زعيم حكايات ميرا

لمحة نيوز

التليفون.
أول ما سمع الإنذار، جرى بأقصى سرعة.
رجاله جريوا وراه.
أما داخل الغرفة...
المهاجم أدرك إنه محاصر.
فطلع سكينة صغيرة كانت مخبية في حزامه.
ندى شهقت.
خلي بالك!
لكن عمر سبقها.
شد ذراع الرجل نحوه بقوة، فاختل توازنه ووقع على حافة السرير.
الجرح اللي في جنب عمر اتفتح جزء بسيط.
بقعة دم جديدة ظهرت على الضمادات.
ورغم كده...
ما سابوش.
الباب اتفتح بعنف.
دخل سيف ومعاه أربعة من رجاله.
أول منظر شافوه...
زعيمهم لسه خارج من العملية، لكنه ماسك المهاجم من رقبته، والسكينة مرمية على الأرض.
سيف اندفع في ثانية.
طرحه أرضًا، وجرده من أي سلاح.
الرجال كبلوه.
المهاجم فضل ساكت.
ولا نطق بكلمة.
سيف نزل على ركبته قدامه.
مين اللي باعتك؟
ابتسم الرجل ابتسامة مستفزة.
وبرغم الدم اللي نازل من فمه، قال بهدوء
حتى لو قتلتني... فيه غيري.
وقبل ما يكمل...
عض شيئًا صغيرًا كان مخبيه بين أسنانه.
ندى صرخت
استنى!
لكن فات الأوان.
خلال ثوانٍ...
بدأ جسمه يتشنج.
والرغوة خرجت من فمه.
الدكتور اندفع يحاول ينقذه.
لكن بعد أقل من دقيقة...
هز رأسه بأسف.
مات.
ساد صمت ثقيل.
سيف ضرب الحائط بقبضته.
كل مرة!
أما عمر...
فكان لسه قاعد على السرير بصعوبة.
أنفاسه متقطعة.
ندى قربت منه بسرعة.
لازم ترجع تنام... الجرح اتفتح.
بصلها للحظات.
ثم لأول مرة، سمح لها إنها تقرب من غير أي اعتراض.
بدأت تغير الضمادة بحذر شديد.
وفجأة...
لاحظت شيئًا غريبًا تحت ياقة عامل الصيانة الميت.
وشم العقرب اللي شافه سيف في الكاميرات...
كان مجرد طبقة حبر قابلة للإزالة.
مسحت جزءًا منه بقطنة مبللة.
فاختفى العقرب تمامًا.
لكن تحت الحبر...
ظهر وشم أقدم.
وشم على هيئة نصف قمر يتوسطه حرفان محفوران باللون الأزرق.
أول ما وقع نظر عمر عليه...
اتغير لون وشه.
وهمس باسم لم ينطقه منذ أحد عشر عامًا
...يوسف؟!تجمدت ندى مكانها.
كانت أول مرة تشوف عمر يفقد هدوءه بالشكل ده.
مش غضب...
ولا خوف.
كان صدمة.
كأن اسم واحد قدر يرجع به سنين كاملة في لحظة واحدة.
سيف قرب بسرعة.
باشا... إنت تعرف العلامة دي؟
عمر ما ردش.
عينه كانت ثابتة على الوشم.
نفس العلامة.
نفس الشكل.
نفس الرمز اللي كان محفور على سلسلة أخوه يوسف.
الأخ الوحيد اللي كان يثق فيه.
والشخص الوحيد اللي وقف بجانبه ليلة الحريق.
لكن يوسف...
كان

المفروض مات.
منذ أحد عشر عامًا.
في نفس الليلة.
ليلة النار.
ليلة الخيانة.
ندى لاحظت إن إيده بدأت ترتعش.
قربت منه وقالت بهدوء
عمر...
رفع عينه لها.
ولثانية واحدة، اختفى الزعيم اللي يخاف منه الجميع.
ظهر شخص مجروح فقد شخصًا مهمًا.
قال بصوت منخفض
يوسف كان معايا الليلة دي.
سيف سكت.
لأنه يعرف القصة.
لكن عمر عمره ما حكاها كاملة.
تابع
لما النار اشتعلت... حاول يطلعني.
ابتلع ريقه بصعوبة.
سمعت صوته وهو بيصرخ.
سكت لحظة.
وبعدها... اختفى.
ندى سألت بهدوء
يعني ممكن يكون عايش؟
عمر قفل عينه.
لا.
ثم فتحها فجأة.
لأني أنا اللي شفت...
توقف.
كأنه مش قادر يكمل.
في اللحظة دي، دخلت منى بسرعة وهي ماسكة ملف.
عمر بيه...
الجميع التفت لها.
كان واضح عليها التوتر.
قالت
أنا لقيت حاجة مهمة.
سيف قرب منها.
إيه؟
مدت الملف.
سجل دخول عامل الصيانة.
فتح سيف الورق بسرعة.
وبدأ يقلب الصفحات.
ثم توقف.
إيه ده؟
في السجل...
اسم العامل كان موجود.
لكن التوقيع...
كان باسم مختلف.
يوسف الدمنهوري.
سقط الصمت على الغرفة.
ندى بصت لعمر.
أما هو...
فكان وجهه بلا أي تعبير.
أخذ الورقة ببطء.
مرر عينه على الاسم.
ثم قال
يوسف مات.
سيف قال
يبقى مين اللي دخل المستشفى باسمه؟
قبل ما حد يرد...
رن هاتف عمر الموضوع على الطاولة.
رقم مجهول.
نظر الجميع إليه.
ندى قالت
ما تردش.
لكن عمر مد يده.
وأمسك الهاتف.
ضغط استقبال.
في البداية...
لم يسمع أحد شيئًا.
ثم جاء صوت منخفض من الطرف الآخر.
صوت رجل.
هادئ.
ومألوف.
قال
وحشتني يا عمر.
تجمد عمر.
لأن الصوت...
كان صوت شخص دفنه بيده منذ أحد عشر عامًا ظل عمر ماسك الهاتف من غير ما يرد.
كل اللي في الغرفة لاحظ التغير اللي حصل في وشه.
الدم انسحب من ملامحه.
عينيه ثبتت على نقطة واحدة في الفراغ.
سيف قرب منه بحذر.
باشا... مين؟
لكن عمر رفع إيده يمنعه.
كان عايز يسمع.
الصوت من الطرف الآخر ضحك ضحكة خفيفة.
لسه زي ما أنت... حتى بعد كل السنين دي، أول ما تسمع صوتي تسكت.
قبض عمر على الهاتف بقوة.
وقال بصوت مبحوح
أنت مين؟
ساد صمت قصير.
ثم جاء الرد
إنت عارف أنا مين.
عمر غمض عينه.
يوسف مات.
ضحك الصوت.
دي كانت أكتر كذبة صدقتها في حياتك.
سيف ونَدى تبادلوا النظرات.
أما عمر...
فكان كأنه رجع للماضي.
قال بصعوبة
أنا شفتك.
لا.
جاء الرد سريعًا.
إنت
شفت اللي حد خلاك تشوفه.
تغيرت ملامح عمر.
يعني إيه؟
الصوت بقى أكثر جدية.
يعني ليلة الحريق... ما كانتش خيانة.
سكت عمر.
كأن الكلمة ضربته في مكان حساس.
أكمل الصوت
الست اللي وثقت فيها ما كانتش الوحيدة اللي باعتك.
ندى بصت لعمر.
لأول مرة تفهم إن الحكاية اللي عاش عمر بسببها أحد عشر سنة...
يمكن ما كانتش كاملة.
قال يوسف
في حد كان عايزك تصدق إني خنتك.
عمر همس
مين؟
لكن الطرف الآخر لم يرد مباشرة.
قال
الرسالة وصلت؟
عين عمر اتحركت ناحية الدرج المعدني.
الرسالة.
المفتاح.
السوار.
كل الخيوط بدأت تتجمع.
قال يوسف
لو فتحتها... هتعرف مين الشخص اللي كان واقف جنبك طول السنين دي.
سيف نظر حوله بتوتر.
وكأنه فهم معنى الجملة.
عمر قال
ليه ما ظهرتش طول الوقت ده؟
جاء الرد بعد صمت طويل
لأني كنت بحاول أحميك.
ضحك عمر بمرارة.
تحميني؟ وأنا عشت 11 سنة فاكر إنك خنتني؟
الصوت ضعف قليلًا.
كنت لو ظهرت... كنت هتموت.
وفجأة...
انقطع الاتصال.
عمر نزل الهاتف ببطء.
الغرفة كلها كانت ساكتة.
ندى كانت تراقب وجهه.
ثم قالت بهدوء
إنت مصدقه؟
عمر لم يجب.
بعد لحظات قال
مش عارف.
ثم نظر إلى الدرج الذي فيه الرسالة.
بس لو فيه احتمال واحد بالمية إن الحقيقة مختلفة...
سكت.
ثم نظر إلى سيف.
هات المفتاح.
سيف أخرج المفتاح الصغير الذي وجدوه داخل جسمه.
لكن قبل ما يمده له...
سمعوا صوت حركة خارج الغرفة.
خطوات كثيرة.
ثم صوت أحد الحراس عبر جهاز الاتصال
في مشكلة عند باب المستشفى...
ثم انقطع صوته فجأة.
ندى التفتت للباب.
مين دول؟
وفي اللحظة التالية...
انطفأت كل أنوار العناية المركزة.
وغرق المكان في ظلام كامل.
وسط الظلام...
جاء صوت رجل من آخر الممر
عمر الدمنهوري...
المرة دي... مش جايين نقتلك.
توقف قليلًا.
ثم أكمل
جايين نرجعلك اللي اتسرق منك من 11 سنة بعد انقطاع الكهرباء، ظل الجميع للحظات في صمت تام.
لم يكن يسمع سوى صوت أجهزة المراقبة الاحتياطية وأنفاس عمر الثقيلة.
سيف تحرك فورًا ووضع نفسه أمام عمر وندى.
محدش يتحرك.
لكن عمر رفع عينه وقال بهدوء
لا.
استغرب سيف.
لا إيه يا باشا؟
قال عمر وهو ينظر للباب
اللي جاي مش عايز يقتلني.
وفجأة عاد التيار.
لكن الممر كان فارغًا.
لا أحد.
فقط ظرف أسود صغير موضوع أمام باب الغرفة.
اقترب سيف بحذر، وأخذه.
فتح الظرف...
فوجد بداخله
صورة قديمة.
صورة لعمر ويوسف وهما أصغر سنًا.
وخلف الصورة جملة واحدة
الحقيقة كانت أقرب مما تخيلت.
نظر عمر للصورة طويلًا.
ثم فتح الرسالة التي خبأها أحد عشر عامًا.
كانت الكلمات قليلة، لكنها قلبت كل شيء
يا عمر... لو أنت بتقرأ الرسالة دي، يبقى فشلت أخليك تعرف الحقيقة بنفسي.
أنا ما خنتكش.
ليلة الحريق، اكتشفت إن فيه حد من أقرب الناس ليك كان بيخطط ياخد كل حاجة منك.
لما حاولت أحذرك، اتفاجأت إن الخيانة بدأت قبل الليلة دي بوقت طويل.
الشخص اللي أشعل النار لم يكن عدوك...
كان شخصًا وثقت فيه أكثر من أي أحد.
سكت عمر.
لأن في آخر الرسالة كان هناك اسم.
اسم لم يتوقعه أبدًا.
منى.
رفع عينه بصدمة.
الممرضة التي كانت سبب دخول ندى لغرفة الطوارئ...
والتي ظلت قريبة من كل شيء.
في نفس اللحظة، ظهر تسجيل على هاتف سيف.
رسالة فيديو وصلت من رقم مجهول.
فتحها.
ظهرت منى جالسة في مكان مظلم.
قالت بهدوء
كنت عارفة إنك هتوصل للحقيقة يا عمر.
تغير وجه سيف.
أما عمر فظل صامتًا.
تابعت منى
أنا ما كنتش عايزة أدمرك... أنا كنت عايزة أرجع حقي.
ضحك عمر بسخرية.
حقك؟
قالت
أبوك أخذ من عيلتي كل شيء... وأنا قضيت سنين أجهز للحظة دي.
ثم نظرت للكاميرا
لكن فيه حاجة ما حسبتش حسابها.
توقفت.
ندى.
التفت عمر ناحية ندى.
أكملت منى
لأنك لأول مرة من سنين... سمحت لحد يقرب منك من غير خوف.
انتهى الفيديو.
ساد الصمت.
بعد أيام...
تعافى عمر تدريجيًا.
تم القبض على منى بعد كشف الأدلة كاملة، واتضح أنها كانت وراء سلسلة من الأحداث التي بدأت منذ حريق الفيلا.
أما يوسف...
فلم يكن ميتًا.
كان مختبئًا طوال السنوات الماضية يحاول جمع الأدلة لإثبات الحقيقة.
عاد أخيرًا لعمر.
ولم تكن المواجهة سهلة.
بكيا الاثنان.
ليس لأن الماضي اختفى...
بل لأنهما أدركا كم سنة ضاعت بسبب كذبة واحدة.
أما ندى...
فكانت أول شخص في حياة عمر لا يخاف من قوته، ولا ينبهر باسمه.
رأته كإنسان قبل أن تراه كزعيم.
بعد أشهر...
دخل عمر المستشفى مرة أخرى.
لكن هذه المرة لم يكن مصابًا.
كان يحمل باقة ورد.
ذهب إلى قسم الطوارئ، ووقف أمام ندى.
قال
فاكرة أول يوم؟
ابتسمت.
اليوم اللي كنت هتموت فيه؟
ضحك لأول مرة أمامها.
لا... اليوم اللي عرفت فيه إن اللمسة مش دايمًا معناها ألم.
نظر إليها وقال
أنتِ أول شخص لمس خوفي قبل
ما تلمس جرحي.
ندى ابتسمت.
وأنت أول شخص علمني إن أقوى الناس ممكن يكونوا أكتر ناس محتاجين حد يطمنهم.
مرت الأيام.
وتغير عمر الدمنهوري.
لم يصبح رجلًا ضعيفًا...
لكنه لم يعد أسيرًا للماضي.
أما السوار القديم الذي ظل في يده أحد عشر عامًا...
فاحتفظ به.
ليس لأنه يذكره بالخيانة.
بل لأنه يذكره بالليلة التي انتهت فيها حياته القديمة...
وبدأت حياة جديدة.
النهاية.

تم نسخ الرابط