أنقذت رجلا بقلم ميرا

لمحة نيوز

عند سطر معين.
اختفت الابتسامة من وجهه.
قال بهدوء
ادخل.
دخل قائد الأمن وأغلق الباب.
سأله كريم
متأكد من المعلومات؟
متأكد يا فندم.
مفيش احتمال للخطأ؟
راجعناها مرتين.
نظر كريم إلى سارة.
ثم قال
فيه حد قدم طلب توظيف باسمك هنا... قبل ما تشتغلي بسنة.
استغربت.
مستحيل.
وده اللي خلانا نراجع الملفات.
اقترب ووضع أمامها نسخة من الطلب.
تجمدت وهي تنظر إليه.
الاسم
سارة عبد الرحمن.
رقم البطاقة صحيح.
العنوان صحيح.
لكن...
التوقيع لم يكن توقيعها.
قالت فورًا
ده مش خطي.
أومأ كريم.
إحنا عارفين.
ثم أضاف
والأغرب... إن الطلب ده اترفض، وبعدها بسنة اتقدم طلب جديد، وتم قبولك.
شعرت سارة بالحيرة.
يعني مين قدم الطلب الأول؟
لم يجب كريم.
لأنه في نفس اللحظة...
رن هاتف قائد الأمن.
رد بسرعة.
ثم تغير لون وجهه.
إيه؟!
نظر إلى كريم وقال بقلق
يا فندم... في حد اقتحم شقة الآنسة سارة من أقل من عشر دقايق.
اتسعت عينا سارة.
إيه؟!
أكمل الرجل
الجيران بلغوا الشرطة بعد ما سمعوا صوت تكسير... ولما الشرطة وصلت، الشقة كانت فاضية.
شهقت سارة.
يا نهار أبيض...!
سألها كريم فورًا
كان عندك حاجة مهمة في البيت؟
وضعت يدها على رأسها وهي تحاول التذكر.
ثم قالت ببطء
لأ... إلا...
سكتت فجأة.
إلا إيه؟
ابتلعت ريقها.
مذكرة قديمة... كنت بكتب فيها كل ملاحظات التمريض أيام الكلية.
نظر إليها كريم باهتمام.
وسألها
إنتِ متأكدة إنها مجرد مذكرة؟
ظلت سارة صامتة...
لأنها تذكرت في تلك اللحظة شيئًا كانت قد نسيته منذ سنوات، وجعل ملامحها تتغير تمامًا.
يتبع...وضعت سارة يدها على فمها فجأة.
همست
لا...
اقترب كريم منها.
فاكرة إيه؟
أغمضت عينيها وهي تحاول استرجاع الذكريات.
المذكرة... ما كانتش فيها ملاحظات التمريض بس.
أومال فيها إيه؟
تنفست ببطء.
قبل ما أسيب الكلية، الدكتور سامي كان بيدينا تدريب عملي، وكنت بكتب كل حاجة... وفي آخر المذكرة، أمي كتبتلي كام صفحة بخط إيدها.
نظر إليها كريم باهتمام.
إيه اللي مكتوب فيهم؟
هزت رأسها.
مش فاكرة بالتفصيل... آخر مرة فتحتها من أكتر من تلات سنين.
رن هاتف قائد الأمن مرة أخرى.
استمع للحظات، ثم قال
تمام... إحنا نازلين حالًا.
أغلق الهاتف والتفت إلى كريم.
الشرطة موجودة في شقة الآنسة سارة، وطلبوا حضورها.
نظر كريم إلى سارة.
هتروحي... وأنا هاجي معاكي.
اعترضت فورًا.
لا يا فندم، حضرتك مالكش دعوة.
ابتسم ابتسامة خفيفة.
من

ساعة ما أنقذتِ حياتي، بقى عندي دعوة.
...
بعد نصف ساعة، توقفت السيارة أمام العمارة القديمة التي تسكن فيها سارة.
كان عدد من الجيران واقفين أسفل العقار يتحدثون في قلق.
ما إن رأوها حتى اقتربت منها الحاجة أم زينب، جارتها.
الحمد لله إنك جيتي يا بنتي.
قالت سارة بقلق
إيه اللي حصل؟
أجابت السيدة
سمعنا صوت تكسير، ولما طلعنا لقينا باب شقتك مفتوح.
صعدت سارة الدرج بسرعة.
دخلت الشقة.
تجمدت في مكانها.
الدولاب مفتوح.
الأدراج مقلوبة.
الكتب على الأرض.
لكن الغريب...
أن التلفزيون، والهاتف القديم، وحتى المبلغ الصغير الذي كانت تحتفظ به في درج المطبخ، لم يلمسهم أحد.
قال الضابط الذي كان يعاين المكان
واضح إن اللي دخل كان بيدور على حاجة معينة.
بدأت سارة تبحث بعينيها في الغرفة.
ثم أسرعت إلى المكتبة الخشبية الصغيرة.
فتحت الدرج السفلي.
كان فارغًا.
شهقت.
المذكرة...
اقترب كريم.
مش موجودة؟
هزت رأسها.
اتسرقت.
ساد الصمت.
وفي تلك اللحظة، لاحظ أحد رجال الأدلة الجنائية شيئًا خلف المكتبة.
يا فندم...
اقترب الجميع.
كان هناك ظرف أبيض صغير، وكأنه سقط خلف الخزانة أثناء التفتيش.
التقطه الضابط بحذر.
كان مكتوبًا عليه بخط واضح
إلى سارة... إذا سبقني القدر.
عرفت الخط من أول نظرة.
ده خط ماما.
شعرت أن قدميها لم تعودا تحملانها.
ناولها الضابط الظرف.
فتحته بيدين مرتعشتين.
كان بداخله مفتاح نحاسي صغير.
وورقة واحدة فقط.
قرأتها بصوت منخفض
لو وصلتي للرسالة دي، يبقى حد فتش البيت قبلك. المفتاح ده هيفتحلك المكان اللي عمري ما حبيت حد يعرف عنه حاجة... وهناك هتلاقي الإجابة.
رفعت سارة رأسها ببطء.
ثم همست
بس... مكان إيه؟
في اللحظة نفسها، دوّى صوت هاتف كريم.
نظر إلى الشاشة.
ثم تغيرت ملامحه وهو يقرأ رسالة وصلت من رقم مجهول
لو عايز تعرف الحقيقة... امنع سارة من استخدام المفتاح.
رفع كريم عينيه نحو المفتاح الموجود في يدها...
وأدرك أن السباق الحقيقي بدأ الآن.
يتبع...ظل كريم ينظر إلى الرسالة لثوانٍ، ثم أغلق شاشة الهاتف دون أن يريها لأحد.
لكن سارة لاحظت تغير ملامحه.
سألته بقلق
فيه حاجة؟
تردد لحظة، ثم قال
وصلتني رسالة مجهولة.
بتقول إيه؟
نظر إلى المفتاح النحاسي في يدها.
بتقول إننا ما نستخدمش المفتاح.
تبادلت سارة والضابط النظرات.
قال الضابط بحزم
يبقى أول حاجة هنعملها... إننا نعرف المفتاح ده بتاع إيه.
قلبت سارة المفتاح بين أصابعها.

كان قديمًا، وعلى أحد جانبيه رقم صغير محفور
27
وفجأة...
شهقت.
أنا فاكرة!
التفت الجميع إليها.
قالت بسرعة
وأنا صغيرة، أمي كانت بتاخدني كل شهر تقريبًا لمكان قديم في وسط البلد.
مكان إيه؟
مبنى فيه صناديق حديد كتير... وكانت دايمًا تقوللي لو حصل لي حاجة، متسأليش عن المكان ده.
سألها كريم
فاكرة عنوانه؟
أغمضت عينيها تحاول التذكر.
مش العنوان... لكن فاكرة إن كان جنب مكتبة كبيرة، وفي آخر الشارع جامع قديم.
ابتسم الضابط.
دي مواصفات ممكن نوصل بيها للمكان.
وفي تلك اللحظة، دخل أحد رجال الشرطة وهو يحمل كيسًا شفافًا.
لقينا الحاجة دي على السلم.
فتح الكيس.
كان بداخله قفاز أسود.
وعليه بقعة دم صغيرة.
نظر الضابط إليه باهتمام.
ابعتوه المعمل فورًا.
ثم التفت إلى كريم.
واضح إن اللي دخل استعجل وهو خارج.
أومأ كريم.
لكن قبل أن يتكلم...
رن هاتف سارة.
كان المتصل الدكتور سامي.
ردت بسرعة.
ألو يا دكتور.
جاءها صوته متوترًا على غير عادته.
سارة... إوعي تروحي لأي مكان لوحدك.
ليه؟
لأن فيه واحد جه سأل عليكي النهارده في الكلية.
شعرت بقشعريرة.
مين؟
معرفوش... لكنه كان معاه صورتك.
ساد الصمت.
أكمل الدكتور
ولما قولتله إني معرفش مكانك... خرج من غير ما ينطق كلمة.
أنهت سارة المكالمة وهي تشعر أن الدائرة تضيق حولها.
اقترب كريم منها وقال
واضح إن حد بيسابقنا للوصول للي أسيبته والدتك.
نظرت إلى المفتاح مرة أخرى.
ثم قالت بحزم لأول مرة
يبقى لازم نعرف بيفتح إيه.
ابتسم كريم ابتسامة خفيفة.
وده اللي هنعمله.
وفي الخارج...
وعلى الجانب الآخر من الشارع...
كانت سيارة سوداء متوقفة منذ أكثر من ساعة.
جلس بداخلها رجل يخفي وجهه خلف نظارة سوداء.
أمسك هاتفه، وأرسل رسالة قصيرة
المفتاح لسه معاها... استعدوا للخطوة الجاية.
ثم أدار محرك السيارة ببطء...
واختفى قبل أن ينتبه إليه أحد.
يتبع...في صباح اليوم التالي، انطلقت سارة وكريم بصحبة الضابط إلى المكان الذي تذكرته من طفولتها.
وبعد ساعات من السؤال والبحث في شوارع وسط القاهرة، توقفوا أمام مبنى قديم يحمل لافتة باهتة.
كان بداخله خزائن حديدية للإيجار، تحتفظ فيها الأسر بمستنداتها ومقتنياتها المهمة.
تقدمت سارة نحو الموظف العجوز، وقدمت له المفتاح.
نظر إليه طويلًا، ثم قال
الصندوق رقم 27... بقاله سنين محدش فتحه.
اصطحبهم إلى غرفة صغيرة مليئة بالخزائن الحديدية.
أدخلت سارة المفتاح بيد مرتجفة.

استدار المفتاح بسهولة.
فتح الباب المعدني...
فوجدت صندوقًا خشبيًا صغيرًا.
رفعته ووضعته على الطاولة.
لم يكن بداخله ذهب، ولا أموال، ولا أسرار عن الشركة كما تخيل الجميع.
كان بداخله ثلاثة أشياء فقط
شهادة ميلادها الأصلية.
مذكرات دراستها في كلية التمريض.
وخطاب طويل من والدتها.
جلست سارة تقرأ الخطاب والدموع تملأ عينيها.
كتبت أمها
يا بنتي... لو وصلتي للرسالة دي، يبقى ربنا كتبلك بداية جديدة. أنا خبّيت الورق ده مش لأنه فيه سر، لكن لأني كنت خايفة الظروف تسرق منك حلمك. حطيت شهاداتك ومذكراتك هنا عشان تفضلي فاكرة إنك كنتي طالبة متفوقة، وإن تعبك عمره ما راح.
ثم أكملت
لو في يوم حد قدّرك بسبب أخلاقك وعلمك، متخافيش تبدأي من أول وجديد. النجاح مش سباق، النجاح إن الإنسان ما يفقدش نفسه.
ساد الصمت.
ابتسم كريم وهو يغلق الصندوق.
وقال
إذن... السر الحقيقي كان حلمك، مش مستندات.
وفي تلك اللحظة، دخل الضابط بابتسامة.
وصل تقرير البصمات.
نظر إليه كريم.
قال الضابط
الشخص اللي اقتحم شقة سارة كان نصابًا محترفًا، استهدف أكثر من شقة في المنطقة في نفس الليلة، وكان يفتش عن أي خزائن أو أوراق يعتقد أن أصحابها يخفون أموالًا أو مقتنيات ثمينة. مفيش أي علاقة بينه وبين الشركة.
تنفس الجميع براحة.
أما الملفات التي أثارت الشك داخل الشركة، فقد أثبتت المراجعة أنها كانت نتيجة أخطاء إدارية وتلاعب من موظف في قسم الحسابات، تم اكتشافه وإحالته للتحقيق وفق الإجراءات القانونية، دون وجود أي مؤامرة أو محاولة لاستهداف كريم.
ابتسم كريم لسارة وقال
أنتِ أنقذتِ حياتي... وأنا مش هنسى ده.
ثم قدم لها عرضًا لم تتوقعه.
عرض عليها منحة كاملة لاستكمال دراسة التمريض، مع وظيفة مناسبة داخل المؤسسة بعد تخرجها إذا رغبت.
ترددت سارة للحظة.
ثم نظرت إلى صورة والدتها.
وتذكرت كلماتها
إيديك دي ربنا خلقها عشان تعالج الناس.
ابتسمت لأول مرة منذ سنوات.
وقالت بثقة
هكمل.
بعد عامين...
وقفت سارة داخل المستشفى الجامعي بزي التمريض الأبيض.
كانت تستقبل دفعة جديدة من المتدربين، وتحكي لهم عن أهمية الإسعافات الأولية، وكيف أن دقيقة واحدة قد تنقذ حياة إنسان.
وفي نهاية المحاضرة، مر كريم المنشاوي لزيارة المستشفى ضمن إحدى مبادرات الشركة.
صافحها باحترام وقال أمام الجميع
دي الإنسانة اللي علمتني إن المنصب ولا الفلوس ملهمش قيمة... لو مفيش حد شجاع يمد إيده
وقت الشدة.
ابتسمت سارة.
ونظرت إلى يديها.
نفس اليدين اللتين ظنت يومًا أنهما لن تفعلا أكثر من حمل الممسحة...
أصبحتا اليوم سببًا في إنقاذ الأرواح كل يوم.
وانتهت الحكاية، لا بانتصار المال أو النفوذ...
بل بانتصار الرحمة، والعلم، والإصرار على ألا يموت الحلم مهما تأخر.

تم نسخ الرابط