ابويا عزم
ثم على السيدة.
لأن معنى الكلام ده كان مرعب...
فيه واحد مننا هو اللي سرب مكاننا الجملة وقعت علينا كلنا كالصاعقة.
واحد منكم هو اللي بلغنا.
بصيت تلقائيًا للرجل المسن.
هو بص للسيدة.
والسيدة بصت لسيف.
أما سيف... ففضل مركز نظره على الرجال اللي قدامنا، ولا حتى التفت لحد فينا.
قال بهدوء
واضح إنكم عايزين نشك في بعض.
الرجل ابتسم.
وأنا مالي؟ الحقيقة أوقات بتكون أسهل من الكذب.
مد إيده في جيبه، وطلع موبايل.
ضغط على زر التشغيل، وشغل تسجيل صوتي.
الصوت اللي خرج من الموبايل خلاني أتجمد.
كان صوت واحد من الناس اللي كانوا معانا من دقائق.
لكن التسجيل كان قصير، ومش واضح مين صاحبه.
كل اللي اتسمع فيه
أيوة... خرجوا من الممر الخلفي.
سيف مد إيده.
هات التسجيل.
الرجل ضحك.
لأ... لما ييجي وقته.
وفجأة، السيدة المسنة همست في ودني
بصي على إيده الشمال.
استغربت، لكن بصيت.
كان لابس خاتم فضة كبير.
فيه نفس حرف م اللي كان على المفتاح والصندوق.
همست لسيف
الخاتم...
سيف لمح الخاتم، واتغيرت نظرته في لحظة.
قال للرجل
إذن... أنت كنت موجود يومها.
ابتسامته اختفت.
ورد لأول مرة بعصبية
متجيبش سيرة اليوم ده.
عرفت ساعتها إنهم كلهم بيتكلموا عن نفس الحادثة... اللي حصلت من سبعتاشر سنة.
لكن لسه محدش قال إيه هي.
الرجل رفع إيده.
وفي نفس اللحظة، نزل من العربيتين اللي وراه أربع رجال.
وقفوا يسدوا علينا الطريق.
الرجل قال بهدوء
أنا مش جاي أؤذي منة.
وسكت لحظة.
أنا جاي أخد اللي معاها.
كل العيون اتجهت ناحيتي.
أنا تلقائيًا حطيت إيدي على جيبي...
مكان اللفافة الصغيرة اللي السيدة ادتهالي.
الرجل ابتسم.
أيوة... دي بالظبط.
السيدة صرخت
متديهالوش!
وسيف وقف قدامي وقال
مش هياخدها.
الرجل رد بثقة
هياخدها... لأن اللي فيها أهم من أي ملف.
وقبل ما حد يتحرك...
سمعنا صوت سرينة سيارات الشرطة بيقرب بسرعة من الفيلا.
كل الموجودين اتلفتوا ناحية البوابة.
الرجل اللي قدامنا ابتسم ابتسامة غامضة، وقال
واضح إن حد بلغ الشرطة.
سيف عقد حاجبيه.
إحنا مبلغناش.
الرجل رد
وأنا كمان لا.
لثوانٍ... الكل سكت.
لأن ده معناه إن فيه شخص رابع بيتابع كل اللي بيحصل... ومن غير ما يظهر، قرر يدخل الشرطة في اللعبة صوت سيارات الشرطة قرب أكتر، لحد ما أنوارها الزرقا والحمراء انعكست على سور الفيلا.
الرجال اللي كانوا واقفين قدامنا اتوتروا.
واحد منهم همس للرجل صاحب الخاتم
نمشي؟
لكنه هز راسه.
لسه.
سيف استغرب.
مش خايف من الشرطة؟
الرجل ابتسم ابتسامة باردة.
مين قالك إنهم جايين عشاني؟
بعد ثواني، دخلت أول عربية من البوابة.
نزل منها ضابط ومعاه عدد من أفراد الشرطة.
بص حواليه بسرعة، ثم قال بصوت واضح
مين فيكم الأستاذ رأفت المنشاوي؟
أبويا، اللي كان لحق يوصل للجنينة من الناحية التانية، رفع إيده بتردد.
الضابط قرب منه.
حضرتك معانا.
أبويا اتفاجئ.
أنا؟! ليه؟
الضابط طلع ورقة من الملف اللي في إيده.
فيه بلاغ رسمي مقدم النهارده، وفيه مستندات مرفقة. مطلوب حضورك للاستماع لأقوالك.
أمي، اللي كانت وصلت هي كمان، صرخت
أكيد فيه غلطة!
لكن الضابط كان هادي.
إحنا هنا ننفذ الإجراءات وبس.
أنا بصيت لسيف.
أنت اللي بلغت؟
هز راسه بالنفي.
لا.
الرجل صاحب الخاتم ابتسم وقال
قلتلك... فيه لاعب لسه ماشفناهوش.
وفجأة، موبايل سيف رن.
رقم غير مسجل.
فتح الخط، وحط السماعة
فضل ساكت وهو بيسمع.
ثم قال
أنت مين؟
جاله الرد، لكن إحنا ماكناش سامعين.
ملامحه اتبدلت.
وقبل ما يقفل المكالمة، قال
مستحيل.
قفل، وبصلي مباشرة.
الشخص اللي بلغ الشرطة... عايز يقابلك لوحدك.
أنا اتوترت.
مين هو؟
سيف رد بهدوء
رفض يقول اسمه.
وقال إيه كمان؟
سكت لحظة، ثم قال
قال جملة واحدة...
توقف وهو بيبص حوالينا، كأنه بيتأكد إن محدش قريب.
ثم قال بصوت منخفض
قولوا لمنة إن الحقيقة اللي بتدور عليها... موجودة في البيت اللي اتربت فيه، مش الفيلا دي.
في نفس اللحظة، وصلت رسالة على موبايلي لأول مرة من رقم مجهول.
فتحتها بإيد مرتعشة.
وكان فيها صورة قديمة جدًا...
لطفلة عندها حوالي خمس سنين.
واقفة قدام باب بيت قديم.
والغريب...
إن الطفلة دي كانت أنا.
لكن اللي كان ماسك إيدي في الصورة...
ماكانش أبويا رأفت ابتدى الصمت يلف المكان.
أنا كنت ببص للصورة، وإيدي بتترعش.
رفعتها قدام أبويا.
مين الراجل ده؟
رأفت حاول يبص بعيد.
لكن للمرة الأولى في حياته... ماعرفش يهرب.
قعد على أقرب كرسي، ودفن وشه بين إيديه.
وقال بصوت مكسور
أنا تعبت... ومبقاش ينفع أكدب أكتر من كده.
الكل سكت.
حتى الضابط وقف يسمع.
رفع أبويا راسه وبصلي.
الراجل اللي في الصورة كان أعز صاحبي. ولما حصلت له أزمة كبيرة قبل سبعتاشر سنة، ساب بنته عندي فترة قصيرة لحد ما يرجع.
قلبي انقبض.
يعني... أنا؟
هز رأسه.
أيوه... أنتِ.
أمي بدأت تبكي.
أنا كنت رافضة من الأول... لكن وافقت في الآخر. وبعدها بأيام وصلنا خبر إنه مات في حادث.
الرجل المسن تدخل بهدوء.
وده اللي كنتم فاكرينه.
ثم أخرج ورقة قديمة.
لكن الحقيقة إنه كان عايش، وكان بيدور
في اللحظة دي...
اتفتح باب الفيلا.
ودخل رجل في أوائل الستينات، شعره غزاه الشيب، لكن ملامحه كانت هي نفسها ملامح الراجل اللي في الصورة.
وقف قدامي، وعينه مليانة دموع.
منة...
ماقدرش يكمل.
أنا فضلت أبصله ثواني.
وبعدين سألت بصوت مرتجف
أنت... حسام؟
هز رأسه وهو بيبكي.
أيوه... أنا أبوكي.
الدموع نزلت من عيني من غير ما أحس.
لكن قبل ما أجري عليه، بصيت لرأفت.
كان واقف بعيد، وشكله منهار.
قال بصوت مخنوق
أنا غلطت... غلطت لما خبيت الحقيقة، وغلطت أكتر لما سمحت إن منة تتحمل الإهمال والتمييز في البيت. مفيش مبرر للي عملته.
أمي انهارت هي الأخرى، وفريدة ومروان وقفوا في صدمة، وكأنهم اكتشفوا إن الصورة اللي عاشوا بيها عمرهم كله كانت ناقصة.
حسام قرب مني بخطوات بطيئة.
وقال
أنا مش جاي أخطفك من حد... ولا أطلب منك تناديني بابا من أول يوم. أنا جاي أقولك إنك كان ليك أب بيدور عليكي كل يوم، ومفقدش الأمل.
احتضنته.
وكان أول حضن حقيقي أحس فيه بالأمان من سنين.
بعد أيام، ثبتت المستندات الحقيقة، وانتهت التحقيقات، واتقفلت كل الملفات القديمة.
أما رأفت...
فقرر يبيع جزءًا من ممتلكاته، ويسدد كل الحقوق المتعلقة بالقضية القديمة، واعتذر لي قدام العيلة كلها، من غير تبرير ولا أعذار.
وأمي اعتذرت هي الأخرى، واعترفت إن تفضيلها لإخواتي دمر علاقتنا لسنوات.
أما سيف...
فابتسم وقال
أنا وعدتك إني أوصلك للحقيقة... والباقي قرارك.
بصيت له وابتسمت.
وأنا اخترت أبدأ حياة جديدة... من غير كذب، ومن غير أسرار.
بعد عدة أشهر، اتجوزت سيف في حفل بسيط حضره
ولأول مرة في حياتي...
قعدت على سفرة كبيرة وسط عيلتي، مش علشان أقدم الأكل...
لكن علشان أكون واحدة من أصحاب المكان.
تمت.