كنت عايش سعيد
المحتويات
مش بماضيها.
شكرته، واشتغلت بكل إخلاص، من غير ما أحاول حتى أبص لفاتن.
بقيت أركز في شغلي، وفي أولادي، وفي إصلاح اللي أقدر أصلحه.
وبعد شهور، وأنا خارج من الشركة، لقيت ابني مستنيني عند البوابة.
ابتسم وقال
يلا يا بابا... اتأخرنا على ميعادنا.
ركبنا العربية البسيطة اللي بقيت أملكها، وكانت بالنسبة لي أغلى من أي عربية فاخرة ركبتها زمان.
وأنا سايق، حسيت لأول مرة من سنين إني غني...
مش عشان الفلوس رجعت.
لكن لأن أولادي رجعوا ينادوني
بابا مرت ثلاث سنوات.
استقرت حياتي، وبقيت أزور أولادي باستمرار، وأشاركهم كل مناسبة مهمة في حياتهم.
وفي يوم، ابني الكبير رجع من المدرسة وهو ماسك شهادة التفوق.
جري عليّ وقال بابتسامة
بابا... أنا طلعت الأول على المدرسة.
حضنته بكل قوتي، وحسيت إن ربنا بيعوضني عن سنين ضيعتها بإيدي.
وفي نفس الأسبوع، جالي اتصال من رقم غريب.
رديت، ولقيت صوت ست بيقول
الأستاذة فاتن في المستشفى... وهي طلبت تشوفك.
اترددت، لكن في النهاية روحت.
دخلت أوضة المستشفى، لقيتها مرهقة جدًا، ومفيش حد واقف جنبها.
بصتلي وقالت بصوت ضعيف
فاكر لما كنت بقولك إن الفلوس هي كل حاجة؟
سكت.
قالت وهي دموعها بتنزل
الرجل اللي اتجوزته بعدك خسر ثروته، وبعدها طلقني... وكل الناس اللي كانوا حواليا اختفوا. اكتشفت متأخر إن اللي بيحب الفلوس، الفلوس أول ما تسيبه، الناس كلها تسيبه.
مدت إيدها بورقة وقالت
دي كل المجوهرات والحاجات اللي كانت باقيالي... بيعها، وادّي تمنها لأولادك. يمكن ربنا يسامحني على اللي عملته.
بصيتلها، وقلت بهدوء
ربنا هو الغفور الرحيم. لو ندمك صادق، استغفريه، وهو أرحم بينا كلنا.
خرجت من المستشفى وأنا بدعيلها بالهداية، من غير شماتة.
لأن الحياة علمتني إن الإنسان ممكن يغلط، لكن الأهم إنه يعرف يرجع للحق قبل فوات الأوان.
ورجعت بيتي،
ابتسمت، وحمدت ربنا.
لأن أغلى نعمة في الدنيا... مش المال، ولا المنصب، ولا المظاهر.
أغلى نعمة هي الأسرة، والمحبة الصادقة، وراحة الضمير.
تمت بعد عدة أشهر، كنت فاكر إن الحكاية انتهت، لكن القدر كان لسه مخبي مفاجأة.
في يوم، كنت قاعد مع أولادي في النادي، لقيت واحد من زملائي القدامى في الشركة بيجري عليا.
قال لي إنت عرفت اللي حصل؟
قلت باستغراب حصل إيه؟
قال فاتن اتقبض عليها.
اتصدمت وسألته ليه؟
رد هي وجوزها السابق كانوا داخلين في قضية نصب وغسيل أموال، والتحقيقات كشفت مستندات وعقود مزورة.
سكت شوية، ثم قال والغريب إن اسمك ظهر في التحقيقات، لأن في تحويلات قديمة كانت بين حساباتك وحسابها.
اتجمد الدم في عروقي.
رحت للنيابة وقدمت كل المستندات اللي تثبت إن التحويلات كانت هدايا ومصاريف شخصية، وإنها تمت وقت الجواز وبعلمي.
بعد أسابيع من التحقيق، اتأكدت براءتي، واتشال اسمي من القضية.
وأنا خارج من المحكمة، رفعت بصري للسماء وقلت
الحمد لله... دي آخر صفحة من الماضي.
رجعت لأولادي، واحتضنتهم.
قلت لهم أوعوا في يوم تبيعوا اللي بيحبكم عشان بريق مؤقت... لأن البريق بيختفي، لكن الإنسان اللي وقف جنبكم وقت الشدة هو الكنز الحقيقي.
ابني ابتسم وقال إحنا اتعلمنا الدرس يا بابا... من غير ما نغلط الغلطة.
ابتسمت، وأنا حاسس إن ربنا عوضني بأكبر نعمة... أسرة رجعت تفتح لي قلبها، وفرصة جديدة أعيشها صح.
وهكذا انتهت رحلة طويلة بدأت بالغرور، وانتهت بالتوبة، وإصلاح ما أمكن إصلاحه بعد خمس سنوات...
كان ابني الكبير بيتخرج في الجامعة، واليوم ده كان من أسعد أيام حياتي.
وقفت في آخر القاعة أراقبه وهو بيستلم شهادة التخرج، وافتكرت يوم المحكمة لما قالي إحنا كبرنا يا بابا... كنا محتاجينك
يومها كنت فاكر إن مستحيل الجرح يلتئم.
لكن الحمد لله، بالصبر والصدق، قدرت أكسب ثقتهم من جديد.
بعد الحفل، ابني خد الميكروفون وقال
قبل ما أنزل، عايز أشكر شخص غلط... واعترف بغلطه... واتعب سنين عشان يصلحه. بابا، شكراً إنك علمتني إن الرجولة مش إن الإنسان ما يغلطش... الرجولة إنه يعترف بغلطه ويصلحه.
القاعة كلها صفقت.
أما أنا، مقدرتش أمنع دموعي.
بصيت لطليقتي، لقيتها بتبتسم لأول مرة من سنين.
بعد انتهاء الحفل، قربت منها وقلت
أنا هفضل طول عمري مديون ليكي... لأنك ربيتي ولادي أحسن تربية رغم كل اللي عملته.
قالت بهدوء
أنا عملت اللي يرضي ربنا... وربنا هو اللي عوضنا.
وفي طريق الرجوع، سألتني بنتي
بابا... لو رجع بيك الزمن، كنت هتختار إيه؟
ابتسمت بحزن وقلت
كنت هارجع البيت أول ما حسيت إن قلبي بدأ يبعد عن أمكم... لأن أي مشكلة كان ممكن تتحل بالحوار، لكن اللي عملته أنا هدم بيت كامل.
سكتوا جميعًا.
ثم قالت بنتي وهي تمسك يدي
المهم إنك رجعت قبل ما تضيع نفسك للأبد.
ابتسمت، ونظرت إلى السماء.
أدركت أن بعض الندوب لا تختفي، لكنها تذكرنا كل يوم بألا نكرر الخطأ.
وعشت بقية عمري أحاول أن أكون أبًا يستحق حب أولاده، وإنسانًا تعلم أن الوفاء أغلى من المال، وأن الأسرة الصادقة نعمة لا تعوض.
النهاية الحقيقية بعد عشر سنوات...
كنت بقيت على المعاش، وبقيت أقضي معظم وقتي مع أولادي وأحفادي.
وفي يوم عيد، البيت كان مليان ضحك وصوت الأطفال.
حفيدي الصغير جري عليّ وقال
جدو... احكي لنا حكاية.
ضحكت وقلت هحكيلكم حكاية راجل كان فاكر إن الفلوس تقدر تشتري كل حاجة.
قعدوا كلهم حواليا يسمعوا.
حكيت لهم عن الغرور، وعن النجاح، وعن اللحظة اللي ضيعت فيها أغلى ناس في حياتي بإيدي.
ولما خلصت، سألتني حفيدتي
والراجل ده... هو أنت يا جدو؟
ابتسمت، وهززت
قلت أيوه... وأنا بحكيها لكم عشان ما تغلطوش نفس الغلطة.
في اللحظة دي، ابني الكبير حط إيده على كتفي وقال
إحنا مش فاكرين أخطاءك يا بابا... إحنا فاكرين إنك قضيت عمرك بعد كده بتحاول تصلحها.
بكيت من غير ما أحس.
نظرت إلى أولادي وأحفادي، ثم إلى طليقتي التي كانت تجلس وسط العائلة باحترام ومودة، بعدما صارت علاقتنا قائمة على التقدير من أجل أولادنا، دون أن نعود زوجين.
وقلت في نفسي
ربنا أكرمني بفرصة ثانية... مش علشان أنسى الماضي، لكن علشان أتعلم منه.
وفي آخر الليل، وأنا بصلي، رفعت إيدي للسماء وقلت
اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا المال غاية قلوبنا، وارزقنا حسن العشرة، وحفظ الأمانة، والرضا بما قسمت لنا.
كانت دي آخر صفحة في حكايتي...
حكاية رجل خسر أسرته بسبب الغرور، ثم قضى بقية عمره يحاول أن يستحق غفرانهم.
تمت بحمد الله بعد سنوات طويلة، كنت كل ما أبص في المراية أفتكر الراجل اللي كنته زمان، والراجل اللي بقيته دلوقتي.
وفي يوم، جالي ظرف قديم من مكتب المحامي.
استغربت، فتحته، ولقيت فيه رسالة بخط إيدي... كنت كاتبها لنفسي وأنا في عز غروري، ضمن دورة تدريبية في الشركة عن أهداف الحياة.
كان مكتوب فيها
نفسي أبقى أغنى واحد، وأركب أفخم عربية، وأسكن أكبر بيت، والناس كلها تبصلي بإعجاب.
قريت الرسالة وابتسمت بحزن.
وقلبت الورقة، لقيت نفسي كاتب في آخرها جملة صغيرة كنت ناسيها
وأهم حاجة... أفضل محافظ على بيتي وأسرتي.
قفلت الرسالة وأنا حاسس بغصة.
قلت لنفسي
الغريب إن آخر هدف هو أول حاجة ضيعتها.
في نفس الليلة، رن جرس الباب.
فتحت، لقيت ابني الكبير واقف ومعاه أول حفيد ليا.
ابتسم وقال
بابا... النهارده ابني اتولد، وأنا جيت أسميه على اسمك.
وقفت مكاني مش قادر أتكلم.
حضنت حفيدي، والدموع نزلت من عيني.
ساعتها بس حسيت إن ربنا قبل توبتي،
رفعت عيني للسماء وقلت
الحمد لله... الحمد لله الذي أبدل كسري
متابعة القراءة