زعيم حكايات ميرا

لمحة نيوز

يمسك الطرف الثاني.
وقالت
أنا مش هلمسك... وإنت مش هتسيب الشاش.
هز رأسه ببطء.
بدأت تضغط بالشاش وهو في نفس الوقت ماسكه معاها.
كان أول تعاون بينه وبين أي إنسان من أحد عشر عامًا.
بعد أقل من دقيقة...
النزيف بدأ يهدأ.
تنفست ندى الصعداء.
لكن فرحتها ما كملتش.
جهاز القلب أطلق إنذارًا جديدًا.
النبض بقى غير منتظم.
بصت بسرعة على الشاشة.
لا...
فتحت درج العربة وأخرجت حقنة الطوارئ.
راجعت اسم الدواء.
ثم بصت إلى المحلول.
خط العلاج محتاج يتغير فورًا.
لكن معنى كده...
إنها لازم تقرب من ذراعه.
رفعت عينيها إليه.
يا عمر... لازم أغير الكانيولا.
ملامحه اتجمدت.
لأ.
دي اتخلعت لما شديتها.
هز رأسه بعنف.
قلت لأ.
ندى عضت على شفايفها.
كل ثانية بتعدي كانت بتسحب منه حياته.
في اللحظة دي، فتح الباب قليلًا، ودخل طبيب التخدير بحذر.
المؤشرات بتسوء... لازم ندخله العمليات حالًا.
أول ما شافه عمر...
صرخ بغضب.
اطلع بره!
الطبيب اتراجع فورًا.
ندى بصت للطبيب وقالت
استنى بره... خمس دقايق.
خرج وأقفل الباب.
رجعت لعمر.
بصلي.
رفع عينيه بصعوبة.
قالت
إنت مش بتخاف من الناس.
سكت.
إنت بتخاف من المفاجأة.
رمش بعينيه.
أكملت
لو قلتلك كل حركة قبل ما أعملها... هتقدر تستحمل.
ظل صامتًا.
قالت وهي تشير إلى ذراعه
أنا هقرب ناحية إيدك... ومش هلمسك.
نفذت كلامها حرفيًا.
اقتربت ببطء.
ثم توقفت.
دلوقتي هحط قطنة جنب الكانيولا.
نفذت.
ثم توقفت مرة أخرى.
دلوقتي هفك اللاصق.
كانت تخبره بكل خطوة قبل حدوثها بثانيتين.
ومع كل خطوة...
كان توتره يقل قليلًا.
لكن عندما وصلت للحظة الأخيرة، وهي سحب الكانيولا التالفة...
ارتجف جسده كله.
أغمض عينيه بقوة.
وهمس بصوت مكسور لأول مرة
متسبنيش...
ندى اتجمدت مكانها.
الكلمة خرجت منه بعفوية.
كأنها خرجت من طفل خائف، مش من أخطر رجل في البلد.
رفعت صوتها بهدوء شديد.
أنا هنا.
وسحبت الكانيولا في ثانية واحدة.
شهق بقوة...
لكن هذه المرة لم يصرخ.
ولا حاول يبعدها.
فتحت عبوة جديدة بسرعة.
وأثناء تجهيزها، لمحَت شيئًا تحت كم قميصه الممزق.
سوار جلدي قديم جدًا...
أسود اللون...
ومثبت فيه قطعة معدنية صغيرة محترقة من الأطراف.
كان شكله غريبًا، وكأنه نجا من حريق قديم.
ولما انزلق الكم أكثر...
ظهر على السوار اسم محفور بخط يدوي.
اسم امرأة.
ندى قرأته دون قصد...
فاتسعت عيناها من الصدمة، لأنها كانت تعرف هذا الاسم جيدًا...تجمدت

ندى للحظة.
لكنها بسرعة أبعدت نظرها.
دي مش لحظة أسئلة.
ولا لحظة فضول.
حياة الراجل قدامها كانت أهم من أي اسم محفور على سوار قديم.
ثبتت الكانيولا الجديدة في أقل من دقيقة.
ثم علّقت المحلول، وبدأ الدواء ينزل ببطء في وريده.
بعد أقل من دقيقة...
صوت جهاز القلب بدأ يهدأ تدريجيًا.
النبض انتظم بنسبة بسيطة.
والضغط ارتفع من 78 إلى 86.
تنفست ندى لأول مرة من ساعة ما دخلت.
فتحت الباب نصف فتحة.
الدكتور يدخل لوحده.
سيف كان أول واحد اتحرك.
لكن ندى رفعت إيدها تمنعه.
قلت الدكتور.
نظر إليها سيف للحظات، ثم رجع خطوة للخلف.
دخل طبيب الجراحة بحذر.
وقف بعيد عن السرير.
ندى قالت بسرعة
الرصاصة اللي في الكتف مستقرة، لكن النزيف الداخلي لسه مستمر. لازم عمليات حالًا.
الطبيب هز رأسه.
موافق... بس مين هيخدره؟ ومين هيثبته؟ أول ما حد يقرب منه هيفوق ويكسر المكان.
قبل ما حد يرد...
جاء صوت عمر ضعيفًا
هي.
الجميع بص له.
كان يشير إلى ندى.
الطبيب سأل بتردد
الممرضة؟
أغمض عمر عينيه وهمس
مش حد غيرها.
ندى نفسها اتفاجئت.
قالت بهدوء
أنا مش دكتورة تخدير.
فتح عينيه بصعوبة.
بس... إنتِ... بتقولي قبل كل خطوة.
ساد الصمت.
فهم الطبيب فورًا.
الخوف عند عمر مش من اللمس نفسه...
الخوف من اللمسة اللي بتيجي فجأة.
قال الطبيب
يبقى هنعمل كل حاجة بالطريقة دي.
خلال دقائق، بدأت غرفة العمليات تجهز.
أي حد يدخل كان لازم يعرف قاعدة واحدة.
مفيش حد يلمس عمر قبل ما ندى تقوله هيعمل إيه.
دخل فريق التخدير.
وقفت ندى عند رأس السرير.
وقالت بهدوء
يا عمر... الدكتور هيقرب دلوقتي ناحية إيدك اليمين.
هز رأسه ببطء.
هيحط جهاز صغير على صباعك.
تم الأمر.
ما قاومش.
دلوقتي هيحط ماسك الأكسجين.
تم الأمر.
ولأول مرة منذ أحد عشر عامًا...
سمح عمر لأكثر من شخص يقترب منه دون أن يهاجمهم.
لأن صوت ندى كان يسبقه في كل خطوة.
وقبل دخوله تحت تأثير التخدير بثوانٍ...
فتح عينيه ونظر إليها مباشرة.
وقال بصوت يكاد لا يُسمع
لو... صحيت...
توقفت وهي تمسك ملفه الطبي.
هتكوني موجودة؟
ابتسمت ابتسامة صغيرة رغم إرهاقها.
هكون هنا.
أغمض عينيه أخيرًا.
وبدأ مفعول التخدير يسري ببطء.
لكن في اللحظة التي أعلن فيها طبيب التخدير أنه فقد الوعي...
دخل أحد رجال عمر مسرعًا إلى غرفة العمليات، ووجهه شاحب.
وصرخ
ممنوع تبدأوا العملية!
التفت الجميع إليه في صدمة.
لهث الرجل وهو يخرج هاتفًا من جيبه.

فيه خبر وصل حالًا... الشخص اللي أطلق النار على عمر اتقبض عليه... وقال قبل التحقيق جملة واحدة.
اقترب سيف بسرعة.
قال إيه؟
ابتلع الرجل ريقه، ثم نظر إلى السوار الجلدي في معصم عمر، وقال بصوت مرتجف
قال... لو شلتوا السوار ده من إيده... هتعرفوا مين اللي خانه من أحد عشر سنة اتسعت عينا سيف.
إنت بتقول إيه؟
الرجل مد الهاتف له.
التسجيل لسه واصل.
مدير غرفة العمليات انفجر بغضب
اطلعوا بره! المريض بينزف!
لكن سيف رفع إيده.
شغّل.
خرج صوت رجل مبحوح، واضح إنه مصاب
أنا ماليش دعوة بالنار القديمة... أنا مجرد اتدفعت فلوس عشان أخلص عليه الليلة... لكن اللي بعتني قال لو العملية نجحت، السوار لازم يختفي.
انقطع التسجيل.
ساد صمت ثقيل.
الطبيب صاح
كفاية! كل ثانية بتضيع ممكن تقتله.
ندى كانت الوحيدة اللي ما بصتش للسوار.
قالت بحزم
السوار هيفضل مكانه.
الطبيب سألها باستغراب
ليه؟
لأنه متعلق في جلده، وفكه دلوقتي هيضيع وقت، ومفيش أي سبب طبي يخلينا نعمل كده.
سيف بص لها للحظات.
ثم قال
ابدأوا.
تحرك الفريق بسرعة.
ندى وقفت عند رأس عمر.
كل خطوة كانت بتعلنها حتى وهو تحت التخدير، بناءً على طلب الطبيب، تحسبًا لأي استجابة مفاجئة.
هنرفع دراعك.
هنعقم مكان الجرح.
هنبدأ الجراحة.
مرّت أول عشر دقائق بصعوبة.
ثم أربعون دقيقة.
الجراح نجح يخرج الرصاصة اللي في الكتف.
لكن الرصاصة التانية...
كانت مستقرة قريب جدًا من الشريان.
وقف الجراح مترددًا.
لو سحبناها بالطريقة دي... احتمال النزيف يبقى كارثي.
ندى كانت بتراقب شاشة العلامات الحيوية.
فجأة لاحظت حاجة.
ضغط عمر بينزل كل ما الجراح يشد ناحية الضلع.
لكن بينتظم أول ما يسيب المكان.
قالت بسرعة
استنى.
الجراح بص لها.
في إيه؟
أشارت إلى شاشة الأشعة المثبتة.
الرصاصة مش مستقرة زي ما إحنا فاكرين.
اقترب الطبيب.
دقق النظر.
ثم اتسعت عيناه.
إزاي محدش خد باله؟
الرصاصة كانت محاطة بقطعة معدنية صغيرة جدًا.
مش من جسمه...
ولا من الرصاصة.
الجراح همس
دي... شظية قديمة.
ندى سألت
من الحريق؟
هز رأسه.
شكلها بقالها سنين.
سيف، اللي كان واقف خلف الزجاج، سمع الكلام.
قبض على يده بقوة.
كان يعرف إن عمر خرج من الحريق بحروق...
لكن محدش قال قبل كده إن جسمه فضل شايل قطعة معدن من الليلة دي.
الجراح أخذ نفسًا عميقًا.
هنطلع الاتنين مع بعض.
بدأ العملية بمنتهى الدقة.
مرت دقائق طويلة.
وأخيرًا...
خرجت الرصاصة.

وخلفها مباشرة سقطت قطعة معدنية سوداء صغيرة على الصينية المعدنية.
رنّ صوتها الخافت داخل الغرفة.
ندى لمحتها.
كانت مشوهة من النار.
لكن كان محفور عليها حرف واحد فقط...
حرف م.
في اللحظة نفسها، فتح سيف عينيه في ذهول.
لأنه عرف القطعة فورًا.
كانت جزءًا من ولاعة فضية قديمة...
ولاعة لم يكن يملكها سوى شخص واحد، وكان الجميع يعتقد أنه مات منذ أحد عشر عامًا سيف اندفع ناحية باب غرفة العمليات.
لكن الجراح صرخ فيه
ممنوع حد يدخل!
وقف مكانه وهو عينه معلقة بالقطعة المعدنية فوق الصينية.
كان حافظ شكلها.
مش لأنها ولاعة عادية...
لكن لأنها كانت هدية خاصة، ماكانش معاها غير صاحبها.
تمتم لنفسه
مستحيل...
ندى سمعته.
لكنها فضلت مركزة على الأجهزة.
الضغط بدأ يرتفع.
92...
ثم 98...
أخيرًا بدأ جسم عمر يستجيب.
الجراح تنفس براحة.
النزيف تحت السيطرة.
لكن وهو بيفحص مكان الإصابة الأخيرة، عبس فجأة.
في حاجة غريبة.
اقترب طبيب التخدير.
إيه؟
أشار الجراح ناحية ضلعه.
في أثر جرح قديم جدًا... كأنه عملية اتعملت من سنين.
ندى بصت في الملف الطبي.
ماكانش فيه أي سجل لجراحة قديمة.
قالت
يمكن اتعملت في مكان تاني.
الجراح هز رأسه.
لا... دي عملية دقيقة جدًا.
بدأ ينظف مكان الجرح القديم بحذر.
وفجأة...
ظهر خيط جراحي قديم، لونه متغير مع الزمن.
الجراح سحبه بهدوء.
ثم اتجمد.
كان مربوطًا في كيس بلاستيكي طبي صغير جدًا، متخبي داخل نسيج قديم.
كل اللي في الغرفة سكت.
الجراح قال بدهشة
مين يسيب كيس جراحي جوه جسم مريض كل السنين دي؟
فتح الكيس بحذر شديد.
طلع منه مفتاح صغير جدًا...
ومعاه ورقة ملفوفة بعناية، رغم إنها اتأثرت بالرطوبة.
ندى همست
إزاي ده فضل جوه كل السنين دي؟
الجراح رد
واضح إن اللي حطه كان قاصد يستخبى.
سيف من وراء الزجاج خبط على الباب بعنف.
افتحوا!
ندى أخدت الورقة بحذر.
الحبر كان باهت جدًا.
لكن أول سطر كان لسه واضح.
قرأت بصوت منخفض
لو لقيت الرسالة دي... يبقى أنا غالبًا مش عايش.
رفعت رأسها تلقائيًا.
الجراح قال
كملي.
أخذت نفسًا عميقًا.
اللي حاول يقتل عمر من أحد عشر سنة... ماكانش شخص واحد.
وقبل ما تكمل السطر اللي بعده...
صدر صوت إنذار حاد من جهاز القلب.
نبض عمر هبط فجأة بصورة مخيفة.
وتحولت كل الأنظار من الرسالة إلى شاشة المراقبة، بينما صاح طبيب التخدير
ضغطه بينهار... ركزوا معايا!ندى فضلت باصة من خلال الزجاج.
ثم نزلت
عينيها على الورقة مرة تانية.
قرأت السطر من جديد.
ما يثقش في أقرب واحد واقف على يمينه...
قلبها دق بسرعة.
لكنها ما قدرتش تستنتج حاجة.
يمكن الرسالة اتكتبت من أحد عشر سنة.
ويمكن المقصود شخص تاني كان واقف على يمينه وقتها.
طيّت الورقة بحذر، وحطتها داخل ظرف التعقيم.
وقالت للجراح
دي لازم تتحفظ.
الجراح هز رأسه.
أي حاجة خرجت

تم نسخ الرابط