عمى وصانى اتجوز بنته

لمحة نيوز

نتيجة كل اللي عملته وحدي مر أسبوعين، وكل يوم كان أصعب من اللي قبله.
مراتي الجديدة اكتشفت إن الحياة اللي كانت بتحلم بيها عمرها ما كانت موجودة. مفيش رحلات، ولا هدايا، ولا اهتمام. البيت بقى مليان خناقات، وكل واحد فينا بيلوم التاني.
وفي يوم الصبح، لقيت ورقة على السفرة.
كانت رسالة قصيرة منها
أنا مش هعيش الدور اللي خليت غيري يعيشه. بطلب الطلاق.
وقفت أبص للورقة وأنا مش مستوعب. الست اللي كنت فاكر إنها هتبقى سندي، أول واحدة قررت تسيبني.
في نفس الوقت، جومانه كانت بدأت حياة جديدة.
استأجرت شقة صغيرة، واشتغلت بنفسها، وكبرت الشركة اللي كانت بتديرها، والناس كلها بقت تحترمها بسبب أخلاقها واجتهادها.
بعد شهور، قابلتها بالصدفة في اجتماع خاص بالشركة.
دخلت القاعة بثقة، وكل الموجودين وقفوا يرحبوا بيها.
أما أنا، فكنت مجرد موظف منتظر دوري للكلام.
بصتلي بهدوء، وهزت راسها باحترام، كأننا اتنين غرب عن بعض.
بعد الاجتماع، قربت منها وقلت بصوت مكسور
جومانه... أنا ظلمتك. لو الزمن رجع بيا، كنت هعمل كل حاجة بشكل مختلف.
سكتت لحظة، وبعدين قالت
الاعتذار بيخفف الذنب... لكنه ما بيرجعش العمر اللي ضاع.
لفت ومشيت، وسيبتني واقف لوحدي.
ساعتها فهمت إن أكبر خسارة في حياتي ما كانتش بيت ولا فلوس... كانت إنسانة كانت مستعدة تستحمل الدنيا كلها، وأنا قابلت وفاءها بالقسوة والإهانة.
النهاية بعد ثلاث سنين...
في ليلة شتوية، كنت قاعد لوحدي في البيت. البيت اللي زمان كان مليان ناس، بقى هادي بشكل يوجع.
رن جرس الباب.
فتحت.
لقيت راجل كبير في السن، عرف نفسه إنه المحامي الخاص بعم جومانه.
قال معايا أمانة كان لازم تتسلم لحضرتك بعد مرور ثلاث سنين.
اداني ظرف مقفول.
فتحته بإيدي المرتعشة.
كان فيه جواب بخط عمها.
يا إيهاب... لو بتقرأ الرسالة دي، يبقى الزمن علّمك اللي أنا مقدرتش أعلّمهولك بالكلام. أنا
غلطت لما افتكرت إن الوصية تحمي بنت أخويا. الإنسان بيتحاسب بأخلاقه، مش بالقيود. ولو كنت ظلمتها، فاعرف إن الاعتذار الحقيقي مش بالكلام... الاعتذار الحقيقي إنك متظلمش حد تاني طول عمرك.
فضلت أبص في الجواب وقت طويل.
رفعت عيني للمحامي وسألته وجومانه... أخبارها إيه؟
ابتسم وقال الحمد لله... بخير، وبتعيش حياة مستقرة، وطلبت مننا منقولكش أي تفاصيل. قالت الماضي مكانه الماضي.
هزيت راسي في صمت.
قفلت الباب، ورجعت أبص للبيت.
كل ركن فيه كان بيفكرني بغلط ارتكبته.
ساعتها فهمت إن بعض العقوبات مش بتكون سجن ولا خسارة فلوس...
أقسى عقوبة إن الإنسان يفضل عايش بعمره كله، فاكر الشخص اللي أضاعه بإيده، وهو عارف إنه مستحيل يرجع بعد سنة كاملة...
كنت ماشي في شارع هادئ، لحد ما شفت لافتة كبيرة عليها اسم شركة جديد.
شدني الاسم... لأنه كان نفس اسم الشركة اللي كان عم جومانه أسسها زمان.
دخلت وأنا مش عارف ليه.
الموظفة سألتني حضرتك عندك موعد؟
قلت لا... بس كنت عايز أقابل الأستاذة جومانه.
ابتسمت وقالت ثواني.
بعد دقائق، باب المكتب اتفتح.
خرجت جومانه... لكن مش جومانه اللي عرفتها.
كانت واثقة، هادئة، والناس كلها بتعاملها باحترام.
بصتلي باستغراب وقالت اتفضل.
دخلت المكتب، وقعدت قدامها.
قلت بعد صمت طويل أنا جيت أطلب منك السماح.
قالت بهدوء أنا سامحتك من زمان... عشان أقدر أكمل حياتي. لكن التسامح غير الرجوع.
نزلت عيني للأرض.
قلت أنا خسرت كل حاجة.
ردت إنت خسرت بسبب اختياراتك... مش بسببي.
وقبل ما أتكلم، دخل السكرتير وقال
يا فندم، أعضاء مجلس الإدارة وصلوا.
وقفت جومانه وقالت عن إذنك... عندي شغل.
خرجت من المكتب، وأنا خرجت وراها.
وقفت قدام باب الشركة، وبصيت للافتة مرة تانية.
افتكرت كل مرة كسرت فيها خاطرها، وكل مرة افتكرت إن السيطرة قوة.
وقتها بس فهمت إن القوة الحقيقية كانت عندها... لأنها رغم
كل اللي مرت بيه، ما اختارتش الانتقام، اختارت تبني نفسها من جديد.
ومشيت... وأنا عارف إن في جروح ممكن الزمن يهدّيها، لكنه ما يمحيهاش أبدًا بعد خروجي من الشركة، كنت فاكر إن دي آخر مرة هشوف فيها جومانه.
لكن بعد كام يوم، رن تليفوني من رقم غريب.
رديت.
جالي صوت هادئ الأستاذ إيهاب؟ الأستاذة جومانه طالبة حضرتك في اجتماع ضروري.
استغربت، لكن روحت.
دخلت قاعة الاجتماعات، لقيت جومانه ومعاها محامي ومستشار مالي.
قالت بهدوء متقلقش... أنا مش رافعة عليك قضية.
تنفست الصعداء.
كملت أنا جاية أقفل آخر صفحة بينا.
قدامي اتحطت ورقة.
بصيت فيها... كانت تنازل رسمي عن أي شراكة أو تعامل مالي كان لسه بيربطنا.
قالت كل واحد فينا يعيش حياته بعيد عن التاني.
سكت شوية، وبعدين سألتها ليه استدعتيني بنفسك؟
ابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت عشان النهاية تبقى باحترام... مش بكره.
وقّعت على الأوراق.
وأنا خارج، وقفت عند الباب وقلت أتمنى تلاقي السعادة.
ردت من غير ما تبصلي السعادة بدأت يوم ما بطلت أستنى إن حد يديني قيمتي.
خرجت من الشركة، وأنا حاسس إن الحكاية انتهت فعلًا.
أما جومانه، فكملت حياتها، ونجحت، وأحاطت نفسها بناس يقدّروها ويحترموها.
وأنا تعلمت الدرس متأخر إن الإنسان ممكن يجبر غيره على البقاء، لكنه عمره ما يقدر يجبره على المحبة أو الاحترام. انتهت القصة بعد مرور خمس سنوات...
كنت ماشي في أحد المعارض الخيرية، أتفرج من بعيد على الناس، من غير أي هدف.
وفجأة، سمعت صوت طفلة صغيرة بتجري وهي بتنادي
ماما... استنيني!
لفّيت بدون قصد.
شفت جومانه.
كانت لابسة لبس بسيط وأنيق، وعلى وشها ابتسامة هادئة عمرها ما كانت موجودة وهي معايا.
الطفلة حضنتها، وبعدها جه راجل في أواخر الثلاثينات، أخد الطفلة على كتفه وهو بيضحك.
عرفت من كلام الناس إنه جوزها.
وقف جنبها باحترام، ومد لها إيده وهي ماشية، وكأنها أغلى
حاجة في حياته.
وقفت مكاني.
افتكرت كل مرة كنت أتعمد أكسرها، وكل مرة كنت أقول لنفسي إنها مش هتمشي.
طلعت هي مشيت...
لكن لما مشت، مشت بقلبها وروحها، وسابتني أنا اللي محبوس جوه الماضي.
جومانه لمحِتني من بعيد.
قربت بخطوات هادية، وقالت
السلام عليكم يا إيهاب.
رديت بصوت واطي
وعليكم السلام... مبسوطة؟
ابتسمت وقالت
الحمد لله.
ماقالتش أكتر من كده.
رجعت لزوجها وطفلتها، ومشيت معاهم.
وأنا فضلت واقف أتفرج عليهم لحد ما اختفوا وسط الزحمة.
ابتسمت لأول مرة من سنين...
مش لأنهم رجعوا، ولا لأن في أمل.
لكن لأني عرفت إن ربنا بيعوض المظلوم في الوقت اللي يختاره، وإن الكرامة لما ترجع لصاحبها، بتخليه يبدأ حياة جديدة مهما كانت الجراح قديمة.
وهنا أُسدل الستار على الحكاية بشهور...
كنت فاكر إن دي آخر مرة هشوف فيها جومانه.
لكن في يوم، جالي اتصال من رقم معرفوش.
رديت.
الأستاذ إيهاب؟
أيوه.
الأستاذة جومانه في المستشفى، وطلبت تبلغ حضرتك.
قلبي اتقبض.
روحت بسرعة.
لما وصلت، لقيتها قاعدة على كرسي في الممر، شكلها كويس، مكنتش مريضة.
استغربت.
قلت خير؟
ابتسمت وقالت متخافش... أنا بخير.
سكتت شوية، وبعدين مدتلي ظرف صغير.
إيه ده؟
قالت آخر حاجة كانت بينا.
فتحت الظرف.
كان فيه عقد التنازل النهائي عن أي التزامات قديمة، ومعاه جواب صغير.
قرأته...
يمكن ربنا كتب إننا نكون سبب في تعليم بعض درس عمر. أنا اتعلمت إن السكوت على الظلم بيطول عمره. وإنت اتعلمت إن الظلم آخره خسارة. النهارده بقفل آخر باب بين الماضي والحاضر.
بصيتلها وقلت
ممكن تسامحيني مرة أخيرة؟
ردت بابتسامة هادئة
أنا سامحتك من زمان... لكن كل واحد فينا ليه طريق مختلف.
في اللحظة دي، جه زوجها وهو شايل بنتهم الصغيرة.
الطفلة أول ما شافتني قالت بعفوية
ماما... مين عمو ده؟
جومانه ردت بابتسامة
ده شخص كان في حياتي زمان... وربنا علّمنا كلنا منه
درس.
ابتسم زوجها وسلم عليّ باحترام، وأخد إيد جومانه، ومشيوا.
فضلت واقف أبص عليهم.
المرة دي ماحسّتش بغيرة...
حسيت براحة.
لأن أخيرًا، الحكاية
تم نسخ الرابط