أنقذت رجلا بقلم ميرا
لاحظ كريم تغير ملامحها.
فسألها بهدوء
فيه مشكلة؟
رفعت رأسها وقالت
يمكن... حياتي كلها كانت ناقصها إجابة واحدة.
وقبل أن تكمل...
دخل أحد أفراد الأمن مسرعًا إلى القاعة وهو يلهث.
يا أستاذ كريم...
التفت الجميع إليه.
قال الرجل بصوت متوتر
فيه حد حاول يدخل غرفة الأرشيف من خمس دقايق... ولما الحراس قربوا منه، هرب وساب وراه ملف.
نظر كريم إلى الملف الذي كان يحمله رجل الأمن.
وعندما فتحه...
تغيرت ملامحه لأول مرة.
لأن أول صفحة كانت تحمل عنوانًا كبيرًا
سري للغاية.
وتحت العنوان مباشرة...
كانت صورة قديمة لسارة عبد الرحمن، التقطت لها منذ سنوات داخل كلية التمريض.
يتبع...تجمدت سارة في مكانها.
حدقت في الصورة القديمة غير مصدقة.
كانت ترتدي المعطف الأبيض الخاص بكلية التمريض، وتبتسم ابتسامة اختفت من وجهها منذ سنوات.
قالت بصوت مرتجف
الصورة دي... منين؟
لم يجبها أحد.
كان كريم يقلب صفحات الملف بسرعة، وكلما قلب صفحة ازدادت ملامحه جدية.
اقترب شريف محاولًا النظر.
لكن كريم أغلق الملف فورًا.
وقال بحزم
محدش يلمسه.
ثم التفت إلى سارة.
أنا محتاج أسألك كام سؤال.
هزت رأسها بالموافقة.
قبل ما تسيبي الكلية... حد عرض يساعدك تكملي مصاريف الدراسة؟
فكرت قليلًا.
ثم قالت
مرة واحدة بس.
مين؟
جالي راجل كبير في السن بعد المحاضرة، وقال إن فيه جمعية خيرية مستعدة تدفع المصاريف كاملة للطلبة المتفوقين.
وافقتِ؟
لأ.
ليه؟
ابتسمت بحزن.
أمي كانت رافضة آخد حاجة من حد.
أومأ كريم برأسه، وكأنه تأكد من شيء كان يشك فيه.
في تلك اللحظة دخلت السكرتيرة مرة أخرى.
حضرتك... الدكتور سامي موجود بره، وبيقول الموضوع ضروري.
نظرت سارة بدهشة.
هو جه بنفسه؟
أيوه.
قال كريم
خليه يدخل.
دخل الدكتور سامي، رجل في أواخر الستينات، يحمل حقيبة جلدية قديمة.
ما إن رأى سارة حتى ابتسم بحنان.
كبرتي يا بنتي.
اقترب منها وسلمها ظرفًا بنيًا مغلقًا بالشمع الأحمر.
وقال
أمك سلمتني الظرف ده قبل وفاتها بأسبوع.
أخذته سارة بيدين مرتعشتين.
وقالتلي...
سكت لحظة.
...لو في يوم بنتي رجعت تنقذ روح إنسان، ابقى سلمها الأمانة.
اتسعت عينا سارة.
أنقذ روح؟
ابتسم الدكتور.
كانت دايمًا تقول إنك مهما بعدتي عن حلمك، هترجعي له.
انهمرت دموع سارة وهي تنظر إلى الظرف.
نظر كريم إلى الدكتور.
حضرتك تعرفها من زمان؟
أجاب
كانت من أشطر الطالبات اللي دخلت الكلية.
ثم أضاف وهو ينظر إلى
ولولا الظروف... كانت دلوقتي من أفضل الممرضات.
فتحت سارة الظرف ببطء.
كان بداخله خطاب بخط يد والدتها.
وصورة قديمة تجمعها بأمها أمام بوابة الكلية.
وضعت الصورة على الطاولة، بينما بدأت تقرأ أول سطر في الخطاب.
وفجأة تغير لون وجهها.
همست
مستحيل...
سألها كريم بهدوء
فيه إيه؟
رفعت رأسها، لكن قبل أن تنطق...
انطفأت أنوار القاعة بالكامل.
غرق الطابق في الظلام.
وانطلق صوت إنذار الأمن في كل أرجاء البرج.
وبعد ثوانٍ...
سمع الجميع صوت ارتطام قوي قادمًا من غرفة الأرشيف.
ثم دوى صوت زجاج يتحطم...
وكأن شخصًا يحاول الهرب.
يتبع...قفز أفراد الأمن من أماكنهم فورًا.
اقفلوا كل المخارج!
دوّى صوت كريم في القاعة، فانطلق رجال الأمن نحو الأبواب، بينما ظل هو ثابتًا في مكانه.
أما سارة، فكانت ما تزال تمسك بخطاب والدتها بيد مرتعشة.
الظلام لم يستمر سوى ثوانٍ.
ثم اشتغلت الإضاءة الاحتياطية، وأصبح الطابق مضاءً بضوء أبيض خافت.
دخل أحد رجال الأمن وهو يلهث.
الأستاذ كريم... غرفة الأرشيف مكسورة!
تحرك كريم بسرعة.
تعالوا.
وصل الجميع إلى الغرفة.
كان أحد النوافذ الزجاجية محطمًا، والستائر تتحرك مع الهواء.
لكن المفاجأة...
أن الأرشيف لم يكن مبعثرًا كما توقعوا.
بل كانت كل الملفات في أماكنها تقريبًا.
باستثناء درج واحد فقط.
كان مفتوحًا.
وفارغًا.
نظر كريم إلى أمين الأرشيف.
إيه اللي كان في الدرج ده؟
ارتبك الرجل.
ملفات التعيينات القديمة... من خمس سنين تقريبًا.
سأل كريم
فيها إيه مهم؟
أجاب
طلبات التوظيف... والمقابلات... وكل بيانات الموظفين اللي اشتغلوا وقتها.
توقفت سارة فجأة.
خمس سنين؟
همس كريم
قبل ما تشتغلي هنا بسنتين.
أومأت برأسها.
وفي تلك اللحظة، انحنى عم حسن بجوار النافذة المكسورة.
ثم رفع شيئًا صغيرًا من الأرض.
لقيت دي.
كانت بطاقة تعريف موظف.
لكن الصورة ممزقة.
والاسم مخدوش بأداة حادة.
قال كريم
واضح إن اللي هرب كان مستعجل.
وفجأة...
صدر صوت رنين خافت.
التفت الجميع.
كان هاتفًا محمولًا ملقى أسفل أحد المكاتب.
التقطه مسؤول الأمن.
شكله وقع من الشخص اللي هرب.
ضغط زر التشغيل.
الهاتف كان مقفلًا بكلمة مرور.
لكن قبل أن يقفله...
ظهرت على الشاشة رسالة جديدة.
نظر الرجل إلى كريم.
حضرتك...
أخذ كريم الهاتف.
قرأ الرسالة.
ثم تغيرت ملامحه.
سأله شريف
فيه إيه؟
أغلق كريم الشاشة دون أن يجيب.
لكن سارة لمحَت جملة قصيرة قبل
اتأخرنا... البنت لسه عايشة.
شعرت بقشعريرة تسري في جسدها.
هل كانت الرسالة تقصدها هي؟
أم شخصًا آخر؟
وقبل أن تسأل...
استدار كريم إليها وقال بصوت هادئ، لكن حاسم
من اللحظة دي... مش هينفع ترجعي بيتك لوحدك.
نظرت إليه باستغراب.
ليه؟
أجاب وهو ينظر إلى الهاتف في يده
لأن واضح إن اللي بيدور على الملفات... عرف إنك بقيتي جزء من الموضوع.
ساد الصمت.
بينما كانت سارة تشعر لأول مرة...
أن اللي بدأ بإنقاذ رجل غريب داخل مصعد، تحول إلى لغز أكبر بكثير مما تخيلت.
يتبع...نظرت سارة إلى كريم بعدم فهم.
أنا؟ جزء من الموضوع؟
أومأ برأسه بهدوء.
للأسف... أيوه.
اعترضت فورًا.
بس أنا معرفش أي حاجة.
قال كريم
وده اللي مخليني قلقان.
في تلك اللحظة، اقترب قائد الأمن وقال
يا فندم، قفلنا كل مخارج البرج، لكن الشخص اللي دخل غرفة الأرشيف اختفى.
سأله كريم
راجعتم كاميرات الطوارئ؟
أيوه... والغريب إن الكهرباء فصلت عن الكاميرات لمدة دقيقتين بالظبط.
تنهد كريم.
يعني اللي عمل كده كان عارف هو بيعمل إيه.
ثم التفت إلى سارة.
إنتِ فاكرة آخر مرة حد سألك أسئلة عن حياتك أو دراستك؟
فكرت قليلًا.
ثم قالت
من أسبوع تقريبًا.
رفع حاجبيه.
مين؟
واحد من موظفين الموارد البشرية.
استغرب مدير الموارد البشرية الموجود في القاعة.
إحنا معملناش مقابلات مع سارة من يوم ما اتعينت.
ردت سارة بسرعة
كان بيقول إنه بيحدث بيانات الموظفين.
سألها كريم
تعرفي اسمه؟
هزت رأسها بالنفي.
لكن كان لابس كارت الشركة.
ساد الصمت.
قال كريم لقائد الأمن
هاتلي سجل كل اللي دخلوا قسم الموارد البشرية الأسبوع اللي فات.
حاضر.
وقبل أن يتحرك...
رن هاتف كريم.
نظر إلى الشاشة.
المتصل كان مدير المستشفى.
ابتعد عدة خطوات ورد.
ظل يستمع دون أن يقاطع.
ثم قال
أنا جاي حالًا.
وأغلق الهاتف.
التفت إلى الجميع.
لازم أروح المستشفى ساعة واحدة.
سأله شريف
خير؟
أجاب باقتضاب
نتائج التحاليل وصلت.
ثم نظر إلى سارة.
هتفضلي هنا لحد ما أرجع.
اعترضت بخجل.
بس عندي شغل.
ابتسم عم حسن.
أنا هخلص ورديتك النهارده.
ابتسمت له سارة بامتنان.
وبعد خروج كريم بدقائق...
جلست في غرفة صغيرة مجاورة للقاعة، ومعها خطاب والدتها الذي لم تكمل قراءته.
أخذت نفسًا عميقًا.
وفتحت الورقة مرة أخرى.
كان الخط واضحًا رغم مرور السنوات.
يا سارة... لو بتقري الكلام ده، يبقى ربنا كتبلك عمر جديد من جواكي. يمكن تكوني
انهمرت دموعها.
وأكملت القراءة.
أنا عارفة إنك هترجعي لحلمك يومًا ما... ويمكن اليوم ده ييجي من مكان عمرك ما تتوقعيه.
أغلقت الخطاب وضغطته إلى صدرها.
في تلك اللحظة، طرقت السكرتيرة الباب.
آنسة سارة...
أيوه؟
فيه واحد بره مصمم يقابلك.
استغربت.
مين؟
بيقول إنه كان زميلك في كلية التمريض.
عقدت حاجبيها.
خرجت إلى الاستقبال.
كان يقف شاب في أوائل الثلاثينات، يحمل باقة زهور بسيطة.
ابتسم عندما رآها.
سارة... فاكراني؟
دققت في وجهه لثوانٍ.
ثم اتسعت عيناها.
محمود؟
ضحك.
أخيرًا افتكرتيني.
كان محمود من زملائها القدامى في الكلية، ولم تره منذ تركت الدراسة.
ناولها الزهور.
شفت خبر إنقاذ رجل الأعمال في التلفزيون... أول ما شفتك عرفت إنك إنتِ.
ابتسمت بخجل.
الدنيا صغيرة.
لكن قبل أن يكملا الحديث...
وصل أحد أفراد الأمن مسرعًا.
آنسة سارة... الأستاذ كريم رجع، وعايز حضرتك حالًا.
تبادلت سارة ومحمود نظرة سريعة.
ثم استدارت متجهة إلى مكتب كريم...
دون أن تدري أن المفاجأة التي تنتظرها هناك ستغير مسار حياتها بالكامل.
يتبع...طرقت سارة باب المكتب بخفة.
جاءها صوت كريم من الداخل
اتفضلي.
دخلت وهي ما تزال تمسك بخطاب والدتها.
كان كريم واقفًا أمام النافذة، وبجواره ملف طبي مغلق.
استدار إليها وقال
اقفلي الباب لو سمحتي.
أغلقت الباب، ثم وقفت في هدوء.
سألها كريم مباشرة
إنتِ لسه نفسك ترجعي تكملي تمريض؟
تفاجأت بالسؤال.
وظلت صامتة لثوانٍ.
ثم ابتسمت ابتسامة حزينة.
الوقت فات.
هز رأسه.
الوقت بيفوت لما الإنسان يستسلم... مش لما السنين تعدي.
خفضت عينيها.
المصاريف... والظروف... وكل حاجة اتغيرت.
فتح كريم درج مكتبه، وأخرج ملفًا أزرق.
ودفعه نحوها.
اقري.
فتحت الملف بحذر.
كان يحتوي على قرار داخلي صادر في نفس اليوم.
منح سارة عبد الرحمن إجازة مدفوعة لمدة ستة أشهر، مع استمرار صرف راتبها كاملًا.
اتسعت عيناها.
ورفعت رأسها بسرعة.
أنا... مش فاهمة.
ابتسم كريم.
دي أول خطوة.
ثم أخرج ورقة أخرى.
كانت خطابًا من إدارة التعليم والتدريب بإحدى المستشفيات المتعاقدة مع الشركة، يفيد بإمكانية مساعدتها في استكمال إجراءات العودة لدراسة التمريض إذا استوفت الشروط الأكاديمية.
شعرت
همست
حضرتك... بتعمل كل ده عشاني؟
أجاب بهدوء
أنا مش برد جميل.
ثم نظر إليها نظرة صادقة.
أنا بدي فرصة لشخص استحقها من زمان.
لم تستطع الرد.
امتلأت عيناها بالدموع.
وفي تلك اللحظة...
طرق قائد الأمن الباب.
حضرتك... التقرير وصل.
أخذ كريم المظروف وفتحه.
بدأ يقرأ.
ثم توقفت عيناه