ابويا عزم
المحتويات
اتدخل بسرعة.
إحنا مش فاهمين حاجة... لو عندكم موضوع خاص اتكلموا فيه برا.
سيف ابتسم ابتسامة خفيفة.
بالعكس... لازم يتقال قدام الكل.
فريدة بدأت تتوتر.
سيف بيه... حضرتك مخوفنا.
رد عليها وهو بيقلب في الملف
الخوف بيبقى من الحقيقة.
وفجأة...
طلع ظرف صغير أصفر اللون.
كان مقفول بالشمع الأحمر.
أبويا أول ما شافه شهق.
لا...
دي كانت أول كلمة تطلع منه من ساعة الراجل دخل.
سيف رفع الظرف قدام الكل.
تعرفه؟
أبويا بلع ريقه بصعوبة.
لكن ما ردش.
الرجل المسن قال بهدوء
الظرف ده كان أمانة... وكان لازم يتفتح من سنين.
سيف بصلي.
منة... تقدري تفتحيه؟
اتوترت.
أنا؟
أيوة.
مدلي الظرف.
إيدي كانت بتترعش وأنا بمسكه.
كل العيون كانت متعلقة بيا.
فتحت الشمع القديم بحذر...
ولسه هطلع أول ورقة...
صرخت أمي فجأة بأعلى صوتها
لااا... متفتحيهوش!
الصمت خيم على المكان.
بصيتلها بذهول.
دي أول مرة أشوفها خايفة بالشكل ده.
لكن قبل ما أتكلم...
كان سيف بيبص لأمي نظرة ثابتة وقال
واضح إن حضرتك عارفة اللي جواه... ويمكن أكتر من أي حد موجود هنا.
في اللحظة دي، رن هاتف الرجل المسن.
رد بسرعة، واستمع لثوانٍ، ثم رفع رأسه وقال لسيف
الشخص التاني وصل تحت العمارة... وبيقول إنه مش هيدخل غير لما يشوف منة بنفسه.
اتبادل سيف والرجل نظرة سريعة.
ثم التفت إليّ وقال بهدوء
يبدو إن الجزء الأصعب لسه ما بدأش اتجمدت مكاني.
وبصيت لسيف بعدم فهم.
مين الشخص ده؟
قبل ما يرد، كان جرس الشقة بيرن للمرة التالتة.
المكان كله بقى ساكت.
أبويا شد نفس طويل وقال بعصبية
محدش يفتح الباب.
لكن سيف رد بهدوء
اتأخرنا كفاية.
واتجه بنفسه ناحية الباب.
فتح...
ودخل رجل في أواخر الخمسينات، شعره مخلوط بالأبيض، وملامحه مرهقة، لكنه أول ما وقعت عينه عليا، وقف مكانه.
فضل يبصلي ثواني طويلة.
وبعدين قال بصوت مبحوح
دي... منة؟
سيف هز راسه.
أيوة.
الرجل قرب خطوة، لكن وقف قبل ما يوصل لي.
كبرت...
الكلمة خرجت منه وكأنها طالعة بعد سنين
أنا كنت ببصله باستغراب.
عمري ما شفته قبل كده.
لفيت ناحية أبويا.
لقيته منزل عينه في الأرض.
أما أمي، فكانت ماسكة طرف طرحتها بإيد بترتعش.
الرجل قال وهو بيبص لأبويا
سبعتاشر سنة... وكنت فاكر إن السر هيفضل مدفون.
أبويا انفجر
اخرس! ملكش دعوة ببنتي.
رد الرجل بهدوء
لو كانت بنتك فعلًا... كنت عاملتها بطريقة تانية.
الجملة دي خلت كل الموجودين يلتفتوا ناحية أبويا.
فريدة قالت بصوت متوتر
يعني إيه الكلام ده؟
مروان زعق
فيه إيه؟ حد يفهمنا.
لكن سيف رفع إيده.
محدش يقاطع.
وبعدين أخد الورقة اللي كانت جوه الظرف الأصفر، وبص فيها للحظات.
ثم قفلها تاني.
أنا استغربت.
مش هتقول فيها إيه؟
سيف بصلي وقال
دلوقتي لا.
ليه؟
لأن الحقيقة ناقصها شاهد.
وأشار ناحية الرجل اللي لسه داخل.
وده الشاهد.
الرجل طلع من جيبه مفتاح نحاسي قديم، وحطه على السفرة.
وقال
المفتاح ده فضل معايا سبعتاشر سنة... ومستني اليوم اللي أسلمه لصاحبته.
بصيت للمفتاح.
كان قديم جدًا، ومتعلق فيه ميدالية فضة منقوش عليها حرف واحد...
م.
الرجل زقه ناحيتي.
ده بتاعك.
مديت إيدي ببطء ومسكته.
وفي اللحظة اللي لمسته فيها...
أبويا ضرب السفرة بإيده بكل قوته.
الكاسات اتكسرت.
والأطباق وقعت على الأرض.
وزعق لأول مرة بصوت هز البيت كله
المفتاح ده محدش يلمسه!
لكن سيف وقف قدامه مباشرة، وقال ببرود
للأسف... القرار ده مبقاش بإيدك.
ثم التفت للرجل وسأله
المكان لسه زي ما هو؟
الرجل هز رأسه.
ولا حاجة اتحركت... من اليوم اللي اتقفل فيه.
سيف بصلي وقال
بكرة الصبح هنروح كلنا هناك.
سألته بخوف
هناك فين؟
ابتسم ابتسامة غامضة وقال
المكان اللي المفتاح ده بيفتحه... وهناك هتلاقي إجابات عن أسئلة عمرك ما عرفتي حتى إن عندك حق تسأليها.
وفي نفس اللحظة...
وصلت رسالة على هاتف سيف.
قرأها بسرعة، فتغيرت ملامحه.
ثم رفع رأسه وقال بصوت منخفض
للأسف... حد سبقنا للمكان سيف قفل شاشة الموبايل بسرعة.
ملامحه كانت هادية...
أنا سألته بقلق
مين اللي سبقنا؟
رد بعد لحظة صمت
مش عارف... بس حد كسر القفل من أقل من ساعة.
أبويا فجأة رجع يقعد على الكرسي، وكأن الحمل اللي فوق كتافه خف شوية.
ولأول مرة من بداية الليلة... ابتسم.
ابتسامة صغيرة، لكنها كانت كفاية تخليني أحس إن في حاجة غلط.
سيف لاحظها هو كمان.
فقال وهو مركز معاه
واضح إن الخبر ما ضايقكش.
أبويا رد بثقة مصطنعة
لأن مفيش مكان أصلاً.
الرجل المسن هز رأسه بالنفي.
بل فيه... وأنا بنفسي قفلت بابه من سبعتاشر سنة.
أمي قامت فجأة.
كفاية بقى! الليلة دي انتهت.
ومدت إيدها تمسك دراعي.
لكن سيف وقف بينها وبيني.
منة هتيجي معايا.
أمي بصتله بغضب.
دي بنتي.
رد عليها من غير ما يعلي صوته
واضح إنكم فاكرينها بنتكم وقت ما احتجتوها بس.
الكلمة أصابتهم في مقتل.
محدش عرف يرد.
في اللحظة دي، تليفون مروان رن.
بص للشاشة، واتغير لون وشه.
لف بعيد ورد بصوت واطي، لكن الصالة كانت ساكتة لدرجة إننا سمعنا جزء من كلامه.
إيه؟!... إزاي اختفى؟!... كنتوا مراقبينه!
أول ما قفل، لقى كل الناس بتبصله.
ارتبك وقال بسرعة
شغل... مجرد شغل.
لكن سيف ابتسم لأول مرة من ساعة ما دخل.
واضح إن شغلك الليلة دي متعب.
مروان بلع ريقه.
حضرتك تقصد إيه؟
أقصد إن الشخص اللي كسر القفل... كان مستني حد يبعتله.
الصمت رجع يسيطر.
أنا بقيت حاسة إن كل واحد في البيت مخبي سر.
وفجأة...
الرجل المسن مد إيده في الحقيبة الجلد مرة تانية.
طلع صندوق خشب صغير، عليه نفس حرف م المحفور على الميدالية.
وقال وهو بيسلمه لسيف
أنا نفذت الأمانة.
سيف أخده، لكنه ما فتحوش.
بل سلمهولي أنا.
احتفظي بيه.
بصيت للصندوق.
كان خفيف.
لكن من جوه... كان فيه صوت حاجة معدنية بتتحرك.
قبل ما أسأله إيه اللي جواه...
سمعنا صوت ارتطام قوي جاي من بلكونة الصالة.
كل الموجودين اتلفتوا في نفس اللحظة.
سيف جري ناحية البلكونة وفتح الباب.
لكن ماكانش فيه حد.
بس على الأرض...
كان فيه ظرف
سيف انحنى، أخده، وفك الخيط.
قرأ أول سطر...
فتغيرت ملامحه تمامًا.
أنا قربت منه.
فيه إيه؟
ناولني الورقة.
وكان مكتوب فيها بخط واضح
لو عايزين تعرفوا الحقيقة... دوروا الأول على الشخص اللي اسمه في شهادة ميلاد منة... مش الشخص اللي رباها.
ولما رفعت عيني من الورقة...
لقيت أبويا ماسك طرف السفرة بكل قوته...
وبينطق لأول مرة باسم... محدش في البيت سمعه قبل كده خرج الاسم من بين شفايف أبويا بصعوبة، كأنه كان بيدفنه جواه بقاله سنين.
...حسام.
أول ما قاله، الرجل المسن غمض عينيه للحظة.
وسيف بص لأبويا نظرة طويلة، وقال
أخيرًا... نطقت بالاسم.
أنا حسيت إن الأرض بتميد بيا.
مين حسام؟
محدش رد.
كررت السؤال بصوت أعلى
مين حسام؟!
أمي انفجرت في العياط.
لكن سيف هز راسه وقال
الوقت لسه مجاش لكل الإجابات.
الكلام ده خلاني أتعصب لأول مرة.
كل شوية تقولوا الحقيقة... والوقت... والأمانة. أنا صاحبة الموضوع، ومن حقي أفهم!
سيف سكت ثواني.
وبعدين قال بهدوء
وعشان كده... هتعرفي كل حاجة، لكن بالترتيب. لأن أي معلومة ناقصة دلوقتي ممكن تخليكي تصدقي الشخص الغلط.
في اللحظة دي، الرجل المسن فتح الملف الأزرق على آخر صفحة.
وقال
فيه عنوان.
مد الورقة لسيف.
سيف قراها، وبصلي.
هنروح حالًا.
أبويا وقف قدامه.
مش هتخرج من هنا.
سيف رد بثبات
هتخرج.
أبويا حاول يمسك دراعي، لكني بعدت عنه لأول مرة في حياتي.
بصلي بصدمة.
إنتِ هتسيبينا وتمشي مع واحد تعرفيه من كام شهر؟
بصيت في عينيه.
وأنت... تعرفني أصلًا؟
السؤال وقع عليه كأنه صفعة.
ماعرفش يرد.
أخدت شنطتي الصغيرة من فوق الكرسي، وخرجت مع سيف والرجل المسن.
ورانا، كانت أمي بتنادي باسمي، وفريدة بتحاول تهديها، ومروان واقف في البلكونة بيتكلم في التليفون بانفعال.
نزلنا تحت.
قدام العمارة كانت واقفة عربية سوداء فخمة.
ركبت وأنا دماغي مليانة ألف سؤال.
بعد حوالي نص ساعة، العربية وقفت قدام فيلا قديمة، باين إنها مقفولة من
السور كان عالي، والجنينة مليانة شجر ناشف.
الرجل المسن بص للمفتاح اللي معايا وقال
ده مكانه.
مديت إيدي، وحطيت المفتاح في الباب الحديد.
بمجرد ما لفّ...
سمعنا صوت تكة قوية.
الباب اتفتح ببطء.
ريحة المكان كانت مليانة تراب وخشب قديم.
دخلنا.
وفي
متابعة القراءة