عمى وصانى اتجوز بنته

لمحة نيوز

كلها انتهت، وكل واحد وصل للمكان اللي يستحقه.
تمت بعد سنوات...
في ليلة هادئة، كنت قاعد في أوضة المكتب، وبقلب في صندوق قديم كنت مقفله من زمان.
طلعت منه صور الفرح.
صورتي أنا وجومانه.
وصورة الشبكة اللي عمري ما جبتها لها... والصورة الوحيدة اللي كانت لابسا فيها الغوايش اللي أبوها اشتراهالها بدل مني.
وقتها افتكرت كل كلمة جرحتها بيها.
رن جرس الباب.
فتحت.
لقيت شاب في أوائل العشرينات، شيك وواقف بثقة.
قال حضرتك الأستاذ إيهاب؟
قلت أيوه.
ابتسم وقال أنا محامي تحت التمرين في مكتب الأستاذة جومانه.
اتوترت.
قال أنا جاي أوصل لحضرتك دعوة.
بصيت للدعوة.
كان افتتاح مؤسسة خيرية جديدة باسم دار الكرامة، لدعم السيدات اللي اتعرضوا للعنف والإهانة وبدأوا حياتهم من جديد.
وفي آخر الدعوة كانت جملة قصيرة
الكرامة حق... وليست هدية.
ابتسمت بحزن.
روحت يوم الافتتاح.
من بعيد شفت جومانه واقفة وسط عشرات الستات، وكل واحدة بتحكي إنها قدرت تبدأ من جديد بعد ما فقدت الأمل.
لما خلص الحفل، قربت منها.
قلت واضح إنك حولتي وجعك لحاجة تنفع غيرك.
ابتسمت وقالت لأن الوجع يا إيهاب... يا بيكسر الإنسان، يا بيخليه سبب في شفاء غيره.
مديت إيدي أسلم عليها.
صافحتني باحترام.
وبعدين سابت إيدي ومشت تكمل استقبال الضيوف.
وقفت أتفرج عليها من بعيد، وعرفت إن الإنسان ممكن يندم طول عمره... لكن أجمل نهاية لأي ظلم، هي إن المظلوم ينجح ويسترد كرامته، من غير ما يتحول هو نفسه لظالم.
النهاية الحقيقية بعد افتتاح مؤسسة دار الكرامة بعدة أشهر...
كنت خارج من المسجد بعد صلاة الجمعة، ولقيت راجل كبير بيقرب مني.
بص في وشي وقال إنت إيهاب؟
قلت أيوه.
ابتسم وقال أنا كنت شغال مع عم جومانه أكتر من عشرين سنة.
سكت لحظة، ثم قال عمها كان دايمًا يقول أنا خايف على إيهاب من نفسه أكتر ما أنا خايف على جومانه.
الجملة
نزلت عليا كالصاعقة.
سألته يعني... كان عارف؟
هز راسه وقال كان عارف إن السلطة لو دخلت قلب الإنسان من غير رحمة، هتفسده. لكنه ماكانش متوقع إن الوصية نفسها تبقى سبب العذاب.
فضلت واقف ساكت.
قال قبل ما يمشي ربنا فتح لجومانه باب رزق وكرامة... ولسه فاتحلك باب توبة. متقفلوش بإيدك.
مشيت وأنا بفكر في كلامه.
ومن اليوم ده، بدأت أبيع جزء كبير من أملاكي، وسددت حقوق ناس كنت ظلمتهم في شغلي، وتبرعت بجزء من مالي لمؤسسات بتساعد الأسر المحتاجة.
مكنتش بدور على مدح من حد.
كنت بدور على راحة ضمير اتأخرت سنين.
وفي يوم، وصلني ظرف من غير اسم المرسل.
فتحته.
كان فيه بطاقة صغيرة مكتوب فيها
التوبة بين العبد وربه... وربنا يقبل من يشاء. أتمنى تلاقي السلام اللي كنت محروم منه.
ماكانش عليها توقيع.
لكن عرفت إنها من جومانه.
ابتسمت لأول مرة من غير وجع.
لأن بعض النهايات... مش بتكون رجوع حبيب لحبيب، لكنها بتكون رجوع إنسان إلى ضميره بعد مرور عامين...
كنت بقيت أعيش حياة هادئة، بعيد عن الغرور اللي كان مالي قلبي زمان. بقيت أشتغل، وأرجع بيتي، وأحاول أصلح أي غلط أقدر أصلحه.
وفي يوم، كنت في مؤسسة دار الكرامة بتسليم تبرع من غير ما أكتب اسمي.
وأنا خارج، سمعت صوت بينادي
يا أستاذ إيهاب.
لفيت.
كانت جومانه.
وقفت قدامي وقالت
عرفت إنك بقالك سنتين بتتبرع للمؤسسة من غير ما حد يعرف.
قلت بهدوء ده أقل حاجة أقدر أعملها.
ابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت
عارف... زمان كنت فاكرة إنك مستحيل تتغير.
سكت شوية، وبعدين قلت
وأنا كنت فاكر إن القوة في إن الناس تخاف مني... طلع القوة في إن الإنسان يقدر يواجه نفسه.
هزت رأسها وقالت
كلنا بنتعلم... بس المهم نتعلم قبل ما العمر يخلص.
في اللحظة دي، جه زوجها، وسلم عليّ بحرارة.
قال جومانه حكتلي كل حاجة... وقالتلي إن الإنسان ممكن يغلط، لكن مش كل الناس
بتعترف بغلطها.
ابتسمت له، وبعدين بصتلي وقالت
أنا سعيدة إنك لقيت طريقك.
رديت
وأنا سعيد إن ربنا عوضك خير.
افترقنا للمرة الأخيرة.
المرة دي، ماكانش في حزن... ولا ندم يوجع.
كان في سلام.
سلام بين شخصين جمعهم يومًا ظلم، وفرّقهم العدل، ثم جمعهم الاحترام الإنساني من بعيد.
وهكذا انتهت الحكاية، ليس بعودة الماضي... بل ببداية حياة أفضل لكل واحد منهما بعد خمس سنوات أخرى...
كنت داخل السبعين من عمري، والشيب غطّى شعري كله.
وفي صباح هادئ، رن تليفوني.
المتصل كان رقم غريب.
رديت.
جالي صوت شاب يقول
حضرتك الأستاذ إيهاب؟
قلت أيوه.
قال أنا يوسف... ابن جومانه.
سكت مكاني.
قال بهدوء ماما طلبت أشوف حضرتك.
قلبي اتقبض.
سألته بسرعة
هي كويسة؟
قال الحمد لله... بس في حاجة حابة تسلمهالك بنفسها.
روحت.
دخلت بيتها لأول مرة من يوم ما افترقنا.
لقيتها قاعدة في الجنينة، شعرها فيه خصلات بيضا، لكن ابتسامتها كانت أهدى من أي وقت فات.
أشارتلي أقعد.
قالت
عارف ليه طلبتك؟
هزيت راسي بالنفي.
طلعت صندوق خشب صغير.
فتحته.
كان فيه مفتاح قديم.
استغربت.
قالت وهي بتبتسم
ده مفتاح أول شقة عشنا فيها.
ابتسمت بحزن.
قالت
احتفظت بيه سنين... مش عشان أفتكر الوجع، لكن عشان أفتكر إن الإنسان يقدر يخرج من أصعب مكان ويبدأ من جديد.
مدتلي المفتاح.
خده... أنا مبقتش محتاجاه.
أخدت المفتاح، ودموعي نزلت لأول مرة قدامها.
قلت
سامحيني.
ابتسمت وقالت
أنا سامحتك من سنين يا إيهاب... ومتخليش اللي باقي من عمرك يضيع في الندم. اعمل خير، وسيب أثر طيب.
قمت وأنا ماسك المفتاح.
ولما خرجت من بيتها، بصيت للسما وابتسمت.
لأن بعض الناس... بيدخلوا حياتنا يعلمونا إن الكرامة أغلى من الحب، وإن الرحمة أقوى من السيطرة، وإن الإنسان مهما أخطأ، يفضل باب التوبة مفتوحًا ما دام حيًا.
وهنا تنتهي الرحلة حقًا بعد عشر سنوات.
..
كنت بقيت عجوز، وحركتي بقت أبطأ، لكن في كل يوم كنت بروح أقعد ساعة في دار الكرامة.
مش عشان حد يعرفني...
لكن عشان أشوف الستات وهم بيبدأوا حياتهم من جديد، وأفتكر إن الظلم عمره ما بيبني بيت.
في يوم، وأنا خارج، لقيت شابة في أواخر العشرينات بتقرب مني.
قالت حضرتك الأستاذ إيهاب؟
قلت أيوه.
ابتسمت وقالت أنا من البنات اللي المؤسسة ساعدتهم.
استغربت.
قالت الأستاذة جومانه كانت دايمًا تقولنا أوعوا تخلوا اللي ظلمكم يسرق منكم إنسانيتكم.
سألتها هي عاملة إيه دلوقتي؟
ابتسمت بحزن.
وقالت حضرتك... متعرفش؟
قلبي دق بسرعة.
قالت الأستاذة جومانه توفاها الله من شهر.
حسيت إن الدنيا لفت بيا.
قعدت على أول كرسي قابلني.
فضلت ساكت... مش لاقي ولا كلمة.
ناولتني ظرف صغير.
وقالت طلبت قبل وفاتها إننا نسلمه لحضرتك.
فتحته.
كان فيه ورقة بخط إيدها.
يا إيهاب... لو الرسالة دي وصلتلك، يبقى أنا سبت الدنيا. متزعلش. كل واحد فينا خد نصيبه من الحياة. أنا سامحتك، ودعيتلك كتير. ولو عايز تعمل حاجة عشاني... كمّل تساعد الناس، لأن الخير هو الحاجة الوحيدة اللي بتفضل بعد ما الإنسان يمشي.
قفلت الجواب وأنا بدمع.
بصيت للمؤسسة، وشفت البنات داخلين وخارجين، وكل واحدة فيهم عندها أمل جديد.
ابتسمت وسط دموعي.
وقلت لنفسي
يمكن ده يكون أحسن إرث ممكن يسيبه إنسان... إنه يسيب وراه قلوب اتصلحت.
ومن يومها، بقيت أعتبر نفسي مجرد خادم للمكان ده، أنفذ وصيتها، وأدعو لها في كل صلاة.
وهكذا بقي اسم جومانه حيًا... ليس لأنها كانت ضحية، بل لأنها اختارت أن تتحول إلى سبب في نجاة الآخرين بعد مرور سنوات...
كان اسم جومانه بقى معروف في كل مكان، مش بسبب الحكاية القديمة، لكن بسبب الخير اللي زرعته.
أما أنا، فكنت كل ما أدخل دار الكرامة أحس إنها لسه موجودة.
صورتها كانت معلقة على الحائط، وتحتها جملة كتبتها
بإيدها
الإنسان لا يُقاس بعدد المرات التي انكسر فيها... بل بعدد المرات التي اختار فيها أن يقوم.
في يوم، جت بنت صغيرة للمؤسسة، كانت خايفة ومكسورة
تم نسخ الرابط