النادلة الخجولة بقلم ميرا
فجأة أدركت حاجة خلت الدم يتجمد في عروقها...
الراجل ما كانش بيبص لعمر وهو بيقولها الجملة...
كان بيبص على أحد الحراس الواقفين خلفه... وكأنه هو المقصود.
وقبل ما تقدر تنطق بأي كلمة...
شافت نفس الحارس بيمد إيده بهدوء شديد...
تحت سترته ندى اتسعت عينيها.
الحارس كان واقف بثبات، ملامحه هادئة بشكل غريب، لكن إيده كانت بتتحرك ببطء تحت سترته... كأنه بيدور على حاجة محددة.
من غير ما تفكر، صاحت بأعلى صوتها
أستاذ عمر... وراك!
في نفس اللحظة، استدار عمر بسرعة.
الحارس لمح نظرة عمر، فسحب إيده بسرعة... لكن بدل ما يطلع سلاح، طلع جهاز صغير أسود في حجم كف الإيد.
ضغط عليه.
ولم يحدث شيء.
تجمدت ملامحه للحظة.
في أقل من ثانية، كان اثنان من رجال الأمن قد طرحوه أرضًا، بينما انقض الثالث على الجهاز وخطفه من إيده.
المطعم كله تحول لفوضى.
الزبائن خرجوا يجروا ناحية الأبواب، والكراسي اتقلبت، والأطباق اتكسرت على الأرض.
أما عمر، فما اتحركش من مكانه.
كان مركز نظره على الجهاز اللي في إيد الحارس.
اقترب منه أحد رجاله وقال بصوت منخفض
باشا... ده جهاز إرسال.
رد عمر
مش تفجير؟
لأ... لكنه كان هيبعت إشارة.
ندى كانت واقفة مكانها، نفسها سريع.
سألت بخفوت
إشارة لإيه؟
قبل ما حد يرد...
دخل رجل كبير في السن، لابس بدلة كحلي، وشعره كله أبيض.
بمجرد ما شافه رجال عمر، وسعوا له الطريق من غير كلمة.
وقف قدام الجهاز، قلبه بين صوابعه، وقال
اتأخرنا ثواني.
سأله عمر
تعرفه؟
رد الرجل
أعرف الجهاز... مش الراجل.
فتح الغطاء الخلفي للجهاز بحذر شديد.
وبعد لحظات، سحب منه شريحة إلكترونية صغيرة جدًا.
رفعها قدام النور وقال
دي كانت هتبعت موقعكم الحالي.
سكت لحظة، ثم أكمل
واللي مستني الإشارة مش شخص واحد... دي مجموعة كاملة.
عمر عقد حاجبيه.
مين؟
الرجل هز رأسه.
لسه معرفش... لكن واضح إن في حد جوه دايرتكم بيساعدهم.
الجملة دي وقعت على المكان كله كالصاعقة.
كل الحراس بصوا لبعض.
ولا واحد فيهم اتكلم.
ندى لاحظت حاجة غريبة.
الحارس المقبوض عليه... رغم إنه متكتف، كان بيبتسم.
ابتسامة واثقة جدًا.
اقترب
بتضحك على إيه؟
رفع الحارس رأسه وقال بهدوء
لأنكم مسكتوا الشخص الغلط.
ساد صمت ثقيل.
ثم أكمل وهو ينظر مباشرة إلى ندى
اللي أنقذك النهارده... هو نفسه اللي هيكشف الحقيقة.
ندى شهقت.
أنا؟!
ابتسم الحارس أكثر، وقال
لأ... الراجل اللي عرف اسم جدك... هو الوحيد اللي شاف وش العدو الحقيقي.
وفي نفس اللحظة، دخل أحد رجال عمر يلهث وهو يقول
باشا... دورنا على الراجل اللي كان لابس بدلة رمادي.
تقدم خطوة، ثم قال بقلق
ملقيناهوش...
ابتلع ريقه وأكمل
لكن لقينا حاجة أخطر.
رفع كيسًا شفافًا بداخله رغيف خبز بلدي قديم، ملفوف في قطعة قماش صفراء.
ندى أول ما شافته، شحب وجهها.
همست بصوت مرتجف
مستحيل...
لأن قطعة القماش دي...
كانت مطرزة بنفس العلامة اليدوية التي كان جدها الراحل يضعها على كل رغيف يخبزه، وهي علامة لم يكن يعرف سرها سوى شخصين فقط ندى مدت إيدها ناحية الكيس، لكن أصابعها وقفت قبل ما تلمسه.
همست
العلامة دي... مستحيل حد يقلدها.
بص لها عمر باستغراب.
إيه حكايتها؟
أخذت نفسًا عميقًا وقالت
جدي كان بيطرزها بإيده على قطعة قماش صغيرة، ويحطها مع أول رغيف يطلع من الفرن كل يوم.
وليه؟
كان يقول إنها أمانة... ومحدش يسأل أكتر.
الرجل الكبير اللي فحص جهاز الإرسال قرب من الرغيف، وقلبه بحذر.
وفجأة لمس بأصابعه حاجة صلبة جوه العجين.
رفع عينيه بسرعة.
فيه حاجة مستخبية.
أخرج سكينًا صغيرًا، وشق الرغيف من المنتصف.
كل الموجودين قربوا.
من داخل الرغيف خرجت أسطوانة نحاسية صغيرة جدًا، قد عقلة الإصبع.
كانت قديمة، وعليها نفس العلامة المطرزة.
ناولها لعمر.
لفها عمر بين أصابعه، ثم حاول يفتحها.
لكنها ما اتحركتش.
ندى بصتلها للحظة، واتسعت عينيها.
استنى...
أخذتها منه.
ضغطت بإبهامها على نقطة صغيرة في طرفها، ثم لفتها نصف لفة.
صدر صوت خفيف...
تك.
واتفتحت.
نظر لها عمر بدهشة.
إزاي عرفتي؟
ابتسمت بحزن.
وأنا صغيرة، كنت بلعب بواحدة شبهها... وجدي زعقلي يومها وقال دي أمانة مش لعبة.
داخل الأسطوانة كانت فيه ورقة ملفوفة بعناية.
فتحها الرجل الكبير ببطء.
لكن بدل ما يقرأها...
تغير
ناولها لعمر من غير كلمة.
قرأ عمر أول سطر...
وتجمد مكانه.
سألته ندى بقلق
فيها إيه؟
رفع عينيه إليها ببطء وقال
دي مش رسالة.
أمال إيه؟
دي... قائمة أسماء.
أسماء مين؟
قلب الورقة.
كان فيها أكثر من عشرين اسمًا.
بعضها عليه علامة صح.
وبعضها متشطب بخط أحمر.
وفي آخر القائمة...
كان مكتوب اسمان فقط بدون أي علامة.
كمال الدمنهوري.
ندى حسن.
وقبل ما حد يستوعب اللي قدامه...
رن هاتف عمر.
رد بسرعة.
لكن محدش اتكلم.
وبعد ثوانٍ...
وصل من السماعة صوت رجل مسن، هادئ بشكل مرعب، بيتكلم بنفس اللهجة الصعيدية القديمة
واضح إن الأمانة وصلت أخيرًا.
تجمدت ندى.
الصوت...
كان قريب جدًا من صوت جدها.
لكن جدها...
كان متوفى من سنة كاملة ندى فقدت لونها.
فضلت تبص في الموبايل اللي في إيد عمر وكأنها بتحاول تقنع نفسها إنها سمعت غلط.
الرجل على الخط قال بهدوء
يا بت حسن... لو كنتِ فاكرة إن الحكاية خلصت بوفاة جدك... تبقي لسه ما تعرفيش البداية.
عمر ضغط على زر مكبر الصوت.
إنت مين؟
ضحكة خافتة خرجت من السماعة.
أنا واحد وفى بوعد قديم... والباقي عليكم.
انقطع الاتصال.
حاول رجال عمر يتتبعوا الرقم فورًا، لكن بعد أقل من دقيقة، هز مسؤول الاتصالات رأسه.
الخط اتقفل... واترمي.
ساد صمت ثقيل.
ندى كانت لا تزال ممسكة بالأسطوانة النحاسية.
وفجأة تذكرت شيئًا.
قالت بسرعة
استنوا...
كل الأنظار اتجهت لها.
جدي قبل ما يتوفى بأسبوع، طلب مني أطلع صندوق خشب صغير من فوق الدولاب.
عمر سألها
وبعدين؟
فتحه... وبص جوه دقيقة كاملة... وبعدها قفله تاني، وقال لي لو جه يوم وسألك حد عن العلامة دي... ما ترديش إلا لما تشوفي بعينك.
الصندوق فين دلوقتي؟
ندى سكتت.
ثم قالت وهي تحاول تتذكر
بعد الجنازة... اختفى.
عقد عمر حاجبيه.
اختفى؟
قلبت البيت كله عليه... ملقتوش.
الرجل الكبير قال بهدوء
يبقى حد دخل البيت بعد الوفاة.
ندى هزت رأسها ببطء.
وقتها افتكرت إني أنا اللي نسيته... لكن دلوقتي...
قطع كلامها صوت أحد الحراس.
دخل مسرعًا وهو يحمل جهازًا لوحيًا.
باشا.
ناول الجهاز لعمر.
ظهرت صورة من كاميرات المراقبة
قال الحارس
راجعنا التسجيل قبل خمس دقايق.
بدأ الفيديو يشتغل.
ظهر الرجل صاحب البدلة الرمادي وهو خارج من المطعم.
كان يمشي بهدوء.
لكن قبل ما يختفي من زاوية الكاميرا...
وقف فجأة.
لف وشه ناحية عدسة الكاميرا مباشرة.
ورفع إيده...
وأشار بإصبعه ناحية المطعم.
ثم رسم في الهواء نفس العلامة المطرزة الموجودة على قطعة القماش.
ندى شهقت.
دي علامة جدي.
الرجل الكبير قرب من الشاشة وقال
كبر الصورة.
كبروا اللقطة.
ولما وضحت ملامح الراجل أكثر...
تجمد عمر.
همس بصوت منخفض جدًا
مستحيل...
ندى التفتت إليه.
إيه؟
رد من غير ما يرفع عينه عن الشاشة
أنا أعرف الراجل ده.
مين هو؟
أخذ نفسًا عميقًا وقال
ده كان الحارس الشخصي لأبويا... من خمسة وعشرين سنة.
سكت لحظة.
ثم أكمل
لكن المشكلة...
نظر إلى ندى وعيناه امتلأتا بالدهشة.
إحنا دفناه بإيدينا من عشرين سنة.
وفي نفس اللحظة، دخل أحد رجال الأمن يلهث وقال
باشا... الحاج كمال خرج من البيت من نص ساعة من غير حراسة.
وقف عمر فجأة.
راح فين؟
رد الرجل
ساب جواب بس.
مد له ظرفًا مختومًا.
فتح عمر الظرف بسرعة.
كانت فيه ورقة قصيرة مكتوب فيها بخط اليد
اللي فهم اللهجة... هو الوحيد اللي يقدر يمنع الدم قبل ما ينزل.
ثم أسفلها...
مكان واحد فقط.
الفرن القديم... عند أول الطريق الجبلي.
وانتهت الرسالة عند هذا الحد، بينما تبادل الجميع النظرات، مدركين أن الحاج كمال سبقهم إلى مكان لا يعرف سره إلا عدد قليل جدًا من الناس عمر طوى الورقة بسرعة، وبص لندى.
تعرفي الفرن ده؟
ندى بلعت ريقها.
أعرفه... وأنا صغيرة كنت بروح مع جدي هناك قبل الفجر.
لسه موجود؟
من بره آه... إنما محدش بيخبز فيه من سنين.
الحاج كمال كان سبقهم.
وده كان أسوأ احتمال.
بعد عشرين دقيقة...
كانت عربيات عمر واقفة قدام فرن طيني قديم على طرف طريق ترابي، بعيد عن البيوت.
الهواء كان ساكن.
والمكان هادي بشكل يخلّي أي صوت صغير يبان.
أول ما ندى نزلت من العربية، وقفت مكانها.
شمّت الهوا.
همست
ريحة حطب.
استغرب عمر.
يعني إيه؟
حد ولّع الفرن من قريب.
نظر عمر ناحية المدخنة.
كان
رفع إيده.
محدش يدخل.
لكن قبل ما يكمل كلامه...
خرج الحاج كمال بنفسه من باب الفرن.
كان ماسك عصاه الفضية، ووشه هادي على غير العادة.
أول ما شاف ندى قال
كنت عارف إنك هتيجي.
جريت ندى ناحيته.
إنت كويس؟
ابتسم ابتسامة خفيفة.