أنقذت رجلا بقلم ميرا
دي قدامي الأول.
يتبع...في تمام الثامنة وخمسين دقيقة صباحًا، كانت سارة تقف أمام بوابة البرج.
لم تنم سوى ساعة واحدة.
ورغم ذلك ارتدت زي العمل الأزرق المعتاد، وربطت شعرها كما تفعل كل يوم، وحملت حقيبة قماشية قديمة.
استوقفها فرد الأمن الجديد عند البوابة.
رايحة فين؟
أخرجت هاتفها وأرته رقم الاتصال.
اتطلب مني أطلع الدور الأخير.
نظر إلى الشاشة، ثم ضغط على جهازه اللاسلكي.
بعد ثوانٍ فقط تغيرت ملامحه.
وقف معتدلًا وقال باحترام
اتفضلي يا أستاذة سارة.
توقفت مكانها.
كانت المرة الأولى منذ ثلاث سنوات التي يناديها أحد داخل البرج بيا أستاذة.
ركبت المصعد.
نفس المصعد.
نظرت إلى الأرضية التي كانت قد مسحتها بنفسها قبل ساعات.
شعرت بقشعريرة تسري في جسدها.
وعندما فتح الباب في الطابق الأخير، فوجئت باستقبال لم تتوقعه.
سكرتيرة أنيقة اقتربت منها بابتسامة.
حضرتك آنسة سارة؟
أيوه.
اتفضلي معايا.
مرت سارة في ممرات لم تدخلها من قبل.
سجاد فاخر.
لوحات فنية.
وقاعات اجتماعات بأبواب زجاجية.
كان الموظفون ينظرون إليها باستغراب.
عاملة نظافة في هذا الطابق؟
وصلت إلى قاعة اجتماعات ضخمة.
فتحت السكرتيرة الباب وقالت
اتفضلي.
دخلت بخطوات مترددة.
لتتفاجأ بوجود أكثر من عشرة أشخاص يجلسون حول طاولة طويلة.
بدلات رسمية.
ملفات.
وأجهزة كمبيوتر.
ما إن دخلت حتى توقفت كل الأحاديث.
شعرت أنها دخلت المكان الخطأ.
قالت بسرعة
معلش... يمكن حضرتكم طالبين حد تاني.
وقف رجل خمسيني يرتدي نظارة وقال بلطف
لأ... إحنا مستنيين حضرتك.
ازدادت حيرتها.
وقبل أن تسأل...
فتح الباب مرة أخرى.
دخل الطبيب الذي أشرف على إسعاف كريم في المستشفى.
قال وهو يحمل ملفًا طبيًا
الحالة مستقرة.
تنفس الجميع الصعداء.
ثم أكمل
لكن فيه حاجة لازم تعرفوها.
فتح الملف.
الأستاذ كريم تعرض لتوقف كامل في عضلة القلب لمدة تجاوزت الأربع دقائق.
ساد الصمت.
وأضاف الطبيب وهو ينظر إلى سارة
السبب الوحيد إنه عايش دلوقتي... إن الإنعاش اتعمل بالطريقة الصحيحة من أول دقيقة.
التفتت كل الأنظار إليها.
خفضت رأسها في خجل.
قال أحد أعضاء المجلس
يعني هي اللي أنقذته فعلًا؟
أجاب الطبيب بثقة
مش بس أنقذته... دي حافظت على وصول الأكسجين للمخ. أي تأخير بسيط كان هيغير النتيجة تمامًا.
وقبل أن يتحدث أحد...
فتح الباب بعنف.
دخل رجل أنيق في منتصف الأربعينات، تبدو على وجهه علامات
قال بصوت مرتفع
إيه اللي بيحصل هنا؟
همست السكرتيرة لسارة
ده الأستاذ شريف المنشاوي... ابن عم الأستاذ كريم، ونائب رئيس مجلس الإدارة.
نظر شريف إلى سارة باستغراب.
ثم قال بحدة
هي عاملة النظافة دي بتعمل إيه وسط اجتماع مجلس الإدارة؟
رد أحد الأعضاء بهدوء
دي البنت اللي أنقذت الأستاذ كريم.
ابتسم شريف ابتسامة باردة.
كويس... تتشكر وتاخد مكافأة وتنزل تكمل شغلها.
ساد صمت ثقيل.
لكن أحدًا لم يرد.
لأن الباب انفتح مرة أخرى.
ودخل كريم المنشاوي بنفسه.
كان يسير ببطء، وذراعه متصلة بمحلول صغير، ووجهه ما زال شاحبًا.
لكن عينيه كانتا ثابتتين.
توقف الجميع واقفين.
أما سارة...
فتجمدت في مكانها.
نظر إليها كريم لعدة ثوانٍ دون أن يتكلم.
ثم اقترب خطوة واحدة وقال بصوت هادئ
أنا فاكر آخر حاجة شوفتها قبل ما أفقد الوعي.
ازدادت دقات قلبها.
وأكمل
فاكر إن حد كان بيقولي... مش هسمح لك تموت طول ما أنا هنا.
اتسعت عينا سارة.
لم تتخيل أنه سمع كلماتها.
لكن قبل أن تنطق بأي حرف...
قال كريم وهو يلتفت إلى مجلس الإدارة
الاجتماع الحقيقي... هيبدأ دلوقتي.
ثم وضع أمامهم ملفًا سميكًا مختومًا بختم الشركة.
وقال جملة جعلت الوجوه تتغير فجأة
اللي حصل امبارح أنقذ حياتي... لكنه كمان كشفلي إن فيه حد جوه الشركة كان مستفيد جدًا لو أنا ما صحيتش.
وتبادل أعضاء المجلس نظرات قلقة...
بينما أدركت سارة أنها دخلت، دون قصد، إلى معركة أكبر بكثير مما كانت تتخيل.
يتبع...ساد الصمت داخل القاعة.
لم يجرؤ أحد على الكلام.
أغلق كريم الملف أمامه، ثم نظر إلى الوجوه واحدًا تلو الآخر، وكأنه يقرأ ما يدور في عقولهم.
قال بهدوء
أنا مش بتهم حد.
ثم أضاف
لكن اللي حصل امبارح مش هعديه بسهولة.
تنحنح شريف المنشاوي وقال بابتسامة مصطنعة
الحمد لله إنك بقيت كويس يا كريم... أهم حاجة صحتك.
نظر إليه كريم للحظات دون أن يرد.
ثم التفت إلى سارة.
اقعدي.
ارتبكت.
أنا؟
أيوه.
نظرت إلى الكرسي الجلدي الفاخر، ثم إلى زيها الأزرق الملطخ ببقع المنظفات.
قالت بخجل
هدومي هتوسخه.
ابتسم كريم لأول مرة منذ دخوله.
الكرسي يتنضف... إنما الإنسان ما بيتعوضش.
جلس أعضاء المجلس في صمت، بينما جلست سارة على طرف الكرسي وكأنها مستعدة للوقوف في أي لحظة.
فتح كريم الملف.
قبل شهرين، بدأت أوصلني تقارير فيها أرقام متناقضة.
أخرج عدة أوراق ووضعها أمام الحاضرين.
فيه ملايين
رد المدير المالي بسرعة
كل المصروفات معتمدة.
هز كريم رأسه.
وده اللي خلاني أشك.
ثم أخرج فلاشة صغيرة من جيبه.
كنت نازل امبارح آخد نسخة من تسجيلات غرفة الأرشيف بنفسي.
تغيرت ملامح أكثر من شخص.
لاحظت سارة ذلك دون أن تفهم السبب.
قال كريم
لكن قبل ما أوصل... قلبي وقف.
دخل سكرتير المجلس مسرعًا وهو يحمل ظرفًا أبيض.
حضرتك طلبت تقرير الكاميرات.
فتح كريم الظرف.
قرأ أول صفحة.
ثم عقد حاجبيه.
غريبة...
سأله أحد الأعضاء
فيه حاجة؟
رفع الورقة أمامهم.
الكاميرا اللي قدام المصعد متوقفة من الساعة الحادية عشرة وأربعين دقيقة.
نظر الجميع إلى بعضهم.
قال شريف بسرعة
أكيد عطل.
لكن مسؤول الأمن الذي كان حاضرًا قال بتردد
العطل ده... أول مرة يحصل.
سأل كريم
مين كان آخر واحد دخل غرفة المراقبة؟
فتح مسؤول الأمن جهازه اللوحي، وراجع السجل الإلكتروني.
وبعد لحظات قال
فيه بطاقة دخول استخدمت الساعة 1132.
بطاقة مين؟
تردد الرجل.
ثم قال
الغريب إنها بطاقة إدارية... لكن الاسم ممسوح من النظام.
ساد الصمت مرة أخرى.
وفي تلك اللحظة، لاحظ كريم شيئًا.
كانت سارة تحدق في الورقة وكأنها تحاول تذكر شيء.
التفت إليها.
فيه حاجة؟
قالت بتردد
ممكن أكون غلطانة.
قولي.
ابتلعت ريقها.
وأنا طالعة أمس أنضف الدور التاسع... شوفت واحد خارج من غرفة المراقبة.
التفتت إليها كل الرؤوس.
سألها كريم
تعرفيه؟
هزت رأسها.
وشه كان متغطي بكمامة وكاب.
طيب فاكرة أي حاجة؟
أغمضت عينيها للحظات.
ثم قالت
كان بيعرج.
نظر عم حسن، الذي كان يقف عند الباب، فجأة.
وقال
استنى...
التفت الجميع إليه.
فيه شخص واحد في الإدارة بيعرج بالشكل ده من حادثة قديمة.
قال شريف بسرعة وانفعال
يعني هنبني اتهام على طريقة مشي؟
لكن كريم لم يعلق.
ظل ينظر إلى سارة.
ثم قال
فيه أي تفصيلة تانية؟
فكرت قليلًا.
وفجأة اتسعت عيناها.
أيوه.
إيه؟
ريحة.
استغرب الجميع.
قالت
كان فيه ريحة مميزة جدًا... نفس البرفيوم اللي فضلت شماه في المصعد بعد ما الراجل خرج.
ساد الصمت.
ولأول مرة منذ بداية الاجتماع...
أخرج كريم منديلًا صغيرًا من جيب سترته.
كان المنديل قد وُجد معه ليلة الحادث.
رفعه أمامها وسأل
الريحة دي؟
اقتربت سارة بحذر.
وما إن شمته...
حتى تغير لون وجهها.
ورفعت رأسها ببطء، وهي تقول بصوت يكاد لا يُسمع
أيوه... هي دي بالضبط.
في تلك اللحظة،
إلا كريم المنشاوي.
يتبع...ظل كريم ممسكًا بالمنديل لثوانٍ، ثم أعاده إلى جيبه دون أن يعلق.
لكنه كان قد لاحظ نظرات الارتباك التي مرت بين بعض الحاضرين.
قال بهدوء
واضح إن الاجتماع هيطول.
ثم ضغط على زر صغير أمامه.
دخلت السكرتيرة فورًا.
محدش يخرج من الدور ده غير بإذني.
أومأت برأسها وأغلقت الباب.
بدأ التوتر يزداد داخل القاعة.
أما سارة، فكانت تتمنى لو تنتهي كل هذه الجلسة وتعود إلى عملها.
وفجأة قال كريم
سارة... إنتِ بقالك قد إيه شغالة هنا؟
تلات سنين.
عمرك أخدتي جزاء؟
لأ.
التفت كريم إلى مدير الموارد البشرية.
ملفها.
فتح الرجل جهاز الكمبيوتر بسرعة، ثم قال
تقييمها ممتاز كل سنة... ومفيش أي مخالفة.
ابتسم كريم ابتسامة خفيفة.
كنت متوقع.
ثم نظر إلى سارة.
امبارح وإنتِ بتنقذيني... كنتِ بتقولي إنك درستي تمريض.
هزت رأسها.
سنتين... وبعدها اضطريت أسيب الدراسة.
ليه؟
ترددت للحظة، ثم قالت
ظروف.
لم يسألها أكثر من ذلك.
احترم رغبتها في عدم الحديث.
في تلك اللحظة دخل أحد الموظفين مسرعًا وهو يحمل صندوقًا صغيرًا.
حضرتك... لقينا الحاجة دي في العربية بتاعتك.
فتح كريم الصندوق.
كان بداخله هاتفه الشخصي.
لكن الغريب...
أن الهاتف كان مغلقًا تمامًا.
حاول تشغيله.
لم يعمل.
قال مسؤول تقنية المعلومات
واضح إن حد حاول يفتح الجهاز أكتر من مرة، وبعدها البطارية اتفصلت.
عقد كريم حاجبيه.
العربية كانت في الجراج.
أيوه.
مين دخلها؟
فتح مسؤول الأمن سجل الدخول.
وبدأ يراجع الأسماء.
وفجأة توقف.
غريبة...
إيه؟
الكارت اللي دخل الجراج بعد منتصف الليل هو نفس الكارت اللي دخل غرفة المراقبة.
ساد الصمت.
لكن المفاجأة كانت أن اسم صاحب البطاقة ما زال محذوفًا من النظام.
وقف كريم ببطء.
ثم قال
يبقى فيه حد بيحاول يمسح آثاره.
وبينما كان الجميع منشغلًا بالكلام...
رن هاتف سارة.
اعتذرت بخجل.
معلش...
نظرت إلى الشاشة.
كان الرقم للمستشفى الحكومي الذي كانت والدتها تتعالج فيه قديمًا.
استغربت.
ردت بسرعة.
ألو؟
جاءها صوت رجل كبير في السن.
آنسة سارة عبد الرحمن؟
أيوه.
أنا الدكتور سامي... كنت مدرسك في كلية التمريض.
اتسعت عيناها.
لم تسمع صوته منذ ثلاث سنوات.
قال
إحنا شوفنا اللي حصل امبارح في الأخبار.
نظرت إلى كريم بدهشة.
أخبار؟
أكمل الدكتور
المستشفى كلها بتتكلم
ازدادت دهشتها.
قال
وفيه حاجة مهمة لازم أبلغك بيها... بس لازم أشوفك النهارده.
سألته بقلق
خير؟
رد بصوت غامض
فيه ورق كانت والدتك سايباه أمانة عندي... وقالت ما أدهولكيش إلا في الوقت المناسب.
تجمدت سارة.
شعرت بأنفاسها تتسارع.
والدتها...
تركت لها شيئًا؟
أنهى الطبيب المكالمة.
وأغلقت سارة الهاتف وهي شاردة.