط عمر المفتاح من على الأرض بسرعة، ونفض عنه التراب.
كان مفتاحًا حديديًا ثقيلًا، وفي آخره حرف ح محفور بطريقة قديمة.
الحاج كمال أول ما شاف الحرف، تنهد وقال
لسه محتفظ بيه...
ندى بصت له باستغراب.
حضرتك تعرف المفتاح؟
رد بهدوء
أعرف الباب اللي بيفتحه.
كل الموجودين سكتوا.
حتى عمر اتفاجئ.
باب إيه؟
الحاج كمال بص ناحية الفرن.
تحت الفرن ده... فيه مخزن قديم.
ندى عقدت حاجبيها.
أنا كنت باجي هنا مع جدي، وعمره ما وراني أي مخزن.
ابتسم الحاج كمال.
لأن جدك كان أمين... والأمانة ما كانتش لأي حد.
عبد الستار فتح عينيه بصعوبة وقال
انزلوا... بسرعة.
سأله عمر
ليه؟
لأنهم... مش هيضربوا تاني.
أمال؟
رد وهو يلهث
هيستنوكم... تحت.
الجملة دي خلت الحراس يبصوا لبعض.
عمر رفع كشافًا قويًا، واتجه ناحية الفرن.
ندى كانت ماشية وراه.
وصلوا لآخر الفرن، وكان فيه بلاطة حجر كبيرة مغطاة بطبقة تراب.
الحاج كمال خبط بعصاه عليها ثلاث خبطات متتالية.
تك... تك... تك.
وفجأة...
البلاطة اتحركت سنتيمترات قليلة لوحدها.
ندى شهقت.
تحتها ظهر سلم حجري نازل لأسفل، والهواء البارد طلع منه كأنه خارج من مكان مقفول من عشرات السنين.
عمر وجه الكشاف لأسفل.
السلم كان طويلًا جدًا.
قال لأحد الحراس
أنا وأنتم الاتنين بس.
لكن ندى قالت بحزم
لأ... أنا هانزل.
لف يبصلها.
خطر.
لو جدي سلمني الأمانة... يبقى لازم أعرف نهايتها.
قبل ما يرد...
الحاج كمال قال
خليها تيجي.
نزلوا السلم بحذر.
كل خطوة كانت بتصدر صدى غريب.
وبعد حوالي دقيقة...
وصلوا لغرفة حجرية واسعة.
الجدران مليانة أرفف خشب قديمة.
لكن الغريب...
إنها ما كانتش مليانة دهب ولا فلوس.
كانت مليانة دفاتر.
مئات الدفاتر المرتبة بعناية.
ندى قربت من أول رف.
نزعت طبقة
كان مكتوب على الغلاف
الأمانات.
فتحته ببطء.
كل صفحة فيها اسم...
وتاريخ...
وتوقيع.
وأول اسم في أول صفحة كان
كمال الدمنهوري.
لكن اللي لفت نظر ندى أكثر...
إن الصفحة اللي بعدها مباشرة كان فيها اسم آخر مكتوب بخط جدها
حسن عبدالجواد... تم التسليم كاملًا.
وفي اللحظة نفسها...
سمعوا صوت باب حديدي يُغلق بقوة من أعلى السلم.
نظر عمر بسرعة إلى الأعلى.
ثم انطفأ الكشاف الوحيد فجأة...
وغرقت الغرفة كلها في ظلامٍ دامس وصلت العربيات قدام بيت ندى بعد أقل من ربع ساعة.
الشارع كان مليان جيران واقفين في صمت، وكلهم بيبصوا ناحية الشقة.
أول ما ندى نزلت، طلعت السلم وهي بتجري.
باب الشقة كان مكسور فعلًا.
لكن الغريب...
إن الصالة، والمطبخ، وحتى أوضتها، كانوا زي ما هم.
ولا حاجة متحركة.
قال عمر وهو بيلف بعينه في المكان
كانوا عارفين رايحين فين.
دخلت ندى أوضة جدها.
وقفت مكانها.
السرير متزحزح.
الدولاب مفتوح.
كل الكتب مرمية على الأرض.
لكن وسط الفوضى...
كان فيه كرسي خشب قديم متحطوط في نص الأوضة.
فوق الكرسي...
فنجان شاي.
لسه خارج منه بخار خفيف.
ندى همست وهي مش مصدقة
مستحيل...
عمر لمس الفنجان بطرف صباعه.
سحب إيده بسرعة.
لسه سخن.
يعني اللي كان هنا...
ساب البيت من دقايق بس.
فؤاد بدأ يبص حوالين الحيطة.
وقف قدام صورة قديمة معلقة للجد حسن.
ابتسم وقال
كان ذكي زي عادته.
مد إيده، وعدّل الصورة سنة صغيرة ناحية اليمين.
فجأة...
طلع صوت تك.
وجزء من الحيطة اتحرك سنتيمترات قليلة.
ندى فتحت بقها من الدهشة.
ورا الحيطة...
ظهر تجويف صغير.
لكن كان فاضي.
ماعدا ظرف أصفر واحد.
فؤاد أخده بسرعة.
قلبه بين إيديه.
وبعدين قال
لسه ملحقوش.
فتح الظرف.
كان فيه مفتاح تاني...
أصغر من الأول.
ومعه ورقة مطوية.
ناولها لندى.
فتحتها.
كان الخط هو نفسه خط جدها.
وقرأت بصوت مرتعش
يا ندى... لو وصلتي للورقة دي، يبقى الأمانة لسه محفوظة. أوعي تثقي في أي حد لمجرد إنه بيقول إنه صاحبي... لأن اللي خان زمان، عرف يستخبى وسط الأوفياء.
سكتت.
وقلبت الورقة.
كان فيه سطر
قرأته بصوت أعلى
ولما تقابلي صاحب العصاية الفضية... اسأليه عن ليلة الساقية.
رفع الجميع عيونهم في نفس اللحظة ناحية الحاج كمال.
الحاج كمال...
اللي كان واقف ساكت من أول ما دخل الشقة.
اتغيرت ملامحه لأول مرة.
وشد على عصاه بقوة.
عمر قرب منه.
إيه هي ليلة الساقية؟
الحاج كمال ما