النادلة الخجولة بقلم ميرا

لمحة نيوز

النادلة الخجولة ردّت على والد زعيم المافيا باللهجة الصعيدية... فكشفت الرجل الذي كان يخطط لقتلهما معًا
أول حارس شخصي مدّ يده تحت سترته قبل حتى ما ندى حسن تكمّل جملتها.
في لحظة، ساد الصمت مطعم ليالي النيل بالكامل.
شوكة توقفت في منتصف الطريق إلى فم سيدة أنيقة، وأكواب الكريستال استقرت بلا صوت. وبجوار البار، جلس نائب معروف يحدّق في طبق الستيك أمامه وكأنه يخشى أن مجرد رفع رأسه قد يكلّفه حياته.
وقفت ندى بجوار أخطر طاولة في المطعم، تحمل في يدها زجاجة نبيذ باهظة الثمن، وفي الأخرى فوطة التقديم البيضاء.
أمامها جلس الحاج كمال الدمنهوري، الرجل الذي كانت نظرة واحدة من عينيه كافية لإسكات غرفة كاملة.
قبل خمس ثوانٍ فقط، كان يسخر منها بلهجة صعيدية قديمة لم يعد كثيرون يفهمونها، واصفًا إياها بأنها عديمة الخبرة، وأن وجودها دليل على أن ابنه أصبح لينًا بعد سنوات من العيش في المدينة.
ندى، ذات الأربعة والعشرين عامًا، أمضت معظم حياتها تتعلم كيف تمرّ دون أن يلاحظها أحد.
لكنها كانت مرهقة... قدماها تؤلمانها، ولم يعد لديها استعداد لأن تعتبر صمتها ضعفًا أمام أي رجل مهما بلغت سلطته.
سكبت الكمية المناسبة من النبيذ في كأس الحاج كمال، رفعت رأسها ونظرت في عينيه، ثم ردّت بنفس اللهجة التي كان جدها يتحدث بها طوال حياتها.
يا حاج كمال... صحيح أصلي من أماكن مختلفة، لكن إيدي ثابتة. النبيذ ممتاز. اشربه لو يعجبك... ولو مش عاجبك أجيب لك كوباية مية. المية ببلاش.
وفجأة...
ستة رجال مسلحين ثبتوا أعينهم عليها.
مدير المطعم، محمود مرسي، تشبث بمكتب الحجوزات حتى ابيضّت أصابعه.
أما النادل الكبير عادل، الذي كان قد هرب من خدمة تلك الطاولة قبل دقائق، فكان يراقب المشهد من خلف باب المطبخ.
بينما كان عمر الدمنهوري، الابن الوحيد للحاج كمال، ينظر إلى ندى وكأنها خرجت من العدم.
كان عمر يدير إمبراطورية العائلة منذ خمس سنوات.
على عكس والده، لم يكن يصرخ، ولم يكن يهدد أحدًا علنًا.
كان يرتدي أفخم البدلات، يمتلك شركات شحن واستيراد، ويجلس في اجتماعات كبار رجال الأعمال الذين يتظاهرون بعدم معرفتهم بمصدر ثروة عائلته

الحقيقي.
كان يخيف الناس بصمته فقط.
وفي الرابعة والثلاثين من عمره، كان يبدو كرجل خرج من صورة قديمة، لكن عينيه كانتا تحفظان كل شيء... المخارج، ونقاط الضعف، ووجوه الناس.
والآن...
كانتا معلقتين بالكامل على ندى.
مدّ الحاج كمال يده ببطء نحو الكأس.
شمّ النبيذ...
ارتشف منه...
ثم ابتلع.
وبعدها...
ضحك.
ضحكة منخفضة وخشنة لم يسمعها أحد منه منذ سنوات.
ابتعدت أيدي الحراس عن أسلحتهم.
نظر الحاج كمال إلى ابنه وقال باللهجة نفسها
أخيرًا لقيت حد في مطعمك عنده قلب.
لم تبتسم ندى.
اكتفت بإيماءة صغيرة، حملت الصينية، وعادت إلى المطبخ دون أن تسمح لنفسها بالجري.
بمجرد أن أُغلق الباب خلفها، سقط فتّاح الزجاجات من يدها.
أمسك محمود بذراعها بسرعة.
إنتِ قلتي له إيه؟
عرضت عليه أشربه مية.
إنتِ... عرضتي على الحاج كمال الدمنهوري مية؟!
واضح إن النبيذ مضايقه.
حدّق عادل فيها مذهولًا.
الراجل ده دفن ناس بسبب أقل من كده.
ردّت بهدوء
بس هو شرب.
نظر محمود من نافذة المطبخ، فوجد الحاج كمال يفرغ الكأس حتى آخر قطرة.
تنهد وقال
إنتِ اللي هتكملي خدمة الطاولة دي.
شعرت ندى أن معدتها انقبضت.
يا أستاذ محمود...
محدش غيرك هيقرب منهم.
طوال الساعتين التاليتين، كانت تنقل أطباق اللحم المشوي والخضار والقهوة والحلوى إلى الطاولة نفسها.
الحاج كمال كان يراقب يديها.
أما عمر...
فكان يراقب كل شيء آخر.
وعندما انتهى العشاء، وقف الحاج كمال مستندًا إلى عصاه الفضية، وأخرج خمس ورقات من فئة مائة دولار، ووضعها في جيب مريلتها.
دي علشان تعبك.
شكرًا يا فندم.
توقف لحظة ثم سألها
اسمك إيه؟
ندى حسن.
ردد الاسم ببطء وكأنه يحفظه داخل ذاكرته.
ثم غادر مع رجاله.
لأول مرة منذ ساعات، عاد المطعم يتنفس.
لكن عمر بقي جالسًا وحده.
اقتربت ندى تجمع فناجين القهوة، لأن أحدًا غيرها لم يكن يجرؤ على الاقتراب منه.
سألها
اتعلمتي اللهجة دي فين؟
من جدي.
اللهجة دي بقت نادرة.
كان رافض يتكلم بأي طريقة تانية. لو عايزة آكل... لازم أفهمه.
سألها
كان اسمه إيه؟
الحاج حسن.
ظهر شيء غريب على ملامح عمر.
كان من الصعيد؟
أيوه.
كان يعرف عيلتنا؟
ابتسمت ابتسامة خفيفة.

كان خباز.
قال عمر
أوقات الخبازين كانوا بيوصلوا رسايل أهم من العساكر.
ضحكت ندى لأول مرة.
وجدي كان بيوصل العيش... وبس.
كاد عمر يبتسم.
ثم قالت بهدوء
توفى السنة اللي فاتت بسبب مرض في الرئة... وأنا فضلت معاه لآخر يوم.
ودلوقتي بتشتغلي هنا.
علشان أدفع الإيجار.
هز رأسه وقال
مش ده اللي كنت أقصده.
أجابت وهي تحمل الصينية
وده الرد الوحيد اللي هتاخده.
ثم غادرت.
بعد ساعة، خرجت من الباب الخلفي للمطعم إلى الشارع البارد.
معطفها كان خفيفًا، وحذاؤها الطبي بدأ يتفكك.
لكن الخمسمائة دولار في جيبها كانت تعني أنها ستدفع الإيجار قبل أن يغيّر صاحب الشقة القفل، وتعني أيضًا أن ثلاجتها لن تبقى فارغة.
وأثناء سيرها نحو محطة المترو، كانت تردد لنفسها وعدًا واحدًا
من بكرة هرجع أبقى غير مرئية.
لكنها لم تكن تعرف...
أن حياتها كلها ستتغير في الليلة التالية.
في مساء اليوم التالي، وصلت ندى إلى المطعم، ففوجئت بأن المدير نقلها إلى القسم المخصص لكبار الزبائن، بينما أرسل عادل إلى الخارج.
حتى طاقم المطبخ أصبح يعاملها باحترام.
وفي تمام الثامنة والنصف...
دخل عمر الدمنهوري وحده.
تجاهل الطاولة المعتادة، واختار طاولة صغيرة داخل قسم ندى.
اقتربت منه.
قال بهدوء
قهوة... واقعدي.
أنا شغالة.
نظر نحو المدير.
فاختفى محمود داخل المطبخ فورًا.
ابتسم عمر وقال
إنتِ دلوقتي في استراحة.
جلست على طرف الكرسي في حذر.
قال
أبويا مضحكش على سفرة من عشر سنين. إنتِ أول واحدة تقدر تعترضه ويكافئها.
ردت
أنا ما اعترضتش... أنا بس اديته اختيار.
مكنتيش خايفة؟
ابتسمت ابتسامة باهتة.
كنت مرعوبة.
بس شكلك مكانش باين عليه.
قالت وهي تنظر في فنجان القهوة
جدي كان دايمًا يقول... الخوف حاجة بينك وبين نفسك، متدفعيش تمنه قدام الناس.
ظل عمر يتأملها طويلًا...
ثم سألها بصوت منخفض
قوليلي يا ندى... إنتِ في الحقيقة مين؟
النادلة الخجولة ردّت على والد زعيم المافيا باللهجة الصعيدية... فكشفت الرجل الذي كان يخطط لقتلهما معًا
حكايات_ميراااا
ندى رفعت عينيها من فنجان القهوة، وثبتت نظرها عليه لثانيتين قبل ما ترد.
أنا؟... مجرد بنت بتحاول تعيش.
عمر
هز راسه ببطء.
لأ... الناس العادية مبتردش على أبويا بالطريقة دي.
يمكن لأني معرفش هو مين.
كنتي عرفاه.
كنت عارفة إنه زبون مهم... إنما مش ده اللي خلاني أتكلم.
سكت عمر شوية، وبعدين قال
أبويا قال كلمة غريبة بعد ما خرجنا امبارح.
ندى رفعت حاجبها.
قال إيه؟
قال البنت دي سمعت لهجة ناس ماتوا من زمان.
قبل ما ترد...
رن تليفون عمر.
بص للشاشة، وتجمدت ملامحه.
الاسم اللي ظهر خلاه يقفل الخط من غير ما يرد.
بعد أقل من خمس ثواني...
رن مرة تانية.
قفل.
ثم للمرة الثالثة.
تنهد وقال
استأذن دقيقة.
قام من مكانه واتجه ناحية الشباك.
ندى رجعت تكمل شغلها، لكن وهي ماشية بين الطاولات، لمحت راجل داخل المطعم لأول مرة.
لابس بدلة رمادي غامق.
وشه هادي جدًا.
لكن عينه ما كانتش بتتحرك غير بين عمر... وندى.
فضل قاعد من غير ما يطلب أي أكل.
ولا حتى كباية مية.
بعد عشر دقايق...
نادى بإيده.
راحت له.
ابتسم وقال
قهوة سادة.
حاضر.
وهي بتكتب الطلب...
قال من غير ما يبصلها
إنتِ ندى حسن؟
وقفت إيدها لحظة.
أيوه.
جدك كان اسمه حسن عبد الجواد؟
قلبها دق بسرعة.
رفعت راسها.
حضرتك تعرفه؟
ابتسم ابتسامة صغيرة.
زمان.
وقبل ما تسأله أي سؤال...
قال
خلي بالك من الراجل اللي هناك.
وأشار بعينه ناحية عمر.
ندى بصت بسرعة.
ليه؟
لكن الراجل كان قام من مكانه.
ساب على الطاولة مبلغ أكبر من تمن القهوة رغم إنه ما شربهاش.
ومشى.
ندى خرجت وراه خطوتين.
فتحت باب المطعم...
ملقتوش.
اختفى.
رجعت وهي حاسة إن في حاجة مش طبيعية.
وفي نفس اللحظة...
دخل شاب صغير يلبس يونيفورم شركة توصيل.
اتجه مباشرة لطاولة عمر.
حضرتك الأستاذ عمر؟
أيوه.
في ظرف لحضرتك.
استلمه عمر.
كان ظرف أبيض عادي.
من غير اسم المرسل.
فتح الظرف...
وسحب منه ورقة واحدة.
أول ما قرا أول سطر...
اتغير لون وشه بالكامل.
طوى الورقة بسرعة قبل ما أي حد يشوفها.
لكن ندى، وهي واقفة بعيد، لمحت سطرًا واحدًا فقط قبل ما يقفلها
العشاء القادم هيكون الأخير ليكم أنتم الاتنين.
رفع عمر عينه ناحية باب المطعم فجأة.
الشاب بتاع التوصيل...
كان اختفى هو كمان.
وقف عمر بسرعة.
نادى على أحد الحراس اللي كانوا
منتظرينه بره.
اقفلوا كل المداخل.
الحراس انتشروا في ثوانٍ.
الزباين بدأوا يبصوا لبعض في قلق.
أما ندى...
فافتكرت الراجل صاحب البدلة الرمادي.
وافتكرت جملة واحدة قالها قبل ما يمشي
خلي بالك من الراجل اللي هناك.
لكنها

تم نسخ الرابط