كنت عايش سعيد
المحتويات
بكل لحظة وبدلعها لآخر خط، وبصرف من غير ما أحسب، لأن طالما مشاريع الشركة ناجحة وعمولاتي شغالة، يبقى الفلوس هتفضل تيجي. مكنتش قادر أشوف إن الويك إند اللي بيتكلف أرقام خيالية، واللبس اللي بيترمى بعد لقطة الكاميرا، بدأوا يسحبوا من الرصيد اللي شايله للزمن بسرعة مرعبة..
وفي الناحية التانية، كانت حياتي القديمة بتتمحى تماماً من ذاكرتي، وكأنها مكنتش موجودة.
الشهر ورا الشهر، وبدأت أطنش مصاريف ولادي. في الأول كنت بأخرها، وبعدين بقيت أقول لنفسي ما هي قاعدة في شقتي القديمة ومستورة، وتصرف هي بقى وتتصرف، أنا مش بنك متحرك!، الفلوس اللي كانت بتطلع ليهم، بقيت شايف إن فاتن وخروجاتنا وسفرياتنا أولى بيها. الولاد اللي كانوا حتة مني، بقيت شايفهم مجرد عبء مالي وضغط أنا مش مجبر أستحمله في وسط حياتي الجديدة والبرستيج اللي أنا فيه.
طبعاً طليقتي بدأت تتصل، وتزن، وتبعت رسائل عشان مصاريف الأكل والمدارس واللبس. كانت بتتحايل الأول، وبعدين بدأت تدعي وتصرخ من قلة الحيلة. وأنا؟ مكنتش طايق أسمع صوتها ولا أشوف رسالة واحدة تفكرني بالماضي أو تنكد عليا صفو حياتي مع فاتن.
وفي لحظة برود تامة، مسكت الموبايل، ودخلت على رقمها.. وعملت لها بلوك من كل حتة؛ من المكالمات، والواتساب، وفيسبوك. قفلت الباب ده تماماً ورميتهم ورا ضهري وكأنهم ميتين، ولا فارق معايا هياكلوا منين ولا عايشين إزاي.
التفتّ لفاتن وهي قاعدة جنبي بتفرجني على فستان جديد عايزة تشتريه عشان السفرية الجاية، وبستخسار رهيب في ولادي وكرم غير محدود معاها، طلعت الفيزا وقلت لها اطلبي اللي أنتِ عايزاه يا حبيبتي، مفيش حاجة تغلى عليكي. كنت فاكر إني بكدة اشتريت دماغي وراحتها، ومكنتش أعرف إن اللي بيبيع لحمه ودمه، الدنيا مابتسميش عليه..
الكاتبه_امانى_سيد
ومننساش نذكر الله
القصة
في الشركة، المشروع الكبير اللي كنت معتمد عليه فشل بسبب ظروف السوق، والعمولات اللي كنت متعود عليها وقفت فجأة. الإدارة بدأت تراجع المصروفات، ولأن مرتبي كان بقى ضخم جدًا، قرروا إعادة هيكلة المناصب.
في يوم، استدعاني رئيس مجلس الإدارة وقال بهدوء إحنا مقدرين كل اللي قدمته للشركة، لكن الظروف اتغيرت. هترجع لمنصب استشاري، ومفيش عمولات الفترة الجاية.
خرجت من مكتبه وأنا حاسس إن الأرض بتهتز تحت رجلي.
رجعت البيت وأنا متوقع إن فاتن هتقف جنبي، لكن أول سؤال قالته كان يعني إيه مفيش عمولات؟ والسفرية اللي الأسبوع الجاي؟
قلت لها هنأجلها شوية لحد ما الأمور تستقر.
بصتلي بضيق وقالت أنا متجوزتش راجل يقعد يحسبها كده.
حاولت أوفر في المصاريف، لكن فاتن كانت كل يوم بطلب جديد. عربية أحدث، شنطة ماركة، وسفرة جديدة.
ومع أول مرة قلت فيها مش هينفع دلوقتي.
بدأت المشاكل.
بقت ترجع البيت متأخر، وتقعد بالساعات على الموبايل، وتتكلم ببرود معايا.
وفي يوم رجعت بدري من الشغل، لقيت شنطها كلها مختفية.
فضلت ألف في الشقة وأنادي عليها، لحد ما لقيت ورقة على الترابيزة مكتوب فيها
أنا اخترت الحياة اللي تناسبني... ولما مستواك نزل، بقينا مش مناسبين لبعض. متدورش عليا.
قعدت على الأرض وأنا مش مصدق.
في لحظة واحدة، افتكرت مراتي الأولى وهي واقفة بتعيط وأنا بطلقها، وافتكرت ولادي لما سبتهم من غير سند، وافتكرت كل مكالمة رفضفضلت قاعد بالساعات في الشقة، أبص على الورقة وأقراها مرة واثنين وعشرة.
لأول مرة، حسيت بالوحدة بجد.
الشقة الواسعة اللي كنت فاكرها حلم، بقت سجن. مفيش صوت غير صدى خطواتي.
حاولت أكلم فاتن، لقيت رقمي متعمله بلوك.
بعتلها رسائل من أرقام تانية، مردتش.
روحت عند الشقة اللي كنت
قالولي الأستاذة باعت الشقة من شهر، وكل الإجراءات قانونية.
وقفت مذهول.
كانت عاملة توكيل عام وأنا في عز انشغالي، واستغلته في بيع الشقة.
بعدها بأيام اكتشفت إن جزءًا كبيرًا من مدخراتي اختفى من الحسابات المشتركة اللي كنت فاتحهالها.
قدمت بلاغ، لكن المحامي قال لي معظم التصرفات تمت بموافقتك وتوقيعاتك، واسترجاع الفلوس هيكون صعب.
خرجت من عنده وأنا حاسس إني خسرت كل حاجة.
وفي نفس الأسبوع، وصلني إنذار من المحكمة بسبب متجمد نفقة الأولاد.
وقفت قدام الورقة وأنا فاكر اللحظة اللي عملت فيها لطليقتي بلوك من كل مكان.
المرة دي محدش هيعمل بلوك للواقع.
روحت المحكمة، وهناك شفت أولادي بعد غياب طويل.
ابني الكبير كان أطول مني تقريبًا، وبصلي نظرة كلها عتاب.
أما بنتي الصغيرة، فاستخبت ورا أمها، كأنها مش عارفاني.
حاولت أقرب منهم، لكن ابني قال بهدوء موجع
إحنا كبرنا يا بابا... كنا محتاجينك وإنت اخترت غيرنا.
الكلمة دي كسرتني أكتر من أي خسارة فلوس.
بصيت لطليقتي، لقيتها رغم كل اللي حصل، واقفة بكل احترام، لا شتمت ولا انتقمت.
قالت للقاضي أنا مش عايزة غير حق ولادي... وبس.
وقتها حسيت قد إيه كنت ظالم... وقد إيه الإنسان ممكن يهدم سنين من المحبة بسبب لحظة غرور ونزوة بعد الجلسة، خرجت من المحكمة وأنا مش قادر أرفع عيني في وش حد.
كنت أول مرة أحس إني خسرت حاجة أغلى من الفلوس... خسرت احترام نفسي.
رجعت البيت، وبعت العربية الفاخرة اللي كنت فاخر بيها، وسددت جزءًا كبيرًا من متجمد نفقة الأولاد.
وبعدها بدأت أبيع حاجات كتير كنت فاكر إنها رمز نجاحي.
كل حاجة كانت بتخرج من حياتي، لكن كنت حاسس إنها بتشيل جزء من الغرور اللي عشت بيه.
بعد أسابيع، طلبت من طليقتي إنها تسمح لي أشوف الأولاد.
وافقت، لكن
تشوفهم كأبوهم... مش كضيف جاي يزورهم مرة ويمشي.
بدأت أزورهم كل أسبوع.
في الأول كانوا بيتعاملوا معايا برسمية شديدة.
كنت أجيب هدايا، لكنهم كانوا محتاجين وجودي أكتر من أي لعبة أو موبايل.
مع الوقت، بقيت أحضر معاهم المدرسة، وأذاكر لابني، وأخرج بنتي تتمشى في الحديقة.
كل مرة كانوا يقربوا مني خطوة، كنت أحمد ربنا.
وفي يوم، ابني قالي
أنا زعلان منك... بس بحاول أسامحك.
حضنته وأنا ببكي لأول مرة من سنين.
بصيت لطليقتي، وقلت
أنا عارف إني ظلمتك، ومش بطلب منك ترجعيلي... بطلب منك تسامحيني.
ابتسمت ابتسامة هادئة وقالت
اللي بينا انتهى، لكن هفضل أحترم إنك أبو أولادي... وربنا يقبل توبتك.
خرجت يومها وأنا فاهم درس عمري كله
النجاح الحقيقي مش في المنصب، ولا في الفلوس، ولا في المظاهر... النجاح الحقيقي إن الإنسان يحافظ على الناس اللي وقفت معاه وقت ما كان معندوش غيرهم.
النهاية بعد سنة كاملة، كنت اتغيرت بشكل كبير.
اشتغلت بجد من جديد، لكن المرة دي مكنتش بجري ورا الثراء السريع ولا المنصب. كنت بجري ورا راحة ضميري.
علاقتي بأولادي بقت أحسن، لكن الجرح اللي سببتُه كان لسه محتاج وقت يلتئم.
وفي يوم، الشركة أعلنت عن تعيين رئيس تنفيذي جديد.
دخلت قاعة الاجتماعات، ولقيت كل الموظفين واقفين يستقبلوه.
ولما الباب اتفتح... اتصدمت.
فاتن.
كانت داخلة بثقة، لكن مش لوحدها.
جنبها رجل أعمال معروف، أكبر مساهم في الشركة، وعرفت بعدها إنه جوزها الجديد.
بصتلي نظرة سريعة، وكأنها أول مرة تشوفني، وعدّت من جنبي من غير ما تنطق بحرف.
ساعتها فهمت إني كنت مجرد مرحلة في حياتها، وإنها كانت بتدور دايمًا على الشخص اللي يحقق لها المستوى اللي بتحلم بيه.
بعد الاجتماع، استدعاني الرئيس الجديد للشركة.
دخلت المكتب، ولقيت فاتن قاعدة، لكن اللي اتكلم كان
قال سمعنا عن شغلك القديم، والشركة محتاجة خبرتك. إحنا بنقيم الناس بشغلها،
متابعة القراءة